الجمعة، 23 ديسمبر 2022
#عيد_ميلاد_أحمد_حدّاد #_الفنّان
عيد ميلاد أحمد حدّاد - الإنسان- الصديق
الأربعاء، 15 سبتمبر 2021
ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...
“ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...
في إهداٍء رقيق كصاحبه كتب الشاعر أمين حداد لأحد أصدقائه على نسخة من أحدث دواوينه" ما بدا لك"؛ يقول: " هذا ما بدا لي وما خفي كان أعظم"!
وعلامة التعجب في نهاية الجُملة لم يضعها أمين حدّاد وإنما هي من عندي، إذ كلما قرأت ما يكتُب هذا الشاعر أجد علامات التعجُّب تُسيطر على الأجواء من حولي بل تدور حول رأسي في فضاء المكان كما في أفلام الكارتون! ولعجبي هذا أكثر من سبب، منها عجبي من قُدرة هذا الشاعر أولًا على الاحتفاظ بكُل هذا القدر من " دهشة الطفولة" التي نولد بها جميعا وتنمو معنا في سنوات الاستكشاف والتساؤل الأولى ثم تذوي شيئًا فشيئًا مع تقدم العمر والاصطدام بحقائق الحياة، أما أمين حدّاد، ديوان بعد آخر، فيحتفظ بكُل تلك الدهشة فنراه يقول:
الضفدعة ما بتستغربش طعم الحشرات
والزهرة ما بتستغربش عطرها
وانا باستغرب كُل حاجة حواليا
كما يُصرح أو يعترف في نفس القصيدة:
بارتوي بالاندهاش
كما يُفصح أيضًا في قصيدة أُخرى من الديوان:
" والمتعة إنك تندهش
وكل دهشة اكتشاف
وكل رعشة اتصال
واكتمال بالتاني"
ولا يكف عن التساؤل ومحاولة طرح إجابات أيضًا، مُتحريًا في محاولاته للإجابة خبرات الحياة التي عاشها وثقافته الواسعة وتأملاته العميقة، لكن كل ذلك تقوده بوصلة من المشاعر والحس الإنساني العميق. وهو اليوم إذ يخطو برضا واتساق نحو العام الرابع من عقده السابع يتكئ على سبيكة نفيسة من موهبة عميقة وعقل مسكون بالتأمل والفلسفة ومخزون لا ينضب من التفاصيل الصغيرة التي لا ترصدها سوى عين كعين أمين حدّاد ولا تختزنها سوى ذاكرة ووجدان كذاكرته ووجدانه، فضلًا عن حب عميق للبشر والشجر والوطن والناس الذين هُم حقًا " ناس“ فهو القائل من قبل: " من أحب الناس عاش" وتكتمل سبيكة أمين حدّاد النفيسة بالجمع بين الانسجام التام مع حقائق الحياة ومرور الزمن ورحيل الأحبة وحتي الموت، وبين الثورة التي لا تعرف مهادنة ضد الظُلم والقُبح والعدوان علي جمال الحياة وبساطتها، كل ذلك دون أن يحيد عن القيمة الجمالية للشِعر كشعِر ولا عن موسيقاه الداخلية، والذي يقرأ أشعار أمين حدّاد يدرك ما أعني.
**
إذا أردتُ أن أحصي ما قرأت للشاعر أمين حدّاد من كُتب مستندًا إلى عدد" العناوين" يكون ديوان " ما بدا لك" هو الديوان الشعري الثامن بالإضافة إلى كتابه البديع" جزيرة الأحياء" والذي يجمع بين الشعر والنثر" وقصة للأطفال بعنوان" الجو جميل" عامرة بالشعر والغناء والدهشة اللامحدودة، فضلًا عن مسرحية بديعة بعنوان" إيزيس وأوزوريس".
أما إذا استندت في الإحصاء إلى عدد مرات تكرار قراءة كُل تلك الدواوين والكُتب فأكون قد قرأتُ مئات الدواوين للشاعر أمين حدّاد، ولا أكون في هذا مُبالغًا، فكُل من يقرأ أشعاره سيفهم ما أقصد؛ إذ أن إعادة قراءة نفس الديوان لهذا الشاعر لمرة ثانية تُعادل قراءة ديوانين من الشعر، والقراءة الثالثة تُشبه قراءة ديوان جديد، وهكذا... أما تفسير ذلك عندي فهو المستويات والجماليات المُتعددة التي تتجاذب القارئ في أشعار أمين حدّاد، فقد تأخُذك القراءة الأولى مثلًا في اتجاه اللُغة والمُفردات التي يكتب بها أشعاره، فتجد نفسك مسحوبًا معها مسحورًا ببساطتها وبلاغتها معًا، وبمزجه أحيانًا للعامية والفُصحى في عبارة واحدة على نحو يزيد كلاهما- العامية والفصحى- جمالًا وألقًا! كما يتنقل بين المذاق الكلاسيكي للشعر بأوزانه وقوافيه، وبين التجريب ومُمارسة" الألعاب" الشعرية ويصرح هو نفسه بذلك في قصيدة " تمرين" حين يقول:
".. وأغراضي في الشعر معروفة، بس باحاول أغيّر في الأشكال المألوفة، وباغرف من الأسرار"
بل ويعمد أحيانًا إلى كسر القوافي مُحذرًا نفسه، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان، من الجري واراء القوافي والأوزان على حساب المعنى (وهو ما لا يسمح به أمين حدّاد لنفسه في كل أشعاره) فيقول:
"لأ.. كده فيه قافية بتتسرسب
والوزن بيكدب
ويشدك من أصل الحالة"
وهكذا قد تكتفي بالاستمتاع بهذه اللُغة الشاعرة التي ينفرد بها أمين حدّاد. ثُم حين تقرأ نفس الديوان لمرة ثانية وبعد أن تآلفت مع اللغة وبساطتها وجمالها، تلتفت إلى الصور والمشاهد التي يرصدها بدقة وجمال، وإلى تفاصيل الحياة اليومية التي لا تفوته – وقد تفوت معظمنا- ويرى فيها جمالًا لا يراه سواه، بل يرى في بعض ما نراه نحن عاديًا، يرى هو فيه "مُعجزة حقيقية" فهو، وكما يقول في إحدى قصائد هذا الديوان:
" ما باتنظرش المُعجزات
العادي هو المُعجزة"
ثُم يجوز أن تقرأ ذات الديوان لمرة ثالثة فتنتبه للفخاخ الفلسفية والأسئلة الوجودية التي لا يكُف أمين حدّاد عن أن " يُلغّم" بها أشعاره:
" الدنيا بتتحسّن وتسوء
والعالم سكران فايق
مبسوط متضايق
وكمان مخنوق
واحنا
ح نعيش في الدنيا دقايق
يتغير حوالينا المشهد
مليون مرة
ونموت"
ولا تفوتنا في كُل القراءات السابقة، أو إن شئتم في قراءة رابعة، متعة السباحة في عوالم الفانتازيا والخيال التي تسري في كثير من الصور داخل قصائده:
فمثلًا نجده يسأل في قصيدة" دوامات الحسن":
" لو انت ماشي على طرف عين حبيبتك، وشربت دموعها المالحة، وشرقت، يبقى الحل إيه لو ما بتعرفش تعوم"
ويقول في قصيدة" غريب":
"قال لزراير الأسانسير: مساء الخير، عايز أروح السطوح
قالت له: حنزّلك على السحاب وابقى انزل دورين
قال لجرس الباب: إمتى بقيت عصفورة؟
قال للحيطة: مين العجوز اللي في الصورة؟
قالت له: دي مراية"...
ولعلي جانبت الصواب أو جانبني، حين وصفت هذه الأبيات- ومثلها كثير- بالفانتازيا، لكني قصدت ذلك على مستوى الصورة الخارجية، لكن الواقعية والعمق فيها لا يخطئهما وجدان.
**
في مُقدمة الديوان، والتي كتبها الشاعر بنفسه، وخيرًا فعل، يبدأ بطرح واحد من تساؤلاته الفلسفية التي لا تنتهي عبر كُل ما نشر من دواوين:
" أقدم لكم نفسي ولمن يهمه الأمر لعلكم تجيبون معي على سؤالي: لماذا أنا هنا وأنتم هنا؟"
ويختم مقدمته البديعة بإجابة السؤال الذي طرحه:
"أنا مثلكم. أنتم هنا لأنكم تعلمون أني أريد أن أكون معكم. وأنا هنا لأني جئت إليكم.
فاقبلوني بينكم."
وما بين طرح السؤال وإجابته يمضي أمين حدّاد في التعريف بنفسه بالفعل بدءًا من تاريخ الميلاد ومكان الولادة والاسم بالكامل وأين نشأ وإلى أين وأين تنقل والمؤهل الدراسي... لكنه لا يعرض هذه" المعلومات" على النحو الذي يمكن أن يوضع على الغلاف الخلفي لأي كتاب، لكنه يُحملّها بما هي مُحملة به بالفعل من أعماق وخلفيات ساهمت في تكوين هذا الإنسان والشاعر الماثل بيننا عبر ديوانه الجديد “ما بدا لك" طالبًا – في تواضع عهدناه منه- أن نقبله بيننا! فنراه يذكر تاريخ ميلاده إيماءا إلى الجيل الذي ينتمي له ويمثله، وأي زمن نشأ فيه وتأثر به وبتحولاته، وأي ناس قابل وعاشر وعاش بينهم من أهل وأصدقاء وجيران وسواهم ممن قابل في حياته وتأثر بهم بل وممن قرأ عنهم أو لهم فتركوا في نفسه وفي شعره أثرًا ما، ونجده يحرص في هذه المقدمة علي ذكر العديد من أسماء هؤلاء ، وكثيرًا ما يفعل ذلك أيضًا في الكثير من قصائده في هذا الديوان وما سبقه من دواوين ، فـ أمين حدّاد – فيما يبدو- يملك إدراكًا عميقًا للمكونات التي صنعت منه هذا الشاعر ولا يحيل كل هذا الإبداع الذي يقدمه إلى موهبته الكبيرة وحدها، وهذا أيضًا يندرج تحت بند محبته وعرفانه العميقين للناس والأرض والحياة كلها، وهنيئًا لكل من يمر في حياة هذا الشاعر مرورًا حقيقيًا يترك أثرًا في وجدانه، فلسوف يذكره أمين حدّاد عند قُرّاء أشعاره.
**
في هذا الديوان، وسابقيه، يواصل أمين حدّاد، وبشكل متصاعد دائمًا، الإفصاح عن موهبته الكبيرة كشاعر وكإنسان، نعم " فالإنسانية" أيضًا موهبة كبرى لا يملكها كُل" البشر"، كما يواصل مسيرته كشاعر مسكون بكُل تراث الشعر في العالم وبأرواح كُل الشُعراء، وكباحث مجدد دومًا على مستوى الشكل والمضمون، ولا يحكمه في ذلك- كما أسلفت- سوى الموسيقى الداخلية (دون غنائية مفتعلة)، وكذا الصدق التام المُصفى:
بتمانية وعشرين حرف اعمل ما بدا لك
وافهم إنّ ما حدش ينفع يكتب شعرك في الدنيا بدالك
وبمناسبة الـ " تمانية وعشرين حرف" فمن ملامح هذا الديوان أيضًا أن الشاعر شاء أن يقسم ديوانه الجديد" ما بدا لك" إلى جزئين. أولهما بعنوان" سيبك من اللي فات" ويضّم قصائد بالعامية المصرية، وثانيهما بعنوان" سرٌّ في العَلَن" ويضّم قصائد بالفصحى، ولولا هذا التقسيم الذي عمد إليه الشاعر، ربما للمرة الأولى، لما تنبه القارئ أو – للدقة – العائش مع قصائد الديوان للحظة الانتقال بين العامية والفصحى إذ أن عامية أمين حدّاد لا تقل رقيًا وجمالًا عن فصحاه، كما أن فصحاه لا تقل سلاسة وبساطة عن عاميته، ولعل هذا الديوان يأتي كجسر مفروش بأجمل الورود بين لغتنا العربية الجميلة و" لهجتنا" العامية المحببة، رادًا ببساطة على تلك المعركة المفتعلة والمستمرة منذ عقود طويلة بين العامية والفصحى.
**
لعلّي أطلتُ كثيرًا ولم أنجح في التعبير عن القيم الجمالية والشعرية والإنسانية في هذا الديوان وفي أشعار أمين حدّاد بشكل عام، لكنى أخيرًا اهتديتُ لخاتمة لهذا المقال يستطيع من يقرأها أن يستغني عن المقال كله (فيما عدا المقاطع التي استشهدت بها من الديوان)، ألا وهي- الخاتمة المرجوة- هذه الأبيات التي يختم بها الشاعر قصيدة من قصائد الديوان بعنوان" روحي تهجرني ليلًا"
إذ تلخص هذه الأبيات بكل جمال وبساطة ما ظللتُ أحاول على " مدار" كل السطور السابقة أن أعبر عنه حول هذا الديوان وهذا الشاعر، وهذا هو بالتحديد أحد الفروق الجوهرية بين شاعر كـ أمين حدّاد وبين أي " كتابة أخرى"
يقول أمين حدّاد:
من أين جئت بالشاعر يا أمين؟
أرسله لي فؤادي
ليُسمعني اللغة والإيقاع
ويُريني الصدق لا سواه فيما أراه
وأعطاني سنارة الشعر
فاصطدتُ دهشة الحياة وتفاصيلها
أنا أزيدُ إنسانٍا كلّما عرفتُ إنسانًا
أنقسمُ كلّما كتبتُ قصيدًة تعيش
أنادي القصيدة كما ناديتُ أمّي في الظلام
والصدقُ فقط يجعلها تقول " نعم"
ما اجتمع أمينٌ ونفسُه إلا وثالثهما شاعر
رابعهما مسكين
خامسهما ثائر
عاشرهما خائفٌ على عتبة الستين
من حكايات الستّين
أنني لا أحلم ولكني أزور أحلام الآخرين
من رآني في الحلم فليخبرني
من رآني في الحلم فليتبعني
من رآني في الحلم فليقترب ويخبرني باسمه
وباسمي.
***
هكذا! وبكُل بساطة ووضوح!
وأخيرًا فإن كان هذا " ما بدا” لـ أمين حدّاد، وما خفي – وفقًا لإهدائه الرقيق- كان أعظم، فأنا أيضًا أقول أن هذا " ما بدا لنا" حتى الآن ، وعبر كل دواوين أمين حدّاد السابقة، من موهبته العظيمة وشاعريته الساحرة ، وما خفي منهما - بعد- بالتأكيد أعظم ونحن في انتظار المزيد والمزيد.
طارق فهمي حسين
١٦ سبتمبر ٢٠٢١
الجمعة، 30 نوفمبر 2018
أحمد حدّاد
الشاعر و الفنان الشامل السينمائي كتابة و تمثيلا و إخراجا و العضو المؤسس لفرقة رترو الغنائية المبهجة .
أحمد حداد يكتب شعرا بالعامية الجاهينية الحدادية الصادقة المبهجة ، تسكنه أرواح جديه الشاعرين فؤاد حداد و صلاح جاهين ، و يحمل جينات أبيه الشاعر الكبير أمين حداد و خاله الشاعر الكبير بهاء جاهين ، لكنه في النهاية يكتب أشعاره هو الخاصة و التي لا تشبه أي من أشعار هؤلاء العمالقة ، أشعارا تشبه أحمد حداد و جيله و عصره لكنها - و هذا جزء أساسي في جمالها - تظل تحمل تراث و رائحة تراب الأجداد ، أحمد حداد الشاعر هو صاحب القصيدة التي لم يكتب مثلها أحد في تاريخ العامية المصرية و التي يقول مطلعها :
هات لي يا بكرة صفحة جديدة
حط لي مصر ف جملة مفيدة.
هذا هو الشاعر
و كذلك الممثل جميل في الكاميرا ، رائق في الأداء .
الكاتب و المخرج يحمل رؤياه الخاصة و حلمه السينمائي الخاص و الذي لا يقدم أية تنازلات بشأنه .
على المسرح مع فرقته المبهجة : رترو يتحول الشاب الخجول الدمث إلى عفريت مسرحي يغني و يقرع الدفوف و يرقص إذا لزم الأمر !
أما أحمد حداد الصديق الإنسان فهو من أنبل من قابلت من أبناء جيله و أكثرهم أدبا و دماثة و هدوءا و حياءا أيضا ، حتى أن البعض - و أنا منهم - ربما يعيب عليه شدة هدوءه و حياءه اللذان قد يمثلان أحيانا عبئا على مواهبه المتوهجة خاصة في مجتمعنا الفني و الثقافي المصري و العربي.
عيد ميلاد سعيد يا صديقي و عقبال ١٠٠ سنة و ١٠٠ ديوان و ١٠٠ فيلم و ١٠٠ حفلة ناجحة مع رترو .
صحة و سعادة و إبداع وسط أسرتك الصغيرة و الكبيرة و أصدقاءك و محبيك و جمهورك .
الجمعة، 16 نوفمبر 2018
في الصورة فؤاد حداد
أو " المسحراتي" .
وكنت ،قبل أن "أدرك" فؤاد حداد أعزو هذا الإهتمام الشديد إلى حب أبي لألحان صديقه الغالي جدا ورفيقه الشيخ سيد مكاوي ، ولم أكن مخطئا في ظني ، لكن هذا كان وجه واحد للحقيقة ، إذ كان شعور أبي بعبقرية وصدق وعذوبة وعمق حروف وكلمات فؤاد حداد شعورا شديد العمق ، وذلك كما أدركت فيما بعد .
لا أعرف تحديدا إلى أي مدى كانت الصداقة بين والد الشعراء وأبي ؟ أو حتى إذا ما كانا صديقين فعلا أم مجرد رفيقا إبداع وزميلا عمل ؟ فلم أر فؤاد حداد في بيتنا أبدا ، إلا إذا كنت قد رأيته يوما ولم أدرك - لشدة تغفيلي أو لصغر سني - من هو !
كما لم يصحبني أبي يوما لبيت فؤاد حداد ، مع الأخذ في الإعتبار أنه كانت هناك سنوات طويلة تم خلالها تغييب فؤاد حداد خلف الأسوار .
ولا أملك من أثار فؤاد حداد في مقتنيات أبي وسيرته سوى هذه الصورة وذلك الديوان الشعري الممهور بإداء رقيق مهذب من فؤاد حداد إلى فهمي حسين ، وعشرات من شرائط الكاسيت التي يشدو فيها عمي الشيخ سيد مكاوي أو عمي إبراهيم رجب بأشعار فؤاد حداد سواء عبر الإذاعة أو في جلساتنا الخاصة ، لكن ذاكرتي تتسع أيضا لمشهد أبي وهو جالس جلسته المفضلة إلى مكتبه بالبيت أو متكئا على كنبته الخاصة أو على المصطبة تحت تكعيبة العنب بقريتنا وهو مستغرق تماما بين التسجيل والاستماع لدرر فؤاد حداد .
كما أتذكر يوم عاد أبي إلى البيت في أحد الأيام في بدايات الثمانينيات وهو متهلل الأسارير ليبشرنا ( كما لو كان شأنا عائليا يخصنا بشدة ) بأن : "أمين إبن فؤاد حداد سيتزوج أمينة جاهين "
سعدت أمي جدا بالخبر ، أما أنا فلم أكن أعرف من أطراف الخبر بشكل شخصي سوى " عمو صلاح " ، لكني كنت قد نضجت بشكل كاف لأعرف أيضا من هو فؤاد حداد ، وكان وقع الخبر في نفسي هو الدهشة الشديدة من أمرين :
الأول هو أن هذا النسب سوف يجمع بين قطبي العامية المصرية ، والثاني هو التوافق المدهش في الأسماء بين "أمين" و "أمينة" ، لكن الأمر الأول هو ماشدني أكثر وهو النسب بين قطبي الشعر وتساءلت في نفسي ، بل وطرحت التساؤل على أبي عما إذا كانت زيجة كهذه ستأتي بأحفاد من الشعراء ؟ بل كدت أرى -منذ ذلك الوقت- أن هذا أمر حتمي( وقد كان بالفعل ) !
مرت عقود وجمعني حب الصادق من الشعر بأمين حداد وجها لوجه ، وكأنما أمسكت بطرف عقد من اللآليء فعرفت أمينة وبهاء جاهين وحسن حداد ثم سليم حداد وأحمد وسلمى ومي وحسام حداد ... إلى آخر حبات هذا العقد النفيس الذي غزله بعناية ونقاء فؤاد حداد وصلاح جاهين معا .
عرفت من أمين حداد أنه هو أيضا يحتفظ في ذاكرته بمشهد لفؤاد حداد وهو جالس إلى قصص فهمي حسين القصيرة ويعلق بأنه :"بيكتب حلو أوي "
كان الإعجاب إذا متبادلا بين مولانا فؤاد حداد وأبي فهمي حسين ، وأنا وإن كنت لم أعرف فؤاد حداد شخصيا ، فإني أرى بوضوح إنعكاس ضياءه على الأبناء والأحفاد إنعكاس الشمس على الأقمار
ولما كنت أعرف جيدا فهمي حسين الإنسان والقيم والتكوين ، فإنني أدرك الأسباب التي تجذبني بشدة تجاه كل من يحمل إسم فؤاد حداد فضلا عن قبس من موهبته ، كما أدرك الأسباب التي تحرك ألما عظيما في صدري وشعور بفداحة الخسارة لرحيل فؤاد حداد في مثل هذا اليوم .
بل يتملكني هاجس في هذه اللحظة ويسيطر علي تساؤل خجل :
أما وأني إبن فهمي حسين ، فأين كان كتفي إذا من نعش فؤاد حداد ؟!!!
الأربعاء، 18 يوليو 2018
ليلة سليم حداد
السبت، 9 يونيو 2018
حي على بلدنا
إعداد بديع لشاعر إبن شاعر ،بل إبن "الشاعر" وحامل مفاتيح أسرار أشعاره ،فجاءت الاختيارات والإعداد على أكمل وأجمل مايكون ،وهل ينبئك مثل خبير .
الإخراج : للمخرج الكبير أحمد إسماعيل الذي يفصح إخراجه للعمل عن مدى عشقه وفهمه لما يعنيه إسم فؤاد حداد وما تمثله أشعاره فانعكس ذلك على كل عناصر العرض من إضاءة وحركة ممثلين و الهارموني البديع بين الإلقاء والغناء وكل عناصر العرض التي انصهرت جميعها في بوتقة صنعها المخرج ببراعة ففجرت كل طاقات طاقم العمل ورأينا أشرف عبد الغفور ومفيد عاشور وعهدي صادق في أروع حالات التجلي والألق ، إلى جانب الأداء المبهج للفنانة رحاب رسمي.
أما البلبلان المغردان للعرض الفنان محمد عزت ذلك المطرب راسخ القدمين ، والصاعدة الجميلة نهال خالد فقد دخلا في مباراة من الأداء الواعي الجميل الذي يطرب ويفسر في آن معا .
الأطفال المبدعون : فرح وأحمد وهنا وإسماعيل كانوا بهجة العرض ورسالة واضحة تؤذن بتسلم حتى أصغر الأجيال الناشئة راية أشعار فؤاد حداد وعلى طريق تحقيق نبوءته الشهيرة : "ألفين سنة ويفضل كلامي جميل" ، وإن كنت أرى أن "كلام" فؤاد حداد سوف يظل جميلا مادامت الحياة وليس لمدى ألفين سنة فقط.
شكرا للمايسترو الهاديء البارع د.صابر عبد الستار ولفريقه الموسيقي وللكورال الجميل الذي ازدانت به بناوير المسرح القومي العتيدة فشدا وأشجى وكان ملح العرض.
في براعة السهل الممتنع جاءت بصمات العملاق ناجي شاكر الذي قام بالإشراف الفني على الملابس فجاءت على أجمل مايكون ببساطة ودون أي صخب بصري ، ولعل أجمل تجليات ذلك ظهرت في ملابس الفنان عهدي صادق التي جاءت متممة لأداءه العبقري الذي جاء بمسحة "شابلنية" بديعة أنتجتها الموهبة التي زادتها السنون والخبرة تأججا وبريقا .
وكذا ملابس الفنان أشرف عبد الغفور وألوانها المنتقاة بعناية لتبرزه بصريا منذ الوهلة الأولى وطيلة زمن العرض مؤكدة على قيادته البارعة للأداء فكان أشبه بالمعادل الموضوعي للمايسترو صابر عبد الستار .
وقفة أشرف عبد الغفور على خشبة المسرح القومي في هذا العرض ،أداءه ،حركته ،خطوات قدميه،نبرات صوته،وعيه بما يلقيه من درر شعرية ...كل ذلك أعاد للمسرح القومي الكثير من اعتباره على يد واحد من أعز أبناءه ،بل أننا في هذا العرض نكتشف في الفنان الكبير أشرف عبد الغفور ،وبعد كل هذه العقود من الإبداع،نكتشف فيه طاقات غنائية لاتخطئها الأذن ، وهنا علينا أن ننحني احتراما للمخرج المستكشف والمتحدي أحمد إسماعيل على هذه المفاجأة الجميلة والشجاعة.
أما الفنان الكبير أيضا مفيد عاشور فلطالما كان مجيدا منذ كان طالبا بالمعهد وعلى مدار رحلته الفنية ، واليوم ومن خلال هذا العرض يلقي مفيد عاشور بقفاز الإجادة التي تبلغ حد التفوق على النفس، يلقي به في وجه المخرجين والمنتجين والنقاد الذين لم يضعوا مفيد عاشور حتى الآن في المكانة التي تليق به !
هي ليلة بديعة بكل المقاييس ،وتوجها تكريم إسم مولانا فؤاد حداد على يد الفنانة إيناس عبد الدايم بتسليم درع لأكبر أبناءه الشاعر سليم حداد وإلقاء كلمة مهذبة متواضعة تليق بفنانة كرمت فيها إسم والد الشعراء بل واعتذرت عن تأخر هذا التكريم كثيرا .
شكرا لكل من ساهم في صنع هذا العرض البديع ،وأول من يستحق الشكر هي روح فؤاد حداد كاتب كل هذه النصوص الشعرية أو "السحرية" التي بني عليها العرض .
وشكر خاص وجزيل للفنان الموهوب الجميل يوسف إسماعيل مدير عام المسرح القومي على كل هذا الجهد وكل هذا الفهم .
=====
فقط أمران خارج إطار العرض عكرا ولوقليلا صفو هذه الليلة البديعة ،أمران أولهما مستجد ،والآخر مزمن ،أما المستجد فهو تلك التجديدات الإنشائية التي طرأت على المسرح القومي دون مراعاة لطابعه المعماري الأصيل والبديع إذ جاءت مبالغة في "الحداثية " فبدا الأمر وكأن سفينة فضائية ما قد هبطت ملاصقة للمبنى العريق ،أو ورم خبيث نبت في وجه مليح !
أما الأمر المزمن فهو ذلك البحر العرمرم من العشوائية والابتذال التجاري و"المواصلاتي" الذي يحاصر منذ عقود واحة الجمال المتمثلة في المسارح الثلاث القومي والطليعة والعرائس ومعهم حديقة الأزبكية العريقة ونادي السلاح المصري .
هل نحلم بيوم نرى فيه هذا المحيط كله وقد أعيد تنظيمه من منطلق جمالي بحت ودون أي نوايا "إستثمارية" ،وكذلك دون أية نظرة فوقية أو ميول سلطوية إنتقامية تجاه أولئك الساعون إلى الرزق الحلال لكنهم ،جهلا وفقرا واضطرارا، يصنعون كل هذا القبح والعشوائية ..
هل لنا أن نحلم ؟ ربما !!!













