‏إظهار الرسائل ذات التسميات يومين في الفن .. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يومين في الفن .. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

٨- مسرح الأوبرا الكبير.


٨- مسرح الأوبرا الكبير.
======

في ذكرى الكاتب المسرحي الشهير فريدريش دورينمات قامت السفارة السويسرية بالقاهرة بتكليف الفنان محمد صُبحي بإخراج عرض مسرحية " زيارة السيدة العجوز " لدورينمات و قام بإعداد النص الأُستاذ شوقي خميس تحت عنوان : " الزيارة " و تقرر عرض العمل لمُدة ثلاثة أيام على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية ( نعم وقفت على خشبة المسرح الكبير لدار الأوبرا المصرية ) فكان لابُد من أن يكون العمل ضخماً و الكاست على أعلى مُستوى و قد كان بالفعل على النحو التالي : سناء جميل ( بعد غياب سنوات طويلة عن خشبة المسرح ) و جميل راتب و محمود أبو زيد و شعبان حسين و رياض الخولي و يوسف داوود و عزة لبيب و زينب وهبي و مجدي عبد الحليم و هاني رمزي ... ثُم كُنت و زُملائي الشباب بمثابة ملح الأرض في ذلك العرض الرائع ، لكن أيضاً في إفتتاح العرض كان هُناك مشهد تقديمي شاركت فيه بشكل أساسي و معي نجم المُستقبل فيما بعد : ماجد الكدواني الذي كان شاباً شديد الهدوء و الدماثة و لا يُفصح ظاهره عن حجم ما يختزن من موهبة عظيمة الشأن كما رأينا و نري جميعاً و معنا الزميلات رباب و جيهان و أمل اللائي– فيما يبدو – تقفين خُطاي نحو مقاعد المُتفرجين فيما بعد ...
و مما أتذكر من مواقف خلال تلك الفترة أن بروفات " الزيارة " كانت تتم في الفترة الأولى على خشبة مسرح الفردوس الذي يُقدم عليه عرض " وجهة نظر " و كانت تضم كافة النجوم الذين ذكرتهم و معهم مجموعة الشباب محدودة العدد الذين كُنت بينهم ، حتى كان أحد الأيام حين وصلت للمسرح فوجدت الجو العام يشوبه التوتر و الإحباط يكسو وجوه زُملائي من الشباب ، و ما أن رفعت بصري إلى خشبة المسرح حتى تبين لي السبب إذ كانت هناك بروفة تجري على قدم و ساق ( قبل الموعد المُحدد لبروفاتنا ) و يشارك فيها عدد من الوجوه التي لم نرها من قبل و كان من الواضح أنهم من الراقصين المُحترفين و ليسو مُمثلين ( و كان العرض يشتمل على حركة مجاميع و بعض الإستعراضات الراقصة ) و كانوا يقومون بنفس ما تدربنا عليه و نؤديه بكفاءة لذا لم نجد تفسيراً لوجودهم المُفاجيء سوى أنه إحلال لنا مما إعتبرناه طعناً في قُدراتنا !
وقفنا خارج قاعة المسرح نتشاور و نضرب أخماساً في أسداس ، و فجأة وجدتني و قد " سخنت " كعادتي ، خاصة في سني الشباب ، و توجهت إلى الأُستاذ شوقي طنطاوي ( المُساعد العتيد للمُخرج محمد صُبحي ) مُبلغاً إياه إعتذاري عن الإستمرار مع الفرقة و محاولاً تسليمه ما سبق لي إستلامه من " أجر البروفات " ، فأُسقط في يد شوقي و أوضح لي أنه لا يملك صلاحية البت في مثل هذا الأمر و أن الكلمة الأخيرة بالطبع " للأُستاذ " ثُم تركني و توجه إلى حيث يجلس الفنان محمد صُبحي أثناء إدارته للبروفة و مال عليه هامساً في أُذنه ، فما كان من " صُبحي إلا أن مال بجذعه حتى يظهر لي وجهه من خلف جسد شوقي مُنادياً إياي فتوجهت إليه فباغتني بالسؤال : معاك فلوس سلف ؟ فوجدتني تلقائياً أُحكم قبضة يدي على النقود و أُخفي ذراعي كُله خلف ظهري خجلاً ، فتبسم صُبحي قائلاً : " ده أنا بقول عليك أنضج واحد فيهُم ، إمبارح أنا رُحت الأوبرا و تنبهت إلى أن مساحة خشبة المسرح الكبير تبلغ عدداً من أضعاف مساحة خشبة المسرح هنا ، فكان لابد من زيادة العدد و إلا المسرح هايبلعكم ، و المجموعة الجديدة دي من الراقصين فلن يُخل ذلك بدور أي منكُم ، فياريت تفهم زمايلك الكلام ده و إستعدوا لبدء البروفة .
في اليوم التالي و فور وصولي للمسرح في موعدي توجهت مُباشرة للأُستاذ صُبحي قائلاً له : أنا باعتذر إمبارح كان فيه ظروف و ما قدرتش آجي البروفة ، فتهللت أساريره و هب واقفاً و إحتضنني قائلاً : " الله ... ده أحلى إعتذار سمعته في حياتي " ، من الطريف أن أحداً من الموجودين لم يسمع الحوار لكن الجميع فوجيء بمحمد صُبحي و هو يحتضنني و بالسعادة البادية على وجهه فأقبلت بعض الزميلات و شكلن طابوراً خلفي و كأنما ينتظرن دورهن في تلقي " حضن " من النجم الكبير فضحك الجميع و صاح صُبحي ضاحكاً : إمشي إنتي و هي ده مش أوكازيون "
و ظل بعض الزملاء بقية اليوم يحاولون سؤالي عن ما قلته له حتى يقف مني هذا الموقف الودود .
تم عرض مسرحية " الزيارة "على المسرح الكبير بدار الأُوبرا و لمُدة ثلاثة أيام كما هو مُخطط ، و حقق العرض نجاحاً كبيراً و كانت عودة العملاقة سناء جميل إلى خشبة المسرح هي دُرة تاج العرض و أعظم ثماره ، و لما كُنت – إلى جانب مُشاركتي المتواضعة في العرض – مسئولاً عن أحد "كالوسي" المسرح و من ذلك تنظيم دخول و خروج المُمثلين فقد كُنت أُعاني أحياناً من البحث عن واحد أو آخر من زُملائي الشباب لأنبهه لدخوله إلى المسرح ، في حين لم يحدُث أن كان هُناك دخول للسيدة سناء جميل إلا و إلتفتت لأجدها واقفة خلف الكالوس في صمت عاقدة يديها على صدرها مُغمضة العينين خفيضة الرأس و ذلك قبل مُفتاح دخولها بدقائق ( و هذا زمن طويل في عالم المسرح ) .
إن ما يُروى و يُكتب عن نجوم الزمن الجميل ليس أساطير تُنسج و لا دعايا تُروج ، فقد رأيت من الإلتزام و الرُقي ما هو أكثر بكثير مما يُروى ، و على مدار تلك الفترة الزمنية المحدودة التي تواجدت فيها – على إستحياء – في المسارح و الإستديوهات ، رأيت ذلك الإلتزام و الأدب الجم و التواضع العظيم من السيدة سناء جميل ، و جميل راتب ، و عبد المنعم مدبولي و جمال إسماعيل , و فهمي الخولي و السيدة مديحة يسري و حسن كامي و خالد زكي و يوسف رجائي و زايد فؤاد و سميرة عبد العزيز و ماجدة منير و الراحل أحمد حسين و الفنانة عايدة فهمي و الراقصة عزة شريف ، و الراحل يوسف داوود الذي، في أحد أيام بروفات " الزيارة " ، تزامن وصولنا إلى مسرح الفردوس و " ركن كُلاً منا لسيارته بجوار الآخر ، و كانت السيارتان مُتماثلتان من طراز لادا و موديل عمره تجاوز السنوات العشر ، فقُلت له مُداعباً : العربيات دي المفروض نغيرها بقى ، فأجابني بإبتسامة ودودة راضية : " فضل و عدل يابني .. فضل و عدل " جُملة قصيرة كانت درساً عظيم الأثر ، و من الطريف أنني بعد سنوات صادفته في إشارة مدخل المعادي و قد غير كلانا سيارته بسيارة " سكودا " من نفس الطراز أيضاً " ! و حتى اليوم و كُلما شاهدت فيلم " عسل إسود " و عند العبارة الشهيرة على لسان يوسف داوود " إحنا عندنا هنا الكونسبت بتاع الحمد لله " أتذكر ذلك الموقف و يرد في خاطري أن تلك العبارة رُبما يكون يوسف داوود قد أضافها إلى حوار الفيلم من مخزون قناعاته و أخلاقياته الرفيعة ... ، و الحديث عن الإلتزام و التواضع و الأدب الجم ينسحب بالتدريج على كاست مسرحية " وجهة نظر " بالكامل ، و غيرهم كثيرين ، بل أنني في إحدى مرات تواجدي بمبنى ماسبيرو رأيت العظيمة أمينة رزق شخصياً و قد دخلت إلى إحدى الغرف حيث كانت تدور إحدى بروفات " الترابيزة " و لم يكن هناك أي مقعد شاغر في المكان و كنت أجلس في أول كرسي بجوار الباب فما أن رأيتها حتى قمت واقفاً بالطبع ( و كنت في العشرينيات من العمر ) لأجلسها : إتفضلي حضرتك ، فجالت ببصرها أولاً في المكان فأدركت عدم وجود أي كرسي شاغر فنظرت إلي بعينين لم أر في جمالهما و لا في جمال نظرتهُما و ردت في إستنكار ودود :
" طب و إنت ؟ إنت هاتقعد فين؟ "
و بالطبع أجبتها مذهولاً : أنا إيه حضرتك ؟ ! إتفضلي .
في حين صادفت في ستوديو الأهرام مثلاً نجماً تلفزيونياً شاباً ( في ذلك الوقت ) يفتعل المشاكل بسبب تغيير الماكيير و يترك موقع التصوير مُدعياً الغضب ليلحق بتصوير عمل آخر بإستوديو مصر ، ثُم يعود " إستجابة " لمحاولات ترضيته ، و بعد أن أنجز مشاهده في العمل الآخر !
و للإنصاف فقد رأيتُ أيضاً في ستوديو مصر نجمة كبيرة من نجمات التمثيل و الرقص في زمن قديم لا تتوقف أثناء يوم التصوير عن نشر أكثر الألفاظ بذاءة و سوقية حولها و لأتفه الأسباب رغم أنها تُعد من عمالقة التمثيل ( و الرقص في شبابها ) ، و قد يلومني البعض على هذه الإشارة الأخيرة لكني أردت بها أن أُبريء هذا المقطع من ذكرياتي المتواضعة من شُبهة الإنحياز لأجيال العمالقة و وصم أجيال الشباب فأكون بهذا قد جانبت الموضوعية ، و على أية حال فإن كُل ما أتذكر في السطور السابقة ليس سوى بعض من ذاكرة شخص إحتك بالوسط الفني إحتكاكا محدوداً سواء في حجم التجربة أو في مداها الزمني لذا فهي لا تعدو كونها ذكريات و إنطباعات شخصية و في حدود حجم التجربة المتواضع .
و من طرائف ذكريات عرض " الزيارة " و الذي كان يُعرض في دار الأوبرا المصرية بجزيرة الزمالك ، أن العرض كان يبدأ في السابعة ثُم نهرع نحنُ المُشاركون في عرض " وجهة نظر" إلى " مسرح الفردوس " بميدان الفردوس في طريق صلاح سالم حتى نلحق بموعد رفع الستار في العاشرة ، فكان الأُستاذ محمد صُبحي بمُجرد إسدال ستار نهاية عرض الزيارة يومياً يُعلن بصوت عال أن من سيصل إلى مسرح الفردوس بعده هو شخصياً سوف يتعرض للخصم من أجره ، ثُم ينصرف مُسرعاً فنجري جميعاً مُحاولين ان نطير إلى مسرح الفردوس ،كُلٌ منا بوسيلته الخاصة للإنتقال ، و أتذكر أنه على مدار أيام العرض الثلاثة و قبلها أيام البروفات الأخيرة على مسرح الأوبرا الكبير ، كان يجري – حرفياً – سباق سيارات في شوارع القاهرة بين الفنان محمد صُبحي بسيارته الفولفو القوية ، و بيني بسيارتي اللادا العتيدة ، و بين مُصطفى شعبان ( و كان بعد طالباً بالجامعة ) بسيارته المازدا الصغيرة ، فكُنا نُثير الفزع و الدهشة على طول الطريق بين المسرحين بدءاً من كوبري قصر النيل مروراً بميدان التحرير فشارع طلعت حرب فميدان طلعت حرب و شارع قصر النيل إلى ميدان مُصطفى كامل فميدان الأوبرا ( القديمة ) و شارع الأزهر إلى صلاح سالم وصولاً إلى المسرح بميدان الفردوس ، أحياناً كان يسبقنا فندخل لنراه راسماً الجدية الشديدة على وجهه كاتماً الضحك صائحاً فينا : " إيه اللي أخركُم يا أساتذة ؟ كُنتوا فين ؟ " ، و أحياناً كُنا نسبقه فيدخُل ليجدنا في إنتظاره مُبتسمين بإنتصار فيصيح فينا : " يللا يا أساتذة إجهزوا " !!! 
و للحديث بقية ...

طارق فهمي حسين
٤ نوفمبر ٢٠١٧

7- فرقة ستوديو 2000 ( محمد صُبحي و لينين الرملي )

7- فرقة ستوديو 2000 ( محمد صُبحي و لينين الرملي ) 
=======



شددتُ الرحال إلى فرقة ستوديو ٢٠٠٠ مع الثُنائي الشهير محمد صُبحي و لينين الرملي حيثُ إجتزت إختبار الإنضمام بذات المشهد المُفضل لدي و هو مونولوج : " الكلمة " من مسرحية الحُسين شهيداً لعبد الرحمن الشرقاوي ، و هو المشهد الذي كُنت قد إجتزت به فيما سبق إختبار القبول بالدراسات الحُرة بالمعهد العالي للفنون المسرحية كما أسلفت في حلقة سابقة .
شاركت لأكثر من موسم في تدريبات إعداد المُمثل الصارمة للمُخرج محمد صُبحي و مُساعدته و زوجته الراحلة الفاضلة الفنانة نيفين رامز ، و كذا تدريبات الرقص الشعبي و الدبكة على يد نجم آخر من نجوم فرقة رضا في عصرها الذهبي الفنان القدير حسن عفيفي ، فكُنت ضمن الكاست البديل للعرض المسرحي الرائع " بالعربي الفصيح " حيثُ تنقلت في البروفات بين ثلاث أدوار رئيسية مُختلفة ( كانت كُل شخصيات العرض رئيسية بالمُناسبة )، ثُم حين تم تصفية فريق الشباب البديل إبان إنفصال الثُنائي لينين و صُبحي بقيت ضمن ستة شباب فقط مع الفرقة من أصل حوالي أربعين ، حيثُ شاركنا بإستعراض تعبيري بسيط في المشهد الإفتتاحي لمسرحية " وجهة نظر " على مسرح الفردوس و كان ضمن زُملائي في هذا المشهد النجم فيما بعد : مُصطفى شعبان و  الفنان جمال يوسف و الفنانة مُنى حسين و الزميلتان منال و شيرين اللتان إبعدتهما دوامة الحياة مثلي عن مشوار التمثيل ، و كان المشهد عبارة عن رقصة تعبيرية نؤديها نحن الستة على أنغام المُلحن عبد العظيم عويضة و صوت المُطربة أنغام في أُغنية يقول مطلعها " لابد من آخر ياليل و نهزم الضلمة " و تمضي الكلمات مُعبرة عن مضمون المسرحية ، و ينضم إلينا في نهاية الرقصة نجوم العرض تباعاً ، و كانت هُناك مُشكلة يومية تعوق حرص الفنان محمد صُبحي على أن يستمع الجمهور لكلمات الأغنية حتى النهاية لأهميتها الدرامية ، و هي أنه بمُجرد دخول النجوم ، و بالأخص الفنانة عبلة كامل ، إلى خشبة المسرح كانت الصالة تضج بالتصفيق فتغرق الأغنية في بحر التصفيق الهادر، لذا ففي يوم التصوير التلفزيوني لجأ محمد صُبحي إلى حيلة حتى يؤجل تصفيق الجمهور إلى نهاية الأُغنية ، و ذلك بأن خفض الإضاءة على خشبة المسرح إلى أدنى حد مُمكن و كذا أطلق كمية أكبر من الدُخان طيلة فترة الأُغنية ، مما حال دون تعرف الجمهور على وجوه النجوم لحظة دخولهم إلى المسرح و جعل مُفتاح عودة كامل الإضاءة هو ختام الأُغنية حينها يبدأ التصفيق ، و بالفعل أفلحت الحيلة لكنها أسفرت عن طمس صورتنا و ضياع التسجيل التاريخي لمُشاركتنا المُتواضعة في هذا العرض المسرحي الرائع و كأننا كُنا نُمثل " من ورا أهلنا " على حد التعبير الساخر لأبي رحمه الله .....
و من طرائف ذلك المشهد الذي كان ينتهي كما ذكرت بدخول نجوم العرض و الإنضمام إلينا على المسرح حيثُ نقف جميعاً في تشكيل مواجه للجمهور ، و كان النجوم يدخلون حاملين شموعاً مُضيئة و مع آخر عبارة في الأُغنية و عند كلمة مُحددة ينفخون في الشموع معاً لإطفائها مع عودة الإضاءة كما ذكرت ، تحديداً كانت آخر عبارة في الغنوة كبدايتها : “ لابُد من آخر ( نفخة لإطفاء الشموع ) ياليل ، و لما كان التشكيل الذي ذكرته يقتضي وقوف الفنان عبد الله مشرف خلف كتفي الأيمن ( و كُنا نرتدي قمصاناً سوداء ) فكان في كُل ليلة و مع إطفاءه لشمعته ، يسيل الشمع السائل على كتفي فأشعر بحرارته فضلاً عن تجمده فوق قماش القميص ، و كُنت كُل ليلة في الكواليس أُناشده : “ يا أُستاذ عبد الله ممكن تبقى ترجع لورا شوية علشان الشمع بينزل على كتفي” فيعتذر بشدة و يؤكد أن الأمر لن يتكرر ، لكن الواقع أن الأمر تكرر بعدد ليالي العرض ، فكان الأُستاذ محمد صُبحي يصرخ فيه ضاحكاً : “ يا عبد الله هتولع لي في المُمثلين “ ، و كانت زوجتي تنزعج بشدة حين أعود لها كُل ليلة بالقميص لتغسله فترى الشمع فتقول لي :
- ما تقول له يا طارق و تلفت نظره بدل ما النار في مرة تمسك فيك ، هافرح أنا بقى بالمسرح و لا بعبد الله مشرف ؟ “
و الله كُل يوم با قول له !
و المُضحك أن الأُستاذ عبد الله كان كُل ليلة في الكواليس بعد المشهد يأتيني مُبتسماً :
ها ؟ أظن تمام كده الليلة دي. فأُريه آثار الشمع فيصمُت خجلاً ، و لا أُخفيكم سراً أنني كُنت أسعد بهذا الموقف الطريف و لرُبما كُنت سأفتقد شيئاً ما لو أن الفنان عبد الله مشرف قد نجح في تجنُب إسالة الشمع الساخن على كتفي ، إذ لهذه الدرجة أحببتُ هذا الإنسان الطيب الصافي الموهوب .
ثُم تم إختياري للإنضمام إلى الكاست الأساسي لعرض " بالعربي الفصيح " و إستلزم الأمر إلى جانب خوض البروفات مع الكاست الأساسي أن أُنهي يومياً مشهد الإفتتاح في " وجهة نظر " في مسرح الفردوس ثُم " أطير" بالسيارة إلى مسرح نيو أوبرا لألحق ببداية العرض و أجلس وحدي في بنوار خاص لأُشاهد العرض كاملاً كُل ليلة مُراقباً الشخصية التي سوف أحل محل المُمثل الذي يؤديها ، و أعود في آخر الليل إلى البيت لأستيقظ في الصباح الباكر بحيثُ أكون جالساً في تمام الساعة الثامنة على مكتبي أؤدي عملي بالبنك ، و في هذه الفترة تزاملت في بروفات الكاست الأساسي لعرض " بالعربي الفصيح" مع عدد كبير من المواهب الشابة الذين توقعت لبعضهم نجومية أكيدة فيما بعد و هذا ما حدث بالفعل فكان منهم مُنى زكي ( كانت بعد طالبة في بدايات التعليم الثانوي ) و داليا إبراهيم ( كانت بالإعدادي ) و فتحي عبد الوهاب و هاني كمال و حمدي الرملي ( زميلي أيضاً في الدراسات الحُرة ) و سيد الكومي و حسن عبد الفتاح ( الكوميديان ذو الصوت الغنائي الجميل ) و إيهاب صُبحي و حُسام فياض و آخرين صاروا نجوماً بدرجات متفاوتة ، أما في كواليس عرض " وجهة نظر " حيثُ كُنا نحضر قبل العرض بساعات كما هي قواعد مسرح محمد صُبحي ( الذي كان يتواجد بغُرفته بالمسرح في السابعة في حين يُرفع الستار في العاشرة ) فكان هُناك وقت كاف يومياً لتتشكل حلقة صداقة من أروع ما مررت به في حياتي ضمتني و الفنانين شعبان حسين و عبلة كامل و رياض الخولي حيثُ كانت تدور بيننا أحاديث السياسة و الثقافة و يتخللها يومياً غناء جماعي أو تحديداً " رُباعي " مُنخفض الصوت ، بل شديد الإنخفاض ما بين أغاني الشيخ إمام تارة و أغاني أُم كلثوم تارة ، كثيراً ما كُنت أفاجئهم بما أحفظ من أغاني لم تكُن وقتها شائعة الإنتشار من تلحين الشيخ سيد مكاوي إذ كُنت أحفظها من سهراتنا العائلية معه و تسجيلات أبي الخاصة لتلك السهرات من ذلك أغنيات مثل : فرقة عزت الألاتاوي " و البيانولا / و إلحق خد تذكرة يا ناوي عالسفر هانقوم م القاهرة دوغري عالقمر / و أغاني مسرحية الإنسان الطيب / و طبعا الليلة الكبيرة و غيرها ... كان صالوناً ثقافياً ينعقد كُل ليلة في تلك الكواليس الصارمة لمسرح محمد صُبحي و كانت تتخلله طرائف الفنان العبقري المُستترعبد الله مشرف الذي كان يُقدم لنا يومياً فقرة من التقليد البارع لمُختلف الفنانين حتى أنه كان يؤدي حواراً شهيراً من فيلم شباب إمرأة كان بين شُكري سرحان و عبد الوارث عسر فكأنك ترى كلا الفنانين أمامك ينبضان بالحياة ، و في أحيان أُخرى كان يؤدي الديالوج الإفتتاحي للعرض الذي كُنا في كواليسه ( وجهة نظر ) و الذي كان يدور بين رياض الخولي و هاني رمزي ، فلم يكُن يكتفي بتقليدهما و إنما كان يؤدي المشهد بشخصيات نجوم آخرين ، فمرة بين محمود المليجي و توفيق الدقن ، و مرة بين إسماعيل يس و إستيفان روستي ، و هكذا و في إحدى المرات كان يُقلد لنا نجم العرض و مُخرجه الفنان محمد صُبحي ، و الذي دخل فجأة أثناء تقليده و طلب من عبد الله مشرف الإستمرار و تابعه و هو غارق في الضحك ... و كان معنا أيضاً الفنان هاني رمزي ، و الأُستاذ الكبير الفاضل محمود أبو زيد الذي كان يتمتع بحُب و تقدير الجميع ، و الذي كان يحكي لنا ذكرياته الجميلة الشيقة مع نجوم زمن عاصره دوننا و منهم نجوم فرقة الريحاني الذين كانوا يتحدثون عن أنفسهم بصيغة : إحنا الريحانية ... و الذين كانوا يتميزون جميعاً – كما حكى لنا – بالدخول إلى المسرح من الكواليس " مهرولين " ! و الفنانة الجميلة عزة لبيب و التي كانت تجمعني بشقيقيها صداقة مُنذ مطلع الصبا بنادي القاهرة الرياضي أيضاً ، و الفنانة زينب وهبي ، ثُم كانت تُشرق علينا في نهايات فترة الإنتظار الفنانة الرقيقة هناء الشوربجي بإبتسامتها البديعة و أدبها الجم ، و في إحدى المرات فوجئنا جميعاً بشاب " حليوة " يزور هناء الشوربجي في الكواليس ( و هو أمر كان من المُحرمات في هذا المسرح ) و تُقابله بالأحضان و القُبلات فبُهتنا جميعاً و كُلنا يعرف أنها زوجة الفنان حسن عفيفي و ساد صمتٌ متوتر فإنتبهت هي للأمر و إستدارت لنا : أخويا ياجماعة و الله ، فضج المكان بالضحك ... من طرائف تلك الفترة أيضاً أنه – كما في كُل المسارح – كان هُناك غالباً يوم في وسط الإسبوع يقل فيه عدد الحضور بشكل ملحوظ ، فكان محمد صُبحي يختلس النظر للصالة من بين شقي الستارة و يستدير إلينا قائلاً : " ما تخافوش يا ولاد ، إحنا أكتر منهُم ! "
كان الفنان محمد صُبحي في صرامته كمُخرج و صاحب فرقة – و التي كانت تُعجبني تماماً - يميل أحياناً إلى المُبالغة بعض الشيء ، من ذلك مثلاً واقعة أن صحفياً بإحدى المجلات الفنية الشهيرة كان قد أخذ موعداً من الفنانة عبلة كامل لإجراء حواراً فنياً معها في كواليس المسرح قبل العرض بوقت كاف ، و حصلت على موافقة مُسبقة من محمد صُبحي بذلك ، و في الموعد المُحدد حضر الصحفي بالفعل لإجراء الحوار ففوجئت عبلة كامل بأحد المُساعدين ييمنع الصحفي من الصعود معها إلى غرفتها لإجراء الحوار و أنه عليه أن يُجري معها الحوار في الكواليس ( الضيقة ) للمسرح حيثُ نجلس جميعاً و أن هذه هي تعليمات "الأُستاذ " ، أُسقط في يد عبلة كامل ، تلك الفنانة شديدة الإحترام و التهذيب ، فما كان منها إلا أن إعتذرت للصحفي و صرفته دون إجراء الحوار !

***
                                        و للحديث بقية ...
طارق فهمي حسين
٢٥ أكتوبر ٢٠١٧





٦- قاعة منف .

6- قاعة منف 
=====

أيامٌ ما أجملها قضيتها في مسرح السامر بل عالم السامر الساحر ، و لا أنسى قاعة منف و التي تتبع السامر و تقع في الشارع الخلفي له حيثُ كُنا ننتقل أحياناً لنُجري البروفات هُناك حين تكون خشبة السامر مُنشغلة بنشاط آخر ، و أتذكر واقعة طريفة جرت في تلك القاعة حين كُنا نُجري إحدى بروفات القراءة ( الترابيزة ) فإذا بأحد الراقصين يدخُل طائراً من شباك القاعة علي طريقة “ بروس لي “ و يشرع في الإعتداء بالضرب على أحد الشباب المُشاركين في البروفة و قبل أن تعم الفوضى في المكان إنتفض " الريس " واقفاً و أشار إلى المُعتدي مُصدراً أمراً من كلمة واحدة : إضربوه ، فإندفع عدد من الشباب مُلبين النداء و إنهالوا ضرباً و ركلا على الراقص الطائر تعيس الحظ حتى أصدر الريس أمره بالتوقف ثم أعلن قراره بإستبعاد الرقص أساساً من العرض ، لكن بعد ذلك أتى إليه الفنان نبيل مبروك و مجموعة من الراقصين مُدينين تصرف زميلهم و الذي أتى هو الآخر مُعتذراً و نادماً و موضحاً أنه لم يكُن يدري أن بروفة تدور في القاعة و أن الريس بنفسه كان موجوداً و شرع في شرح أسباب الخلاف لكن الريس إستوقفه و إكتفى بإعتذاره ، و في الواقع فإن العرض كان إستعراضياً إلى حد كبير و لا يُمكن تصوره بدون مجموعة الراقصين المُدهشين الذين شاركوا فيه وكان بعضهم من أعضاء الفرقة القومية للفنون الشعبية و أبرزهم كان الراقص الشهير عزت أبو سنة و زوجته نهلة ، و مع ذلك فلم يشك أحدنا للحظة في جدية عبد الرحمن الشافعي في قرار إستبعاد عنصر الرقص من العرض لمعرفتنا جميعاً بتركيبته المبدئية و وضوح الأولويات لديه ، و رأسه الشرقاوي العنيد ، لولا ما لمسه من صدق إعتذار المُعتدي و إدانة زملائه لما فعل .
في تلك القاعة الصغيرة " منف " أيضاً شاهدت و سمعت لأول مرة ذلك الموهوب الكبير المُلحن و المُطرب وجيه عزيز ، و إذا أسعفتني الذاكرة فقد كان ذلك نحو عام 1987 تقريباً و ذلك من خلال عرض مسرحي أقيم في قاعة منف في ذكرى والد الشُعراء فؤاد حداد بعنوان : " كروان الفن " ، كان العرض تجميعاً لبعض من أشعار فؤاد حداد و من أداء مجموعة من شباب المُمثلين أذكر منهم فاطمة الكاشف و مُنير مكرم و ماهر سليم الذي كان هو مُخرج العرض أيضاً ، و معهم كان وجيه عزيز شاباً حالماً ، سارح في الملكوت - على حد وصف فؤاد حداد نفسه - يجلس في قلب العرض مُحتضناً عوده مُنفصلاً به عن العالم شادياً بألحانه و بأشعار فؤاد حداد التي قُدت من كنوز تُراب هذا الوطن ، فكان هذا أول ما إكتشفت من تلك الخبيئة الفنية المُسماة وجيه عزيز فحضرت العرض بعدد ليالي تقديمه ، و إصطحبت معي كُل يوم من أراه جديراً بالإطلاع على هذا الكنز من أصدقائي ، كما وضعت في جيب قميصي جهاز تسجيل صغير ( ميني كاسيت ) سجلت عليه العرض كاملاً و مازلت أحتفظ بالتسجيل حتى يومنا هذا رغم عدم وضوحه ، و مُنذ ليلة العرض الأولى و مُصافحة صوت و نغمات وجيه عزيز لأُذني صرت أتتبعه و أقتفي خُطاه حيثما يبلغني أنه حل فمن أشرطة الكاسيت – على ندرة ما أصدر من ألبومات – إلى ساقية الصاوي ثُم إلى فضاء الإنترنت ، أما أشعار فؤاد حداد و التي كانت قوام العرض فقد كان ذلك العرض المسرحي الجميل بمثابة بطاقة تعريف ثانية لي بعالم فؤاد حداد حيثُ كانت بطاقة التعريف الأولى دائماً هي أبي الذي كان من مُريدي فؤاد حداد و الذي كان يترصد حلقات المسحراتي ، و كذا حلقات " من نور الخيال و صُنع الأجيال في تاريخ القاهرة " في الإذاعة و كان يُسجلها جميعاً ، و كُنت وقتها أُفسر ذلك بحُب أبي لفن الشيخ سيد مكاوي و أيضاً لصداقتهما الجميلة ، حتى كان عرض كروان الفن و صوت و موسيقى وجيه عزيز فدأت أتنبه للعامل المُشترك في الحالتين ، و ياله من عامل أو عالم ... و من مُفارقات القدر – الجميلة بالتأكيد – أن تمضي عقود حتى أجدني أستظل بشجرة فؤاد حداد الشعرية و الإنسانية الوارفة وأتنشق عبير ثمارها المتنوعة سواء من خلال أعماله الكاملة التي إقتنيتها مؤخراً و أنهل منها قليلاً كُل يوم ، أو من خلال أشعار و قصص و موسيقى و أفلام أبناء و أحفاد فؤاد حداد أو من خلال تواصل إنساني و صداقة جديدة قديمة – على حد تعبير الرائع أمين حداد - مع أولئك الأبناء و النُسباء و الأحفاد ، لكن هذه أيضاً قصة أُخرى .
و للحديث بقية ...

============

طارق فهمي حسين

٢٠ أكتوبر ٢٠١٧

٥- سُلطان زمانه .

5- سُلطان زمانه 

===========

في رمضان التالي أُعيد عرض “ الشحاتين “ الناجح على خشبة السامر هذه المرة لكني لم أُشارك فيه لظروف شخصية ، و أدى دوري البسيط في هذه المرة الفنان المُطرب الراحل ممدوح قاسم عضو فرقة المصريين الغنائية الشهيرة ، و لكن بالطبع تم إعادة صياغة الدور و زيادة مساحته بما يتناسب مع نجومية ممدوح قاسم، و بما يُتيح أيضاً مساحة للإستفادة بموهبته الغنائية .
و في رمضان التالي ( عام ١٩٩٢ م ) و في ذكرى مئوية فنان الشعب سيد درويش عدت لأُشارك بدور رئيسي هذه المرة في أوبريت " سُلطان زمانه " و التي كتبها يُسري الجندي و من إخراج عبد الرحمن الشافعي أيضاً و بطولة المُخرج فهمي الخولي و الراقصة عزة شريف و كوكبة من نجوم مسرح السامر و ضيوفه أيضاً من نجوم مسرح الطليعة مثل الراحل الجميل زايد فؤاد و يوسف رجائي ، و مجدي السباعي و ديكور م. حسين العزبي ، و موسيقى و غناء المُبدع الراحل حمدي رؤوف أحد أُمناء تُراث سيد درويش بح و الذي كان يشدو و يقود الفرقة الموسيقية في عرض حي غير مُسجل كُل ليلة مما أعطى العرض حياة و جمالاً يتجدد مع كُل ليلة عرض و لا أنسى أنني من شدة الطرب و الحماسة الوطنية و التاريخية أيضاً كُنت أندفع متحمساً للمُشاركة بالغناء مع مجموع المُمثلين و جمهور العرض في المشهد الختامي للعرض حيثُ ننشد جميعاً رائعة سيد درويش : مصرنا وطننا ، سعدها أملنا ... رغم أنني كُنت أؤدي دور المندوب السامي البريطاني ، و كذلك الحال مع الصديق الفنان محمد حسن الذي كان يؤدي دور الخديوي ، إلا أن ذلك لم يكُن ليُفسد العرض إذ كان الغناء يبدأ بعد أن يُعطي كلانا ظهره للجمهور في إشارة لإنتصار فن سيد درويش على قهر القصر و المُستعمر .
من طرائف فترة البروفات ( و كانت تجرى في فصل الشتاء ) أن مسرح السامر كان يتصف بظاهرة عجيبة رُبما يعرفها كُل من خبر مسرح السامر ، و هي أن الجو بين جُدرانه كان في الشتاء أكثر برودة منه في خارج المسرح و حتى في الخلاء ! حتى أنني كُنت أرتدي في قدمي جوربين " فوق بعض" داخل الحذاء ، و مع ذلك كنت أشعر كالواقف حافياً على أرض مُبتلة بمياه باردة و لم يكن من مهرب من هذه البرودة الشديدة سوى بالحركة و الإندماج المسرحي أثناء أداء البروفات ، لكن في فترات الإنتظار كنت ترى الجميع يتحركون جيئة و ذهاباً و البعض يتقافز في محله تأففاً من البرد !و أذكر فيما بعد حين إلتقيت الفنانة عبلة كامل في مسرح محمد صبحي أثناء عرض " وجهة نظر " أنها كانت تتذكر أيامها في السامر و تُفسر سر البرودة الشديدة بهذا المسرح بأنه كان فيما مضى ساحة للتزلُج على الجليد ( و هذه حقيقة تاريخية ) و تقول ضاحكة أنه غالباً مازال هُناك الكثير من الجليد مدفوناً تحت أرضية المسرح !
في إحدى البروفات كانت الفنانة زيزي عمارة التي تؤدي دور أُم سيد درويش قد إصطحبت معها طفلتها الصغيرة ، و أثناء البروفة كانت الطفلة في الكواليس تتجادل مع أمها و تبكي أحياناً و تصاعد الصوت بحيث شوش على المُمثلين على خشبة المسرح ، فأوقف " الريس " البروفة و دعا من في الكواليس للخروج إلى خشبة المسرح فخرجت زيزي و طفلتها ، و حبس الجميع أنفاسهم ترقباً ، حتى قطع الريس الصمت بحزم : روحي يا زيزي ، خُدي بنتك و روحي ، و طلب من إحدى المُمثلات أداء دور الأُم بدلاً من زيزي التي كانت للحق بارعة في الدور و كانت تمتلك صوتاً مسرحياً بديعاً ، و بالفعل تم إستئناف البروفة و دخلت المُمثلة البديلة لكن الفارق في الأداء كان واضحاً للجميع ، و ظهر إمتعاض مكتوم على وجه عبد الرحمن الشافعي ، و لأن جميع أعضاء السامر كانوا أبناء الريس "و عزوته " فكان يفهمهم و يفهمونه دون حاجة إلى كلام ، و بالتالي فإنه عند إعادة المشهد فاجأني وحدي فيما يبدو دخول زيزي عمارة وإستئنافها أداء دورها ، و الريس يُدير البروفة و كأن شيئاً لم يكُن .
حتى يوم البروفة قبل الأخيرة لم تكن ملامح العرض واضحة و مكتملة بالنسبة لي و للبعض من محدودي الخبرة المسرحية من أمثالي من المُشاركين في العرض ، و كُنا نبدي إستغرابنا و تخوفنا من إقتراب شهر رمضان و بالتالي إفتتاح العرض و الأمور على هذا النحو غير المُكتمل ، أو هكذا كُنا نظُن ، حتى أتي يوم البروفة النهائية ( البروفة جنرال ) و ما أن دخلت إلى مسرح السامر و وجدت خشبة المسرح في أبهى صورة من إكتمال الديكور و الإضاءة و أجهزة الصوت وما أن بدأنا البروفة بملابس العرض و بكُل عناصره ، حتى تأكدت لي عبقرية “ الريس “ - بحق - عبد الرحمن الشافعي الذي كان على مدار شهور البروفات يُجهز عناصر العرض في ذهنه و على خشبة المسرح كل على حده ، ثُم جمعها مرة واحدة في ذلك اليوم كقطع لعبة “ البازل “ الشهيرة لنجد أمامنا فجأة لوحة مُبهرة مُكتملة العناصر و الجمال ، و لمُت نفسي في سري على تشكُكي رغم سابق عملي تحت قيادته في عرض “ الشحاتين “ .
لاقي العرض نجاحاً كبيراً و أثنى عليه النُقاد في الصُحف و المجلات فيما يُشبه الإجماع عدا حالة واحدة تتمثل في واحد من مشاهير الكُتاب في الفن ( مازال يعمل بحالة لابأس بها حتى يومنا هذا ) ، و هو كاتب إشتهر بأنه ، إلى جانب بابه الفني الذي يوقعه بإسمه ، كان له أيضاً باب آخر ثابت يكتبه إسبوعياً في ذات المجلة الإسبوعية الكبيرة و يوقعه بإسم سيدة وهمية ، و هو باب كان يُثير إعجابي في طفولتي و كُنت أُحب قلم هذه “ الكاتبة “ التي كانت كثيراً ما تذكُر في سطورها “ زوجها “ و تتحدث عنه بكُل حُب !!
حضر هذا الكاتب الكبير إلى المسرح في إحدى ليالي العرض مُحاطاً بحفاوة كبيرة و وضع له مقعد مخصوص في مُقدمة الصالة في الممشى الذي يتوسط جناحي الصالة و وضعت أمامه طاولة وضع عليها أوراقه و أقلامه فكان أقرب إلى باشكاتب أو مُراقب يُحصي علينا أنفاسنا و نحن فوق المسرح ، خاصة و أنه كان قريباً جدا من خشبة المسرح رافعاً وجهه و مسدداً نظرات مُتربصة إلينا ، أو هكذا خُيل لي ، و مع إرتفاع الستار عن بداية الفصل الثاني ( كان العرض من فصلين ) إكتشفنا إختفاءه هو و مقعده و “ مكتبه “ مما سبب إحباطاً للبعض ، و إرتياحاً للجميع !
و في العدد التالي من المجلة الكبيرة زين كاتبنا الكبير بابه بتعليقات سلبية تجاه العرض الذي أحبته جماهير مسرح السامر حتى أن صالة المسرح كانت تكتظ بهم طيلة ليالي العرض ، كما أثنى عليه كما أسلفت بقية النُقاد و كان من بينهم الناقد مدحت أبوبكر ( شهيد محرقة مسرح بني سويف فيما بعد ) الذي كان يحضر كثيراً من أيام البروفات ثُم حضر العرض نفسه كاملاً أكثر من مرة قبل أن يكتب عنه كلاما رقيقاً و مُشجعاً 
في تلك الفترة التي إقتربت فيها من الفنان المُخرج عبد الرحمن الشافعي لمست كم هو مُخرج قدير و إنسان نبيل يمتلك قُدرات إدارية واسعة نابعة من جذوره الريفية الشرقاوية تحديداً حيثُ كان يُدير الجموع المُحيطة به بإيجابيات شخصية العُمدة أو شيخ القبيلة دون سلبيات هذا النمط و ذلك يرجع إلى ثقافته و كفاءته الشخصية و طاقته التي لا تنضُب على العمل فلم ألحظ أي إنخفاض في حماسه و تفانيه مُنذ شاهدته للمرة الأولى في السامر نحو مُنتصف السبعينيات ، و حتى نهاية عهدي أنا بالسامر في النصف الأول من التسعينيات ، فضلاً عن موهبته الحقيقية كمُخرج لم ينل مكانته المُستحقة و اللائقة بتلك الموهبة ، و إن كان – و مازال – يتمتع بدائرة واسعة من الإحترام في الوسط المسرحي كُله ، و لعلها الوظيفة و قيودها و الإمكانيات المتواضعة المُتاحة لقطاع الثقافة الجماهيرية ،هي التي أدت إلى تحجيم مُخرج بهذه القيمة ، أو رُبما كما عبر هو نفسه ذات يوم ، و كُنت أجلس خلفه في صالة السامر أثناء إدارة إحدى البروفات حين حاول أحد المُمثلين الخروج على النص و إضافة " إفيه " من عنده ، فثار عبد الرحمن الشافعي مُنذراً : " أنا لا أسمح في مسرحي بمثل هذا الكلام ، أنا لو باسمح بكده ما كُنتش بقيت " مطفي " بهذا الشكل .
و للحديث بقية ...
طارق فهمي حسين
١٦ أكتوبر ٢٠١٨

٤- السامر من جديد .

4- السامر من جديد
============ 


مر عقدٌ كامل من الزمان و رُبما فوقه سنة أو إثنتان حين عُدت لأخطو إلى عتبات مسرح السامر بالعجوزة من جديد ، ليستقبلني مُجدداً " الريس " عبد الرحمن الشافعي ذلك الناسك في محراب المسرح و الفن الشعبي و الثقافة الجماهيرية ، إستقبلني بنفس البشاشة القديمة و شرفني بالمُشاركة بدور صغير في أوبريت " الشحاتين" عن "أوبرا الثلاث بنسات" لبريخت و من إعداد و مُعالجة الشاعر الغنائي عزت عبد الوهاب و بالطبع من إخراج عبد الرحمن الشافعي ، و بطولة جمال إسماعيل و أحمد راتب و عايدة فهمي و كوكبة من نجوم السامر و شبابه .. و كان العرض في شهر رمضان بحديقة الخالدين بالحُسين ، لكن البروفات كانت تجري على مدار شهور قبلها على مسرح السامر ذاته حيثُ تعرفت على عالم السامر الساحر عن قُرب و شاهدت هُناك محمد أبو دراع و فاطمة سرحان و عدد من أساطين بل أساطير الفن الشعبي و عالمه الرائع الخلاب ، و تعرفت على زهرة شباب هواة المسرح و عشاقه الحقيقيون منهُم من سبق لي ذكرهُم و الذين شاركت معهم فيما بعد في مهرجان شباب العُمال على النحو الذي أسلفت ، و منهم أيضاً آخرون لا يقلون عنهم روعة و نقاءاً ، فزاملت من المُمثلين الصديق محمد حسن ( د. محمد حسن المُخرج و المُمثل ) و محمود حسن الذي كان يتمتع بخطوات جميلة على خشبة المسرح ، و محمود بشير و محمد أحمد و الطوخي و محمد عبد الرازق و محمد قشطة و العديد من الأسماء التي رُبما لا يعرفها الكثيرون لكنها كانت بمثابة ملح الأرض في عالم المسرح و الثقافة الجماهيرية ، و لا أنسى أحد مُساعدي المُخرج ذلك الشاب جميل الطلعة أُسامة جانو الذي كان يأخُذ كُل ما يوكل إليه من مهام على أقصى درجات الجدية و التفاني ، حتى كانت ليلة العرض الأول على المسرح المنصوب بحديقة الخالدين بالأزهر و أُسامة جانو يقف في أحد الكواليس وقفة قائد ميداني و يصيح متوعداً : " الكالوس اللي فيه أُسامة جانو ترمي فيه الإبرة ترن " و ما أن بدأت موسيقى الإفتتاح حتى وجدت أُسامة جانو و قد شرع في الرقص على أنغام محمد نوح نشواناً و مُفصحا عن مواهب دفينة و حُب صوفي للمسرح !
في كواليس العرض كان بيننا شاب صغير طويل القامة إسمه سعيد نجيب كان بعض الزُملاء يتندرون مُكذبين " إدعاءه " بأنه إبن خال سندريللا الشاشة العربية سُعاد حُسني ، و كان سعيد يؤكد أنه لا يكذب و لما طال الجدل طرأت لي فكرة ، و كُنت أعرف مُنذ سنوات إسم السيدة والدة سُعاد حُسني (جوهرة ) و ذلك من حكايات القديس عبد الرحمن الخميسي في بيروت ، فكتبت الإسم في ورقة و طويتها و أعطيتها للزُملاء المُكذبين ، و سألت سعيد عن إسم عمته فأجاب بالإسم الصحيح ، و حين فتحوا الورقة كان ذلك بداية مرحلة جديدة من التعامُل بينهم و بين سعيد ، و الذي كان يستحق في الأساس مُعاملة طيبة لشخصه بصرف النظر عن قرابته للسندريللا ، فيما بعد أصبح سعيد نجيب مُخرجاً تلفزيونياً مُميزاً .
من طرائف ذكريات تلك الأيام ما كان يفعله صديقي ( النقاش / المُمثل ) شريف الخواجة و نحن نمُر بالسيارة في شارع الأزهر في طريقنا إلى بيوتنا بعد العرض ، حين كان شريف يُخرج رأسه من شباك السيارة و يصيح في جموع المُشاة الكبيرة في ليالي رمضان : " إحنا راكبين عربية و إنتو ماشيين على رجليكو يا فُقرا يا ولاد الـ ... " و ينفجر ضاحكاً ، في حين كانت عبارته تلك تُصيبني بالذهول و تدفعني للتأمُل فيما وراءها من دوافع و معان !
في إحدى ليالي العرض تم إبلاغنا بإحتمال حضور وزير الثقافة ( المُزمن ) وقتها للعرض ، و لكن حل موعد بدء العرض و بعد بعض الإتنظار و مع بدء تملمُل الجمهور الغفير الذي كان يملاْ سُرادق العرض الكبير عن آخره ككُل ليلة أعطى " الريس " الإشارة لبدء العرض ، و لكن بعد مرور نحو رُبع الساعة من بداية العرض ، و على خلاف توقعات صمويل بيكيت ،حضر " جودو " بالفعل ، أقصد الوزير المُنتظر ، و هنا حدث ما أثارذهولي إذ أمر المُخرج من خلف الكواليس بتثبيت المشهد و بالفعل تحولنا على المسرح إلى تماثيل من الشمع ، و أرسل المُخرج يستفسر عن رغبة الوزير في أن نُعيد ما فاته من مشاهد أي أن نبدأ العرض من أوله مرة أُخرى أم نستكمل من حيثُ توقفنا ؟ فكان ان إستكملنا العرض من حيثُ " فكسنا " حسب التعبير / التعريب المسرحي الشائع ، و كان هذا أول موقف أراه سلبياً من وجهة نظري لذلك الرجُل القوي الكبير كما كُنت أراه دائماً ، لكني في تلك المرحلة من شبابي و مع فرط حماستي وقتها يبدو أنني أغفلت أنه على الجانب الآخر من كونه مُخرج و فنان ، فهو أيضاً موظف كبير في وزارة الثقافة له إلتزامه الوظيفي بإيجابيات و سلبيات ذلك الإلتزام . 
*** 
و للحديث بقية ...
طارق فهمي حسين
١٣ أكتوبر ٢٠١٧

٣- مسرح السامر.

3- مسرح السامر
===== 

كانت المرة الأولى تطأ فيها قدماي مسرح السامر بالعجوزة في صيف عام 1976 حين حصلت على الثانوية العامة و كان أحد الخيارات المحدودة أمامي أن ألتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ، و المُفارقة هنا أنني إخترت وقتها أن أتقدم للإلتحاق بقسم النقد المسرحي ، في حين أنني عُدت بعد سنوات تقترب من العشرة لألتحق بقسم التمثيل و لكن في إطار الدراسات الحُرة ، كما ذكرتُ سابقاً .
و في إطار الإستعداد لإمتحانات القبول بقسم النقد وقتها قرأت عددا من الكُتب القيمة و المُمتعة عن المسرح أبو الفنون ، و عرفت أسماء عظيمة مثل دريني خشبة و فؤاد دوارة ، ثُم أرسلني أبي إلى مسرح السامر لألتقي بمُديره وقتها المُخرج المسرحي الأُستاذ / عبد الرحمن الشافعي و الذي تجمعنا به صلة قرابة وثيقة ، و ذلك حتى يشرح لي بعض الأمور عن المسرح و يُساهم في إعدادي لدخول الإمتحان ، فكانت خطواتي الأولى داخل مسرح السامر الذي ربطتني به مشاعر عميقة مُنذ الوهلة الأولى ، و رغم أنني نشأت مُنذ طفولتي المُبكرة بين كواليس و رُدهات و قاعات المسارح ، و تحديداً مسرح القاهرة للعرائس ، إلا أن مسرح السامر كان عالماً آخر لا يُشبه كُل ما عرفت من مسارح و لا يُشبهه أي منها إذ يضُم بين جُدرانه يومياً العشرات بل المئات من " المُريدين " و " المضروبين بالمسرح " أغلبهم من أصحاب المواهب الحقيقية ، و رُبما بعض من الأدعياء أيضاً، لكن كل من هؤلاء و أولئك كان يجمعهم بالتأكيد حُب حقيقي و صادق للمسرح و لفن التمثيل إذ أن أجواء و ظروف مسرح السامر و الثقافة الجماهيرية عموماً لا تجتذب طالبي الشُهرة و لا طالبي المال بطبيعة الحال .
إستقبلني الأُستاذ / عبد الرحمن الشافعي أو " الريس " كما يدعوه الجميع بترحاب و بشاشة شديدين ، و أغدق علي شرحاً وافياً للكثير من المعلومات عن فن المسرح و عناصره ، كما أخذني في جولة ميدانية إلى خشبة المسرح شارحاً لي كُل صغيرة و كبيرة و موضحاً لي ما هي " السوفيتا " و "الكواليس" و " البنطلونات " و " البرتيكابل " ... إلخ ...
و بالفعل تقدمت إلى إمتحانات القبول ، و التي كانت كُلها إمتحانات تحريرية تُعقد على مدار ثلاثة أيام مُتتالية منها يوم للإمتحان باللُغة الإنجليزية ! و أتذكر أنه كانت تجلس في " الديسك " المُجاور لي في اللجنة السيدة رجاء زوجة الكاتب الكبير د. يوسف إدريس ، و قد تعرفت على شخصيتها من الذاكرة من خلال صورها القديمة في زفاف أبي و أُمي .
ادهشني بشدة وقتها مستوى الإمتحانات الثلاثة و طبيعة الأسئلة إذ رأيت أن من يستطيع إجتياز إمتحان كهذا لابد و أن يكون بالفعل ناقداً مسرحياً كبيراً و لا حاجة به للدراسة بالمعهد ، و جال بخاطري أنني رُبما أكون قد دخلت بالخطأ إلى لجنة لقبول " مُحاضرين " بالمعهد و ليس طُلاباً خارجين لتوهم من الثانوية العامة ! لكن هذا بالطبع كان منطق ذلك الصبي اللعوب ذو السبعة عشر عاماً و الذي إجتاز الثانوية العامة بصعوبة في المحاولة الثانية ، ذلك الصبي الذي كُنته وقتها ، و الذي حاولت أن أتمسك بما تبقى منه حتى الرمق الأخير ، لكن تلك أيضاً قصةٌ أُخرى ...
و الطريف أنني لدى خروجي مُكفهراً من أحد تلك الإمتحانات قابلت على سلم المعهد الفنان خالد زكي و الذي كان وقتها خريجاً حديثاً من المعهد ، و كُنت أعرفه من نادي القاهرة الرياضي مهد الطفولة و الصبا و الشباب ، إذ كان خالد زكي – و من قبل أن يعمل بالتمثيل – نجم نادي القاهرة الأول و بلا مُنازع ، إذ كان بطل النادي في تنس الطاولة و بطل الجمهورية في الكروكيه ، فضلاً عن وسامته الطاغية و أدبه الجم ، إستقبلني خالد زكي على سلم المعهد هاشاً باشاً إلتقط من يدي ورقة الأسئلة فإستعرضها سريعاً مُعقباً : كويس كويس ، أسئلة سهلة جداً ، عملت إيه ؟ فأجبته و أنا أُغالب مشاعر شتى : الحمدُ لله ، كويس .
حين ظهرت نتيجة القبول بالمعهد لم يُحالفني التوفيق ، و أرجع أبي ذلك إلى الخصومة الثقافية و السياسية أيضاً بينه و بين د. رشاد رُشدي رئيس أكاديمية الفنون وقتذاك ، في حين أرجعت أنا الأمر في سريرتي إلى التحليل الموغل في السياسة و الجانح إلى أقصى ضفاف اليسار لمسرحية " سكة السلامة " و الذي وضعه قلمي على ورقة الإجابة في أحد تلك الإمتحانات دون أن أذكر لا بالخير و لا بالشر أي من عناصر العرض المسرحي من إخراج أو حركة مُمثلين أو أدائهم أو إضاءة أو ديكور ... إلخ ، و قد يكون تعثُري بالفعل لهذا السبب أو ذاك أو لكلاهُما معاً ، و رُبما لسبب أو أسباب أُخرى و سوف تبقى الحقيقة سراً من أسرار تاريخ المسرح في مصر و العالم العربي !!!
على أية حال فإنني في تلك المرحلة إكتفيت من الغنيمة بالإياب ، وهجرت عالم المسرح – إلى حين - بإباء و شمم ( و لم أكُن قد إلتحقت به أساساً ) و إكتفيت بدراسة الإقتصاد !
و قبل أن أختم هذا الجُزء من حديث الذكريات هذا تحضُرني قصة طريفة تتعلق بحالة أُخرى – غير حالتي – من الإخفاق في الإلتحاق بالمعهد العالي للفون المسرحية ، وهي قصة رواها لي الفنان الجميل الراحل شعبان حسين إبان فترة صداقتنا و " تزاملنا " في مسرح محمد صُبحي خلال عرض مسرحية " وجهة نظر " و كذا مسرحية " الزيارة ، و هي الفترة التي سوف يرد ذكرها تفصيلاً في قادم الحلقات بإذن الله .
روى لي الفنان شعبان حسين ، فيما روى ، أن إبن المُمثل القديم و الكبير سعيد خليل كان قد تقدم للإلتحاق بقسم التمثيل بالمعهد و أخفق في إختبارات القبول فغضب الفنان سعيد خليل جداً و إتصل تليفونياً بصديقه الأُستاذ بالمعهد الفنان سعد أردش مُعاتباً إياه :
- بقى يا سعد أبعت لكُم إبني علشان يدخُل المعهد تقوموا تسقطوه ؟!
- يا سعيد ماهو الولد بصراحة مش موهوب ، يعني ما ينفعش مُمثل .
فعقب سعيد خليل و قد تملكه الغيظ :
و مين قالك بس إني عايزه يطلع مُمثل .
فرد سعد أردش مُستفسراً :
أُمال عايزه يطلع إيه ؟
فعاجله سعيد خليل :
يعني ... زيكم كده .
                       و للحديث بقية ...
طارق فهمي حسين
٩أكتوبر ٢٠١٧

الخميس، 7 ديسمبر 2017

٢- صابر دردير .

٢- صابر دردير:
=========
نجمٌ لم يُحلق في سماء الفن !
================


أثناء و بعد إنتهاء دراستي بالدراسات الحُرة بالمعهد العالي للفنون المسرحية – قسم التمثيل خضت بعض التجارب المسرحية على مستوى الهواة و كذا الإحتراف ، فشاركت مثلاً في مهرجان إتحاد شباب العُمال الذي كان يُشرف عليه الشاعر فؤاد حجاج حيث شاركت مع مجموعة من شباب العُمال هواة المسرح في عرض مسرحية " الزنزانة" مُجدداً لكن في شخصية أُخرى غير التي أديتها في مشروع التخرُج بالمعهد ، فكان هذا موعدي الثالث مع " الزنزانة " ، في المرة الأولى مُشاهداً و في المرتين الأخيرتين مُمثلاً ، و هذه المرة كانت من إخراج الصديق الفنان أحمد عبادة ، مع مجموعة بديعة من الأصدقاء الأعزاء من هواة التمثيل أذكر منهم الصديق علي جمال الدين و مجدي حنفي و الصديق صابر دردير ( فني ألومنيوم ) و الصديق شريف الخواجة ( نقاش ) و كلا هذين الأخيرين كان يتمتع بطاقات كوميدية عالية جداً و كانت لهُما تجارب محدودة لكنها مُتميزة في عالم الإحتراف في مسارح القطاع الخاص ، و صابر دردير هذا تحديداً كان يتمتع – إلى جانب خفة الظل التي لا تُخطئها عين و من الوهلة الأولى ، كان يتمتع أيضاً بتكوين جُسماني و ملامح وجه كافية وحدها لتفجير الكوميديا مع أي إيماءة أو حركة تصدُر عنه ، وجه لا يخلو من وسامة لكن يعلوه تعبير غريب من المُعاناة الداخلية الشديدة و كأنما يُعاني ألماً في المعدة أو ماشابه و ما أن ينظُر إليك حتى تكتشف أن ذات التعبير الذي يعلو هذا الوجه يبدو أحياناً و كأنه محاولة دائمة لكتم الضحك سواء وجد للضحك سببٌ أم لا ! ، و جسم مُمتليء إلى حد ما قصير القامة و خطوط خارجية أشبه باالأقواس أو المُنحنيات فترى كتفه و ذراعه و ردفه و ساقه جميعاً يمثلون قوس واحد مُنتظم و مُتصل ، فكان صابر يبدو و كأنه حرفياً : بين قوسين ، كان صابر بإختصار يبدو – حرفياً أيضاً – و كأنه قد خرج من إحدى لوحات مرحلة " خط واحد " للفنان العالمي جورج البهجوري !
كانت لصابر لزماته و إفيهاته التي لا أنساها ، منها ماكان شائعاً لكن أداء صابر دردير يعطيه مذاقاً خاصاً و منها ما كان من عندياته ، كان مثلاً حين يميل على صديق طالباً سيجارة يسأله بجدية : معاك صُباع نيكوتين ؟ ، و كان أثناء البروفات يقف فجأة في وضع ثابت مُحاكياً وضع مُعين فنسأله
إيه ده يا صابر ؟
فيُجيب : " جيست فرعوني "
ثُم يتخذ وضعاً آخر مُضحكاً لا يمُت لأي شيء معروف بصلة فنسأله فيُجيب : " جيست درديري "
و كان من لزماته الدائمة حين يرى نجماً ما يتصرف بتعالي أو يلقى مُعاملة خاصة في مسرح أو ستوديو يؤدي فيه صابر دوراً صغيراً ، أن يُعلق كتفيه و يرفع كفيه لأعلى مُستنكراً و يقول بصوت مُستعار و بلثغته في حرف الراء الذي ينطقه " ياء " : " طب ما إحنا مُمثلين برضه "
أتذكر الآن "إفيه" بديع أطلقه صابر دردير و نحن في مرحلة الإعداد الأولية و توزيع الأدوار لعرض الزنزانة عند إجتماعنا في مركز شباب عابدين حيثُ كُنا نُجري البروفات حين نظر صابر إلى المُخرج أحمد عبادة و سأله بخُبث : و إنت بقى هاتاخد كام " إخراج إيدك ؟ " فإنفجرنا ضاحكين ، ( بالطبع كان العمل كُله تطوعي و مجاني ) و هذا الإفيه مازلت حتى اليوم أراه عبقرياً إذ بناه مُطلقه الموهوب على جو " الحرفيين " الغالب على المجموعة مُستعيرا المُصطلح الشائع في تلك الأوساط " أُجرة إيدك " و قد كُنت أظن وقتها أن صابر دردير تحديداً سيكون له شأن عظيم في عالم الكوميديا و المسرح لكن واضح أن دوامة الحياة و لُقمة العيش جرفته و إبتلعته شأن كثيرين منهم كاتب هذه السطور ...
  
و للحديث بقية ...
طارق فهمي حسين
٥ آكتوبر ٢٠١٧

١- المعهد العالي للإغريق .


١- المعهد العالي للإغريق .
=======

في إحدى المراحل من شبابي ، و قبل أن تجرُفني الحياة و الوظيفة المكتبية بشكل تام ، راودني حلم التمثيل ، فإلتحقت بعد حصولي على بكالوريوس الإقتصاد من جامعة الأسكندرية بقسم الدراسات الحُرة بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة ، و كان حرصي على هذا النوع من الدراسة يهدف إلى " تثبيت العوامل الأُخرى " على حد التعبير العلمي المعملي ، بمعنى أن أوفر لنفسي الأدوات و الظروف الكافية بحيثُ لو أخفقت في مشوار التمثيل يكون سبب الإخفاق هو غياب الموهبة و لا يكون لدي أعذار أُخرى كغياب الدراسة أو التدريب مثلاً ، لكني إكتشفت فيما بعد أسباباً أخرى كثيرة لعدم إستكمال ذلك المشوار الجميل بعيداً عن شُبهة غياب الموهبة ، المُهم أنني إجتزت إمتحان القبول بالمعهد أمام لجنة برئاسة الراحل الكبير عبد الرحيم الزُرقاني و كان بين أعضائها د. حمدي الجابري و د. سناء شافع و آخرين لا أتذكرهم لقصور في الذاكرة رغم عظم شأنهم بالتأكيد حيثُ تقدمت بمشهد من " ثأر الله " لعبد الرحمن الشرقاوي و كان تحديداً مونولوج : " الكلمة " ، و هو ذات المشهد الذي تقدمت به فيما بعد للإلتحاق بفرقة ستوديو ٢٠٠٠ ، و في المعهد تلقيت دروساً و تدريبات في فن التمثيل و البانتوميم و التذوق الموسيقي و النقد المسرحي و الديكور و تاريخ المسرح و درسنا أعمال سوفوكليس و إسخليوس و يوريبيدس و شكسبير و إبسن و علي سالم و صلاح عبد الصبور و غيرهم ، و أسعدني الزمان بحق بأن كُنت تلميذاً للمُثقف الكبير سعد أردش ( قردش ) الذي كان يُحاضرنا في السياسة و الإقتصاد بقدر ما يُحاضرنا في فن التمثيل ، حتى أنه في إحدى المُحاضرات سأل بإهتمام : " حد هنا دارس إقتصاد ؟ " فرفعت يدي مُنفرداً ، فإستكمل كلامه لنهاية المُحاضرة وكأنه يُحاضرني وحدي ! ... و الرائ نبيل الألفي الذي كان يحفظ عدداً لا يُحصى من أهم مونولوجات أشهر النصوص المسرحية العالمية ، و كان يُلقيها بسلاسة و إحساس و طلاقة مُذهلة ، و الجميل : إلهامي حسن أُستاذ تاريخ المسرح ، و د. نبيل حجازي أُستاذ النقد المسرحي البديع و د. سناء شافع و الجميلة الأنيقة د. سميرة مُحسن التي قالت لي وقتها أنها تعتبرني بمثابة "المُعيد" من بين طُلاب الدراسات الحُرة و ذلك تقديراً منها لما لمسته في من تميُز في مادة البانتوميم و التي كانت تُدرسها لنا ببراعة ، و كذا د. نجاة علي أُستاذة فن الإلقاء ، و المُخرج المسرح الراحل د. عوض محمد عوض و العملاق الراحل الموسيقار و الناقد الموسيقي عبد الحميد توفيق زكي أو " بابا عبد الحميد " كما كان الكُل يدعونه و الذي درسنا على يديه مادة " التذوق الموسيقي " .
و الحقيقة أن دراستي لذلك الكم من النصوص المسرحية الإغريقية تحديداً و التراجيدي منها على الأخص فتنني بفكرة " البطل التراجيدي " و سقوطه المدوي الذي هو رُكن أصيل من أركان الدراما التي أسسها الإغريق و توارثها عنهُم كُتاب المسرح على مدار التاريخ ، و للأسف فإن إفتتاني بهذه الفكرة ( البطل التراجيدي ) في تلك المرحلة المفصلية من شبابي كان له أثراً كارثياً على حياتي و تحديد اً على بعض من الأمور الأساسية فيها و ربما لبقية العُمر ، لكن تلك قصةٌ أُخرى ...
في بداية إحدى الدورات الدراسية إنضمت إلينا طالبة جديدة إنضماماً دراماتيكياً إلى حد ما ، إذ جاءت بصحبة إحدى الشخصيات ذات الحيثية بالمعهد محاطة بهالة من الإهتمام ، كانت سيدة شقراء " إلى حد ما " ذات عيون خضراء و أشيعت حولها معلومة أنها حاصلة على دكتوراه في " الكمبيوتر " و أنها تخلت عن تخصصها و عن :" منصبها " حباً في الفن ، و بالفعل حققت هذه السيدة شهرة و إنتشاراً معقولين في الأعمال التلفزيونية تحديداً لفترة ، ثم بدأت تسري في الوسط الفني أقاويل أن مسألة الدكتوراة و التخصص المهجور حباً في الفن هذه مسألة مختلقة من الأساس ، و تحول الأمر في الوسط الفني إلى مادة للتندُر حتى إختفت " الدكتوره " تدريجياً من الوسط و خلت الشاشات من طلة وجهها الجميل !
كان طُلاب المعهد ( الإنتظام ) يدرسون بنظام اليوم الكامل فكانوا يتواجدون بالمعهد مُنذ الصباح الباكر و حتى الثامنة أو التاسعة مساءاً مما كان يُتيح لنا نحن طُلاب الدراسات الحرة الإختلاط بهم في الفترة المسائية و تكوين الصداقات مع بعضهم ، رأيت في تلك الفترة عددا كبيرا من الطُلاب الذين صاروا نجوماً بدرجات متفاوتة في تالي الأيام ، و منهم من كانت نجوميته قد بدأت بالفعل و هو بعد طالب مثل شريف مُنير مثلاً و شلة الشباب المرحين المُحيطين به و بسيارته الجيب الحمراء على ما أذكر ، رأيت للمرة الأولى الطالبة سلوى خطاب تقف في مُنتصف السلم الهابط من الطابق الأعلى فإستقر في يقيني أن هناك نجمة تولد و أن رمزية نزولها السلم إنما هي صورة معكوسة و واقع الأمر أنها و لابُد إلى صعود ، و قد كان ، و إن كان ليس بالقدر الذي توقعته لها و اللائق بجمالها و موهبتها ... ، و رأيت أيمن عزب و فتوح أحمد و ندى بسيوني و مُفيد عاشور و فاطمة الكاشف و أشرف طُلبة و ماهر سليم و نبيلة حسن ذات الصوت البديع و مجدي صُبحي ( مُمثل عبقري لم يُكتشف كما ينبغي ) و هشام عبد الحميد و الذي صار مُعيداً لمادة البانتوميم و كذا أشرف زكي ( و الذي صار بعدها مُعيداً وأخرج مشروع تخرُجي ) و الذي سألني وقتها على إستحياء عن مُرتبي الشهري عن عملي كموظف حيثُ أسر لي بأنه يُفاضل بين الإستمرار في وظيفة المُعيد بالمعهد و مجال الفن عموماً و بين أن يعمل بمؤهله الآخر ( بكالوريوس التجارة ) ، لكنه حسم خياره بالمضي في طريق الفن مُمثلاً و مُخرجاً مسرحياً و أُستاذاً بالمعهد و نقيباً للمُمثلين .
ومن الطلبة أيضاً أحمد صيام الذي قام وقتها ببطولة مسرحية " جُحا باع حُماره " على خشبة مسرح المعهد ( مسرح زكي طُليمات ) في إفتتاح مهرجان المسرح العربي الأول و الذي داوم المعهد بعد ذلك على عقده على مدار عقود ، و للمُفارقة أن ذلك العرض تزامن مع عرض نفس المسرحية في مسرح الإحتراف من بطولة الفنان فاروق نجيب ، و للحق فإن أداء الطالب أحمد صيام كان الأبدع بمسافة مُلفتة .
في ذلك المهرجان الأول قام المعهد بتكريم خريجي الدُفعة الأولى للمعهد ( 1947 ) و حضر بعضهم بالفعل فأطلوا على خشبة المسرح فكانوا كأساطير تمشي على الأرض رغم تواضعهم الشخصي الجم ، إذ كانوا : شُكري سرحان و فريد شوقي و عُمر الحريري و كمال حسين و عبد الله غيث ( حضر عن شقيقه حمدي غيث ) و ترُاوغني الذاكرة إن كانت نعيمة وصفي من الحاضرين أم كانت قد غادرت دُنيانا ؟
إلا أنني أذكر – على الجانب الآخر – أن المعهد كان قد دعا إحدى خريجاته بصفتها نجمة شهيرة لتقديم حفل الإفتتاح ، و هي نجمة مازالت تملأ الساحة ضجيجاً حتى اليوم و إن كان ضجيجاً " سياسياً ( هو هكذا تظن هي ) أكثر منه فنياً ، كما تُفتي في الدين في أوقات فراغها أحياناً ، كان حضورها باهتاً كوجهها المُختفي تحت طبقة لابأس بسُمكها من الأصباغ و قد إصطحبت معها إخيها الصغير الذي يحمل ذات وجهها لكن دونما أصباغ ، و صعدت إلى المنصة و ألقت بكلمة ركيكة عامرة بالأخطاء و مخارج الحروف الشوهاء ، حتى وصلت إلى الإعلان عن إسم عرض الإفتتاح فتعثر الإسم في فمها حتى تحول إلى " جُعا باع عُماره " بدلاً من " جُحا باع حماره " فسرت في القاعة ضحكات مكتومة ... و بالمناسبة فأنا لا أُنكر إطلاقاً أنها مُمثلة جيدة – على نحو ما – لكن الناس فيما يعشقون مشارب أو مذاهب ...
في هذا المهرجان أيضاً تم عرض مسرحية من فصل واحد بعنوان " الزنزانة " و هو نص أراه واحداً من أجمل ماقرأت من النصوص ذات الفصل الواحد و هو فضلاً عن جماله كنص فإنه ينطوي على مساحة واسعة من إمكانيات التمثيل المُتاحة لكُل من يؤدي إحدى الشخصيات الخمس الرئيسية ، و التي هي كُل شخصيات النص تقريباً و هم خمسة من المحكومين بالإعدام في زنزانة واحدة ، و النص كتبه د. نبيل أمين الطبيب البيطري و الطالب وقتها بالمعهد و الذي تكونت بيني و بينه وقتها صداقة جميلة ( رحمه الله ) ، تم عرض الزنزانة في ذلك المهرجان الأول للمسرح العربي بالمعهد و من بطولة طُلاب المعهد : فتوح أحمد و أشرف طُلبة و أشرف زكي و ناصر سيف و طلعت زكريا ، و ظل هذا العرض ، و النص نفسه عالقاً في ذاكرتي و وجداني حتى يومنا هذا ، حتى أنه كان فيما بعد مشروع تخرُجي مع أربعة من الزُملاء كان من بينهم الراحل الجميل غريب محمود و الذي كان وقتها قد بدأ يشق طريقه في المسرح التجاري حيث تزامن مشروع التخرج مع مُشاركته في العرض المسرحي الشهير "علشان خاطر عيونك " مع الراحل العظيم فؤاد المُهندس و شيريهان ، و في إحدى بروفات الزنزانة ( مشروع التخرُج ) التي لم يحضرها غريب حدد المُخرج - المُعيد أشرف زكي موعداً للبروفة القادمة و كلفني بإبلاغ غريب للحضور ، فذهبت إليه في كواليس المسرح لأخطره فخرج لي بملابس العرض – و كنت لم أشاهد العرض بعد – فأضحكني منظره في تلك البدلة الطريفة و الحذاء و البابيون المخططين و إستقر في نفسي أن غريب سيكون له شأن كبير في عالم الكوميديا ، و إنسانياً كان غريب محمود في فترة تزاملنا إنساناً بسيطاً متواضعاً بشوشاً و كان يتعامل معنا بروح الأخ الأكبر إذ كان وسطنا نحن الشباب ، رجلاً متوسط العمر و رب أسرة ، كان يمتلك حساً شعبياً مُحبباً و كان يتمتع بدهاء و طيبة أولاد البلد الحقيقيين ، و من طرائف ما أتذكره عنه أنه في يوم العرض ( إمتحان التخرُج ) فاجأنا بحضوره و قد إصطحب معه مُرافقاً في نفس سنه و حجمه تقريباً ، ثُم مال على أشرف زكي و أسر له ببضع كلمات فعلت الدهشة وجه أشرف زكي ثُم هز رأسه بالموافقة على مضض ، فإذا بالمُرافق المجهول يأخُذ كُرسياً و يدخل خلف الستار المُسدل على الحائط الخلفي للمسرح - و كان مسرحاً صغيراً داخل إحدى قاعات الدرس بالمعهد – مع تنبيهات مُشددة من أشرف زكي بألا يأتي بأي حركة تُشعر لجنة الإمتحان بموجوده ... نعم إنه مُلقن أتى به غريب محمود ليُساعده من خلف الستار !!!
و الطريف أنه بعد أن أنهينا العرض بنجاح ، و كما هو مُتبع بدأت اللجنة في مُناقشتنا واحداً تلو الآخر في النص و في أدوارنا كجُزء من الإمتحان ، و لما طال الأمر أخذ المُلقن يتململ خلف الستار فشعُر أعضاء اللجنة بموجود حركة غريبة فرفع د. سناء شافع صوته مُخاطباً من وراء الستار بالخروج ، فخرج من مكمنه وسط دهشة أعضاء اللجنة الذين بادروه بالسؤال : إنت مين ، فتقدم غريب محمود بشهامة الفُرسان موضحاً أنه " جاي معايا يلقنني " فعاجله سناء شافع : و إنت جاي تمتحن و مش حافظ ؟! فأجاب غريب باسماً : حافظ طبعا يا دكتور بس الأمر ما يخلاش ، فإنفرط وقار أعضاء اللجنة و إنفجروا بالضحك و تجاوزوا عن الواقعة تماماً .
أذكر أيضاً من طرائف هذا العرض / الإمتحان ان أحد الزُملاء كان يعمل طبيباً بشرياً و كان من مستوى إجتماعي مُرتفع ، و كان شخصاً رقيق الحاشية و يتبدى ذلك بوضوح في طريقة كلامه و نبرات صوته ، و كانت الشخصية التي يؤديها في العرض تتطابق مع شخصيته الحقيقية إذ كان يؤدي دور فتى ثري مُدلل إلى حد أنه يشتبك في الشارع مع سائق تاكسي على أولوية المرور بسيارته الفارهة فينزل من السيارة بعنجهية و يسحب مُسدساً من التابلوه و يقتل سائق التاكسي ببساطة ، كان التطابق بين سمات الشخصية المكتوبة و بين زميلنا الطبيب كبيراً إلى حد لا يتطلب منه مجهوداً كبيراً في الأداء و تقمُص الشخصية إذ كان يكفي أن يكون نفسه لا أكثر ، لذا فقد طلب منه أشرف زكي بل شدد عليه أن يتجنب قدر الإمكان التحدث إلى اللجنة بعد العرض ، و إن يقتضب ما إستطاع إذا إضطر للكلام حيث أنه حسب تقدير أشرف كمخرج و معيد بالمعهد أن اللجنة إذا لاحظت هذا التطابق في الأداء بين الشخصية و المُمثل نفسه لربما لن تجيزه كمُمثل ! و بالفعل كلما كان أي من أعضاء اللجنة يتوجه بالسؤال لزميلنا الطبيب كان أحدنا أو المُخرج نفسه يلتقط السؤال و يُبادر بالإجابة ، و نجح الأمر على هذا النحو و نجحنا جميعا و حصلنا على شهادة الدراسات الحُرة للمعهد العالي للفنون المسرحية – قسم التمثيل .
و في يوم ذهابي إلى المعهد لإستلام الشهادة كانت دُفعة جديدة من هواة التمثيل قد بدأت فصلها الدراسي الأول و لفت نظري في البهو الداخلي واحداً من هؤلاء الطلبة الجُدد كان مُصاباً في ساقه و يجلس في وسط البهو و يمد ساقه المُصابة على كُرسي آخر ، كان رجُلاً كبيراً في السن بالنسبة لي وقتها ، طويل القامة و كان يتألم من ساقه و يتبادل التحية مع زملاءه بصوت جهوري ... شاهدته كثيراً فيما بعد في عشرات و ربما مئات الأعمال الفنية ، ثُم كان لي شرف التعامل معه عن قرب فيما بعد في مسرح محمد صبحي ... كان إسمه : يوسف داوود ... ذلك الإنسان و الفنان الرائع رحمه الله .
و للحديث بقية ...

طارق فهمي حسين
٣ أكتوبر ٢٠١٧