السبت، 26 مايو 2018

عطرٌ قديم .

عطرٌ قديم .


إستيقظت هذا الصباح بعد أن أمضيت جانبا من ساعات نومي مطاردا طيفي أمي وأبي اللذان يمران بي عابرين في بعض الليالي ...
قمت إلى حمامي الصباحي ، ثم حلقت ذقني وتوجهت إلى ضلفة صغيرة تضم بعض العطور لأتناول منها قنينة عطر ما بعد الحلاقة المعتاد .. لكني انتبهت فجأة لغطاء دقيق أبيض يطل من خلف صفوف قناني العطر المتزاحمة و كأنما يشرئب ليلفت انتباهي !
مددت يدي وسحبت تلك القنينة لأعلى ثم قربتها نحوي ليقع بصري على هذا الشكل وذلك الشعار الذي لاتخطئه عين واحد من جيلي ،ذلك المركب الصغير بشراعه الكبير الرفراف وكدت ألمح طيف أبي يقف في مقدمة القارب ملوحا بذراعه اليسرى مرحبا مبتسما كعادته ..
إنها آخر زجاجات عطر مابعد الحلاقة الخاصة بأبي الذي رحل منذ مايقرب من أربعة عشر عاما ،وبقيت -إلى جانب كل مابقي وهو كبير وكثير وعظيم -بعض مقتنياته و تفاصيل أشياءه الخاصة الصغيرة .
تناولت قنينة العطر بحرص ،ورفعت الغطاء وصببت بضع قطرات فوق راحة يدي ثم فركت كفي معا وربتت بهما على جانبي وجهي الحليق ،فانساب بعض عبير أبي في البيت و استدعى معه رائحته الشخصية الفريدة والتي كانت مزيجا من بعض عطوره المفضلة ورائحة دخان سجائره ذات النوع غير الشائع وكذا رائحة نظافته الشخصية التي لم يكن يباريه فيها أحد ، حتى أنني أتذكر أنني كنت أحيانا في سني المراهقة ومطلع الشباب وهي فترة التمرد والأنانية و"الرزالة" (على حد تعبير أمي ) في حياتي ، كنت كثيرا ما أمدد جسدي مستلقيا ومحتلا الكنبة الأساسية وحدي في غرفة المعيشة ونحن نشاهد التلفاز ، فكان أبي يأتي ويزيح بعضا مني برفق ليجلس ويضم إليه -برشاقة فلاح - ساقيه فوق الكنبة ،ثم يبدأ تدريجيا في مد إحدى قدميه لتلامس رأسي ،فأصيح محتجا:
-إيه يابابا ده؟
-إيه ياأخي؟محتاج أفرد رجلي.
-بس يابابا مش معقول كعب رجلك في شعري.
- بذمتك مش أنضف من دماغك؟قوم كده إغسل راسك ووريني هاينزل منها إيه؟
فأنظر إلى كعب قدم أبي المتورد ناصع النظافة ،وأدير الأمر في رأسي ، لأسمعني أجيبه :
- تصدق معاك حق !
وأنتفض جالسا نائيا برأسي عن قدم أبي غيرة على تلك القدم من أن يصيبها بعض مما يمكن أن يخدش نقاءها من شعر فتى سبعينيات متمرد مهوش الشعر كثيرا ما يتجنب غسله حتى لايفسد فعل "سيشوار"الحلاق !

طارق فهمي حسين
مايو ٢٠١٨

الجمعة، 2 فبراير 2018

عن جيجي ...

عن جيجي ..
===


فجأة تمثلت أمامي آتية من أعماق الذاكرة صورة إبنة عمي الصبية الجميلة " جيجي " و هي تقف منتصبة القامة داخل إحدى مراجيح  العيد  في مدينة الزقازيق ، تلك " المرجيحة " التي كانت على شكل قارب لكنه مصنوع من الصاج ... كانت جيجي الجميلة بارعة في " التعويم " بالمرجيحة حتى أنها كانت تنقلب بها رأسا على عقب و تدور بها دورة كاملة بل دورات ... و كنا نحن الصبية و الصبايا من إخوتها و أبناء عمومتها نتحلق حول المرجيحة مشرئبي الأعناق نرنو إليها في عليائها  و هي تتبدى لنا في وقفتها هذه كملكة فرعونية تقود عجلة حربية أو ما شابه .... ورثت جيجي  عن والديها - كسائر إخوتها - قبسا من جمالهما و كثيرا من جسارة أبيها و سحر أمها ... كانت جيجي صبية صغيرة تشرع في مغادرة الطفولة ، و ظلت كذلك حتى يوما هذا بل و حتى قيام الساعة ...فقد غادرت جيجي دنيانا إثر حريق كبير في بيت عمي في قريتنا صبيحة عيد الفطر أو الأضحى لا أتذكر تحديدا ، و لا أُحب أن أتذكر ، و قبل أن يشرع  أحد في التعليق معزيا - مشكورا - أستدرك موضحا أن هذا كان قبل نحو أربعة عقود من الزمان  مرت كلمح البصر أحيانا ، و بطيئة ثقيلة الوطأة أحيان أخرى ربما لم تخطر خلالها  جيهان عبد الرحمن فهمي حسين أو جيجي ببالي كثيرا إذ أنها لم تكن أول و لا آخر الراحلين من  الأقرباء و الأعزاء ... أما اليوم فقد وقعت عيني على صورة وضعها أحد الأصدقاء لمراجيح مولد النبي على "صفحته الإلكترونية " و ما أن رأيتها حتى تمثل أمامي مشهد جيجي الصغيرة الجميلة منتصبة فوق أرجوحتها نابضة بالحياة ...تقاسمت معنا جيجي أجمل سنوات الطفولة التي يبدو أنها أحبتها كثيرا فتوقفت عندها و تركتنا نمضي بدونها إلى الصبا و المراهقة فالشباب فالنضج إلى أعتاب الشيخوخة ... ربما فهمت جيجي ما لم نفهم و أدركت ما لم ندرك فبقيت هناك  معتصمة بأرجوحتها ..  سلامٌ على جيجي ، و سلامٌ على تلك الأيام التي عشناها مع جيجي و عاشتها هي معنا .
                  طارق فهمي حسين
                                                                                                                        ٢٠١٧      


تأمُلات صباحية.


تأمُلات صباحية.
===
تكشف لي أن صور الشخصيات التاريخية و إنعكاسها في وجداني تكونت عبر الأعمال الفنية التي تصورهم و تتحدث عنهم بأكثر مما كونتها الحقائق التاريخية ، دون إغفال لهذه الحقائق أو القفز عليها ، أعني أن قصيدة بديعة أو عملا دراميا كبيرا لم يصنع -في وجداني -من شقي مأفون بطلا مثلا أو العكس ، إذ تبقى الحقائق حقائق ، فقط تزيدها الصور الفنية رسوخا في نفسي و تستحضر هذه الشخصية التاريخية أو تلك و تحيلها لحما و دما ، بل يضعني فيلم جيد أو قصيدة صادقة وجها لوجه أمام هذا البطل أو ذاك حتى لأكاد أقسم أنني أعرفه شخصيا بل و أستطيع عبر ما شكله هذا العمل الفني أو ذاك في وجداني من صورة حية للشخصية التاريخية ، أستطيع أن أميز و بسهولة بين حقائق هذه الشخصية تاريخيا و بين ما يحاك حولها من أكاذيب أو إفتراءات ، فقط كل هذا مشروط لدي بحقائق التاريخ الجافة المجردة من جانب ، و صدق و جودة العمل الفني الذي يتناول الشخص التاريخي من جانب آخر ...
فمثلا في مرحلة ما بين الطفولة و الصبا عرفت خطيب الثورة العرابية و صوتها العظيم عبد الله النديم عبر مسلسل تلفزيوني بديع جسد فيه الفنان الكبير بأكثر مما نستوعب : عبد الرحمن أبو زهرة شخصية عبد الله النديم ، و فيما بعد و عبر قراءات كثيرة عن الثورة العرابية (من ضمنها مثلا مذكرات أحمد عرابي شخصيا ) عرفت الكثير عن عبد الله النديم و دوره و كتاباته و ما أصدر من صحف و هروبه في ربوع مصر و ما تفانى في حب الوطن ، لكن بقيت صورته في ذهني و وجداني بشرا من لحم و دم كما جسده المسلسل القديم و من خلال الرائع عبد الرحمن أبو زهرة ...  
و في هذا الصباح و قد إستيقظت مبكرا نسبيا  ليوم العطلة ، و بعد صلاة الضحى و سورة الكهف ، جلست إلى والد الشعراء فؤاد حداد لأتلقى " الورد اليومي " من أشعاره ، فقرأت : 
فيه أسامي في الدنيا زي المواسم
زي العسل و القمح
زي الشعاع الحاسم
لما يشق الظلام
زي السلام عليكم 
و زي رد السلام ...

و قرأت :

يا اسكندرية الثغر
دايما ساعات الفجر
عبد الله النديم طالع
طالع معاه النور
يحمل خطيب الشارع
و الجمعة و الجمهور ...

فقرأت :

و انا إسمي عبد الله النديم شاهد 
كان الضمير المصري دايما حي
و صورة الشمس دايما 
هي اللي تعلى و تغلب
لا بتنحني في المغرب
و لا تختفي بالليل
و انا اللي إسمي و جسمي 
يمشي البلاد كلها
تقول له و يقول لها 
عن الحياة العريضة
عن الشهادة فريضة 
في جيش عرابي صمود
الفلاحين الجنود
يا مصر صوتي عرق
جنودك الفلاحين
و اللي اجتمع و افترق
على التراب و الطين
و اللي في قلبي خفق
لحد يوم الدين
و اللي انكتب ع الورق
و اللي انكتب ع الجبين
كل العيون تقراه
النيل بيجري في الخلود مجراه
ما كانش إلا عرق
جنودك الفلاحين .
..  نعم هي قصيدة فؤاد حداد :"عبد الله النديم
ألقاها علي هذا الصباح في جلستنا اليومية  ( و إن كان قد ألقاها عبر سطور مطبوعة لظروف رحيل الجسد ) ففاجأتني الدموع تغرورق بها عيناي و كأن القصيدة تحدثني ليس عن بطل تاريخي نعتز به ، و إنما عن إنسان عايشته شخصيا عبر عقود و منذ صافح عيناي و سمعي إسمه عبر المسلسل القديم و من خلال وجه و صوت  عبد الرحمن أبو زهرة المحببين و موهبته الفذة و وعيه التاريخي ، و إن كان إسم عبد الله النديم قد مر علي قبل ذلك عبر دروس التاريخ في المدرسة لكن لم ألتقه شخصيا بلحمه و دمه و سخريته اللاذعة و وطنيته المتقدة إلا من خلال ذلك المسلسل كما ذكرت ، و ظل عبد الله النديم على مدار العمر واحدا من أقرب خلصائي و رعاة وجداني ، و ما زالت صيحته بصوت أبو زهرة و لا أدري لمن الكلمات عبر تتر المسلسل :
  " إبنك عرابي على حصانه
إنتي سيوفه و انا لسانه "

مازالت تتردد في سمعي و تلقي صداها في نفسي حتى اليوم ، حتى باغتتني قصيدة فؤاد حداد هذا الصباح و أنا أذرف الدمع شوقا للنديم و توقا للهرب معه في ربوع مصر و رفع العقيرة و القلم و السيف معه و مع عرابي و البارودي و محمد عبيد و رفاقهم  زودا عن الحمى و  " و كل ما أقترف الفؤاد من الأماني " على حد قول محمود درويش ....
قد يعن لقاريء لهذه السطور أن يدهش أو حتى يستنكر هذا الإسترسال المشتت و قد يتساءل آخر : ماذا أريد بهذه السطور ؟
و أقول : حنانيكم ، إنما هي مجرد هواجس و تجليات صباحية إذ أنني :  " أوقات أفوق و يحل عني غبايا " كما شخص "صلاح جاهين " ، و أوقات أكثر لا أفعل ! و إنما كانت كل هذه السطور  بالتأكيد " مس" من تأثير  أشعار " فؤاد حداد"، فاعذروني أو ... لا تفعلوا .

                                        طارق فهمي حسين

                                  ذات صباح من  يوم جمعة
                                        أغسطس ٢٠١٧



السبت، 30 ديسمبر 2017

عندما انتحل سيد مكاوي شخصية " خالي ".

عندما إنتحل سيد مكاوي شخصية " خالي "!


كان الشيخ سيد مكاوي من أصدقاء طفولتي ، نعم فقد كان "عمو سيد" .
و كانت تجمعني به سهرات عائلية طويلة  ضمن كوكبة بديعة من فناني و مثقفي مصر من صحبة أبي و رفاقه ، تلك السهرات التي كان زهرتها و محورها الشيخ سيد مكاوي و صوته العذب و عوده الساحر و موسيقاه الأصيلة الثمينة ، فضلا عن روحه المرحة و حديثه الجذاب و أخلاقه الملائكية ، و في البدايات و لحداثة سني و سذاجته كنت أتصور أن " عمو سيد " مجرد هاو عظيم الموهبة ! و كنت أسائل نفسي مندهشا : هو ليه مش بيغني و يشتهر مع إنه " كويس أوي " !! و يوم أشركت أبي في تساؤلاتي إنفجر ضاحكا حتى دمعت عيناه و أجابني بأن الشيخ سيد هو من كبار الملحنين في مصر و العالم العربي بالفعل ، و لأني ولدت مبالغا في الإستقلالية و كذا رباني أبي فقد تلقيت المعلومة بتحفظ و صرت أتابع الإذاعة و التلفزيون بشكل مكثف مقتفيا إسم "عمو سيد" في كل ما يذاع من أغاني  فيتضح لي يوما بعد يوم حقيقة مكانته التي حاول أبي أن يوضحها لي حين سألته ، و الحقيقة أن ما إتضح لي هو حجم شهرته الواسعة المستحقة ، إذ أن مكانته كانت محفورة في وجداني دون حاجة لتقصي أو تتبع ، مكانته كعملاق من عمالقة فن الموسيقى و التلحين ، و مكانته كإنسان شديد العذوبة و النقاء ، و هي المكانة التي كبرت يوما بعد يوم منذ كنت طفلا أسعدته الظروف بصحبة الشيخ سيد مئات المرات في سهرات عائلية و ثقافية فنية و في المصيف و المناسبات الخاصة فتقاسمت معه و مع أسرته الجميلة الخبز و الملح ، زوجته الفاضلة الفنانة التشكيلية و الأستاذة الجامعية " طنط زينات " التي مازالت إحدى لوحاتها المحفورة على الخشب لبائع العرقسوس تزين جدارا في بيتي ، و كريمتيه إيناس دائمة الإبتسام و أميرة الصغيرة الوديعة ... و سبحت معه في بحر أبي قير و وصفت له - بطلب منه -  كل تفاصيل ما أراه على الشاطيء  ، و ضحكت طويلا على نكاته و قفشاته شديدة الذكاء سريعة البديهة ، حضرت في شقته في المصيف في المندرة المُتاخمة للعصافرة  ( كانت له مقولة : إحنا بتوع العصافرة بنخضر كل صفرا ) عيد ميلاد إبنته الصغرى أميرة و غنينا معه : " أميرة لكن أمورة ..." و حضر في قريتنا - إكراما لخاطر أبي - زفاف إبنة عم لي بل و شدا يومها بأغنية يا مسهرني  (في حياة أم كلثوم ) ، و بعد ذلك بسنوات حضر خطبة شقيقتي الصغيرة  "أمل" و غنى مرتجلا " ياصلاة الزين على فهمي حسين " ... و " الغالي علينا غالي و أمل كويسة " ، و هي تسجيلات مازلتُ أحتفظ بها حتي اليوم ، و أسمعها كُل حين مُستعيداً بعضاً من زمن كان جميلاً بل في غاية الجمال . 
و في بدايات حياتي العملية  تعرضت لمشكلة جسيمة في شركة كنت أعمل بها ، و كان أبي خارج البلاد ، فاتصلت أمي بالشيخ سيد مكاوي و روت له المشكلة ،فطلب التحدث إلي و سألني عن إسم المسئول الذي بيده الحل فأخبرته ، فإتصل به - دون معرفة شخصية - " أنا سيد مكاوي و إبن أختي عندكم و له مشكلة كذا كذا ....
في صباح اليوم التالي كانت المشكلة قد تم حلها على أفضل ما يكون و ظل ذلك المسئول بالشركة بعدها و طوال سنوات عملي بالشركة يتودد إلي و يحملني السلام " لخالي " ... لم يكن الشيخ سيد في هذا الموقف يستغل نفوذا  أو جاه أو منصب  ما و إنما كان رصيده  الذي لا ينضب موهبته و موسيقاه و حب الناس من المحيط إلى الخليج ....
و الحقيقة أن هذا التداعي لتلك الذكريات العزيزة تأتى من خلال كلمات تلك الأغنية الجميلة التي وضعها الصديق الأستاذ أسامة الرحيمي على صفحته على فيسبوك  فأثارت في النفس شجون و ذكريات غالية لا تعوض ...
رحم الله أبي الذي كان نافذتي على ذلك العالم السحري النبيل ... و رحم  الشيخ سيد مكاوي ... عمو سيد ، أو " خالي المُنتحل "...و رحم زمنهم الجميل ...
                

                                                         طارق فهمي حسين
                                                            يونيو ٢٠١٧

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

ذكرى ميلاد صلاح جاهين .

ذكرى ميلاد صلاح جاهين .
=====

صباح الخير يا مصر و كُل سنة و إنت طيبة .
النهارده عيد ميلاد صلاح جاهين
عيد ميلاد البهجة و الدهشة و الحُزن النبيل أيضاً
النهارده عيد ميلاد “ صحصح “ و الليلة الكبيرة و روائع مسرح العرائس اللي إتربى عليها خيال و وجدان أجيال
النهارده عيد ميلاد أجمل ما كُتب في العامية المصرية من رُباعيات على وجه الإطلاق 
النهارده عيد ميلاد الكاريكاتير العبقري اللي صنع مجد مجلة صباح الخير ، و خلى ملايين تستنى جورنال الأهرام كُل يوم علشان تشوف صلاح جاهين راسم و قايل إيه ، الكاريكاتير اللي أنصاف الموهوبين بيسرقوا منه لحد دلوقت و بيصنعوا لنفسهم أسماء !!!
النهارده عيد ميلاد “ مُمثل “ سينمائي كلنا حبيناه في أدواره القليلة رغم إنه ماكانش راضي عن تمثيله !!!
النهارده عيد ميلاد الراجل اللي من حُبه في مصر أهداها سُعاد حُسني و محرم فؤاد و فؤاد قاعود و ناس جميلة كتير ، و كمان أهداها من صُلبه بهاء و أمينة و سامية جاهين و شارك في إهداءها أحمد و سلمى حداد و عمر جاهين
النهارده عيد ميلاد صديق طفولتي اللي كان بيشدني من البابيون مُداعباً و كنت بحب شكله أوي “ عمو صلاح أبو شكل جميل “
كُل سنة و انت طيبة يا مصر طول ما بتتردد في جنباتك و بتتكتب على حيطانك أشعار صلاح جاهين.
طارق فهمي حسين
٢٥ ديسمبر ٢٠١٧

الأحد، 24 ديسمبر 2017

عيد ميلاد " زيكو "

عيد ميلاد " زيكو "


اليوم عيد ميلاد أخي و صديق عُمري م. زكريا نظيف
و هاتين الصورتين لا تُمثلان كُل عُمر صداقتنا ، فالأقدم فيهما ليست أقدم ما بيننا ، بل أننا وقت هذه الصورة كُنا أصدقاء “ من زمااان “
كما أن الصورة الأحدث فيهما ليست أحدث ما بيننا ، فالصورة مضى عليها عدد لا بأس به من السنوات
عرفت “ زيكو “ في نحو سن الحادية عشرة و نشأنا معاً إخوة وأصدقاء في النادي و الحي السكني ، تبادلنا الزيارات المنزلية مبكراً فدخل كلانا في نسيج أسرة الآخر ، و تبادلت أمهاتنا صواني الحلويات منزلية الصُنع ، و تبادلتا الحب و الإحترام و الرضا عن صداقة الأبناء .
كنت حين أزوره منذ المرحلة الإعدادية فالثانوية فالجامعية و ما تلاها أجلس معه مبهوراً في حضرة والده العظيم الراحل عمي محمد مُنيب نظيف ذلك الرجُل النادر هاوي التصوير الفوتوغرافي إلى حد الإحتراف ، نستمع سوياً إلى أحاديث ذكرياته و عُصارة حكمة الحياة التي عاشها و يُقدمها لنا بود و تواضع .
لم تجمعني بزكريا زمالة دراسة في أي من مراحل التعليم المدرسي أو الجامعي ، لكن من خلاله أصبح زُملاء فصله من الحضانة و حتى بكالوريوس الهندسة ، أصبحوا ضمن دائرة أصدقاء عُمري الضيقة جداً … حُسام و شريف ، و شريف و علي ، و طارق .
أثناء دراسة زكريا بهندسة القاهرة رأى وبعض من زملاءه أنهم يحتاجون لدراسة اللُغة الألمانية لتساعدهم في تخصصهم ، و كنت قد تخرجت من شعبة الاقتصاد بجامعة الأسكندرية و لم ألتحق بعمل بعد ، فذهبت معهم إلى معهد جوته لتلقي كورسات اللُغة الألمانية ، دون إحتياج حقيقي بالنسبة لي سوى أنها فُرصة للمزيد من الوقت في صُحبة زكريا .
في أحد أعياد ميلادي أهداني زكريا زجاجة عطر من ماركة “ بينو سلفيستر “ الشهيرة في ذلك الوقت و التي كانت البارفان المُفضل لزكريا ، و منذ ذلك الحين أصبحت “ بينو سلفيستر “ ضمن “ مُعتقداتي “ الحياتية ، و صارت لها معي قصة من قصص العُمر و أسراره !
كان زكريا دائماً يُصلي الجُمعة في” مسجد الرحمة 
“ بشارع صبري أبو علم ، و كان لقائنا معظم أيام الجمع ( زكريا و شلة “ الفرير “ و أنا ) يحدده زكريا بأن نصلي الجمعة في هذا المسجد و نلتقي بعدها لنتوجه إلى أي مكان نحدده ، و أحياناً لو لم يسمح الوقت كان اللقاء يقتصر على وقفة مطولة بعد الصلاة أمام المسجد و حديث لا ينقطع ثُم ننصرف ، حتى أننا جميعاً أطلقنا على هذا الجامع - و حتي اليوم - جامع زكريا ، و أتذكر أنه في إحدى الفترات كان الفريق يوسف صبري أبو طالب مُحافظاً للقاهرة و كان يُصلي الجمعة دائماً في “ جامع زكريا” ، فكان زكريا في كُل جُمعة بعد الصلاة يستوقفه و يطرح معه إحدى المُشكلات و كنا نتحلق حول الرجل الذي كان ينصت لزكريا باهتمام و إعجاب و يناقش معه الأمر المطروح ، ليعود زكريا في الجمعة التالية ليستوقفه و يتابع معه ما تم في الموضوع ، و هكذا !

بعد الإنتهاء من الدراسة الجامعية قرر زكريا الهجرة من مصر بحثاً فقط عن الحياة المُتحضرة الكريمة ، ولا سواها ، تجمعنا في بيت أُسرته الكريمة لنحتفي به و نودعه ، كان الموقف مؤثراً للغاية ، و يفوق الطاقة العاطفية لعدد من الأصدقاء في أوائل العشرينيات من العُمر جمعتهم جُل سنوات العُمر و يقفون على أعتاب فراق أجمل من فيهم … وضع زكريا كاميرا فيديو ضخمة على حامل في رُكن الغُرفة و طلب من كُل منا أن يُسجل له كلمة تذكارية “ليجتر” مُشاهدة الشريط في غُربته .
حين جاء دوري ، غالبتُ دمعي و استجمعت عزيمتي و تلوت عليه - ناصحاً - رُباعية صلاح جاهين :

خوض معركتها زي جدك ما خاض
صالب و قالب شفتك بامتعاض 
هي كده ما تنولش منها الأمل 
غير بعد صد و رد و وجاع مخاض

            عجبي

كُنا - ز
كريا و أنا - نشترك معاً - ضمن ما نشترك فيه مما لا حصر له - في ذوقنا في الإستماع ، و كنا - حرصاً على “ الكواليتي “ نشتري سوياً نُسختين مما يقترح أحدنا على الآخر من أشرطة الكاسيت … شرائط علي الحجار الأولى ، و محمد نوح ، و محمد مُنير ، و رُبما فريقي الآبا و بوني إم ، و رُباعيات صلاح جاهين التي كانت دائماً أشبه بدليل للحياة بالنسبة لنا …
سافر “ زيكو “ إلى لندن ، و منها إلى تورنتو - كندا ، و حصل على الجنسية الكندية ، لكنه ظل دائماً يعود إلى مصر ليُصلي في “ جامع زكريا “ و يجلس بين” شلة الفرير + أنا “طارحاً أسئلته الاندهاشية ، والوجودية أحياناً ، و التي لا تنتهي و لم تنته حتى يومنا هذا .
و في كُل عودة كان زكريا يُحضر لي الهدايا الشخصية رفيعة الذوق و التي تُشبهه ، فهذا قميص من لندن بلوني المُفضل ، و تلك كوفية كشمير خضراء ، و هذا برواز خشبي عليه شعار مدينة تورنتو ، بل أنه أحضر لي يوماً نُسخة من إعلان ترشحه لإنتخابات النادي المصري في كندا ، و التي كان شعاره فيها :
“ Just say yes “
، والتي اجتازها بنجاح بالمُناسبة
و غيرها من الهدايا التي مازلت أحتفظ بها جميعاً حتى يومنا هذا باستثناء القميص بحكم الإستهلاك 
حين أراد زكريا أن يتزوج و يبني أُسرة لم يجد إلا مصر ليختار منها شريكة حياته ، فكانت الزوجة الفاضلة و الذُرية الصالحة ، و بعد بضع سنوات قضاها و أسرته الصغيرة في كندا ، شد الرحال و عاد إلى جذوره ، و عدنا جيراناً من جديد لكن هذه المرة في حي آخر ، واستؤنف بيننا ما لم ينقطع أصلاً ، وإن كان بإيقاع أهدأ بحُكم السن والأعباء العملية و العائلية لكننا مازلنا ، و سنظل ما منحنا الله من عُمر علي ذات الموجة و لهفة اللقاء و نشوة المحبة الصافية ، و ستظل جلسات زكريا و” شلة الفرير + أنا “ إحدي الواحات القليلة الوارفة التي نلتقط فيها أنفاسنا من هجير الحياة
و سيظل زكريا يطرح أسئلته الإندهاشية ، و الوجودية أحياناً ، و سيظل يضحك ملء شدقيه على سُخريتي المريرة ، و سيظل - كما عودنا - يفشل في إكمال إلقاء نُكتة سمعها دون أن يُقهقه في مُنتصفها فيعجز عن إتمامها كدأبه على مدار ما يقرُب من نصف قرن !!!
كُل سنة و إنت طيب يا زيكو يا أخي الحبيب الغالي و عُقبال ١٠٠ سنة صحة و سعادة و أماني مُتحققة و سترٌ و رضا من الله
و أُذكرك و أشدد عليك :
خوض معركتها زي جدك ما خاض
صالب و قالب شفتك بامتعاض
هي كده ما تنولش منها الأمل
غير بعد صد و رد و وجاع مخاض
عجبي
( صلاح جاهين )
=====
                                                                                                                                       أخوك 
طارق فهمي حسين
٢٣ ديسمبر ٢٠١٧

توقيع على الطبعة الأولى

توقيع على الطبعة الأولى 



أسعدني الحظ يوم الأربعاء الماضي الرابع من يناير ٢٠١٧ ، بل كوفئت على حرصي على حضور حفل توقيع رواية الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد الجديدة “ قطط العام الفائت “ ، كُنت قد علمت أن الدار ستقدم خصماً على ثمن بيع النُسخة بقيمة ٥٠٪ من السعر الأصلي و ذلك خلال حفل التوقيع ، لم يستوقفني هذا العرض شديد السخاء و قلبت شفتي السفلى على نحو ينم عن عدم المبالاة بهذا الخصم الكبير ، ذلك لسببين : الأول أنني قد سبق و إشتريت نُسختي من الرواية مُنذ اليوم الأول الذي وقعت فيه عيناي عليها و هي تستقر بالكاد على أرفف المكتبات ، و هذا - و منذ سنوات طويلة - دأبي مع  كُتاب بعينهم ، و في القلب منهم بالتأكيد الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد الذي كان لقائي الأول مع سطوره السحرية من خلال رواية “ ليلة العشق و الدم “ حيثُ سحبتها بأصابعي الصغيرة - مُنذ عقود - من بين أرفف مكتبة أبي حيثُ لفت نظري الإسم الغامض للرواية فقرأتها في جلسة واحدة ، و في تلك السن المبكرة نسبياً إنغلقت على فهمي مفاتيح الرواية القصيرة لكنها في ذات الوقت - للغرابة - سحرتني و أحسست بأنني إنتقلت إلى مرحلة أعلى من القراءة و ظللت أياماً مسحوراً يكتنفني ذلك الغموض الذي أحاطني و أنا بين صفحات “ ليلة العشق و الدم “ ثُم سحبتني السياسة و أمور أُخرى  قراءة و إهتماماً لعقود ، و حين شاب نفسي شيء من النُضج عدت إلى القراءة المتوازنة و بالتالي إلى الأدب فكان مدخلي بالضرورة إعادة قراءة “ ليلة العشق و الدم “ و منها إلى تقفي خُطى قلم إبراهيم عبد المجيد محاولاً أن أقرأ كُل ما صدر له من روايات ، و هي المحاولة التي تحولت إلى رحلة سعيدة أحرص على أن تستمر ما إستمرت بي الحياة. 
 أما السبب الثاني  لعدم مُبالاتي بذلك الخصم السخي على سعر نُسخة “ قطط العام الفائت “ ، و رغم أنني كواحد من أبناء الطبقة الوسطى أحرص بالطبع على الإستفادة من أية خصومات أو تخفيضات تُقدم على “ السلع و الخدمات “ التي يمكن أن أستفيد منها ، لكن حين يتعلق الأمر بالأدب و الثقافة فلا أدري لماذا ، عفواً ،  بل أدري لماذا لا تستوقفني التخفيضات ، و لو إستطعت لدفعت أكثر من المطلوب في رواية  أو ديوان من الشعر أو كتاب جيد في التاريخ أو السياسة أو غيرها أو في عرض مسرحي هام أو فيلم ذو قيمة عالية ، أو حفل غنائي ذو مستوى يسمو بالنفس و يُشذب ثناياها إذ أرى أن ما أدفع في هذه الحالات مهما بلغت قيمته  إنما يُمثل مُساهمة بسيطة متواضعة في “ الإنتاج “ بأثر رجعي لهذا العمل الفني أو الأدبي الذي به تُبنى العقول و تُهذب النفوس و تسمو الأرواح .    

كان حفلا جميلا حيث أفصح وجود هذا الحشد الهائل الذي “ إكتظت  “ به القاعة و وصلت إمتداداته إلى خارج مقر الدار المصرية اللبنانية و على سلالم المبنى و لا أدري إن كانت وصلت إلى الشارع على بعد ثلاث طوابق أم لا إذ كافئني حرصي على التبكير بأن أتميز بالجلوس داخل قاعة الإحتفال ذاتها و في صف رابع أو خامس كماأختار لنفسي دائماً!   أقول أفصح وجود هذا الحشد الهائل عن معان كثيرة جميلة أولها حب الناس و فهمهم لأدب إبراهيم عبد المجيد و رواياته المدهشة ، و منها أن الثقافة في مصر و تعطش الناس لها مازالا بخير ، و ذلك فضل يعود لكتيبة الأدباء و الفنانيين الذين يثابرون على صنع فن و أدب صادق و جميل ، تلك الكتيبة التي في القلب منها ، بل يقود أحدى أهم فصائلها - الرواية - إبراهيم عبد المجيد أحد أهم صناع الوجدان المعاصرين و مبشروا الغد و كاشفوا آفاقه. .
رأيت في الحفل أيضا جانبا إنسانيا رائعا في كاتبنا الكبير إبراهيم عبد المجيد الذي كانت هذه الفرصة الثانية في حياتي لأن ألتقيه شخصيا ، بعد صحبة سنوات طويلة عبر سطوره المبدعة ، إذ أحسست به حريصاً - و بتلقائية شديدة - على أن يحتوي جميع الحاضرين ، على كثرتهم بنظراته المُرحبة المُمتنة و لفتاته و تعليقاته الودودة حتى أنني أعتقد أن كُل واحد من الحضور وصله إحساس بأنه شخصياً ضيف شرف الحفل المُميز ! و لمن يُعايش عالم إبراهيم عبد المجيد الروائي ، و يُدرك مدى إحساسه بالناس و الشوارع و الحواري و مدى إرتباطه بالواقع الذي يرويه و يضم شخصياته نابضة بالحياة بين دفتي كل واحدة من رواياته ، من يُدرك ذلك لابد بالضرورة أن يتوقع بداهة أن يكون إبراهيم عبد المجيد في حفل توقيع أحدث رواياته كمثل أبو العروسة الذي يستقبل أهله و ناسه و يرحب بهم جميعاً بل و كُل على حده قدر المُتاح وسط هذا الحشد .
على صعيد الحدث ذاته فقد كانت الدراسة النقدية القيمة ذات المستوى الأكاديمي التي قدمها د. يُسري عبد الله بمثابة  منح القاريء مفاتيح أساسية لقراءة الرواية من منظور نقدي راقي فكانت تلك الدراسة مناسبة تماما لذلك الجانب من الحضور من صفوة الأُدباء و المثقفين  ، في حين أتي التحليل الشيق و التأمُلات الذكية و الشاعرية أحياناً للرواية من جانب د. محمد الشحات في متناول البُسطاء من الحاضرين من أمثالي ، فتكامل العرض النقدي لكلا الأُستاذين الكبيرين ليحتويا جمهور الحضور على تنوعه ، لذا  فإن الجهد الرائع الذي قام به كلا الناقدان الكبيران د. يسري عبد الله و د. محمد الشحات و وضعاه بسلاسة بين يدي الحضور مثلا إضافة عالية القيمة للقاريء المُقبل على مُعايشة رواية “ قطط  العام الفائت “ و لعل هذا هو دور النقد الأدبي في إحدى أجمل تجلياته في تلك الليلة الرائعة من ليالي إبراهيم عبد المجيد .

أما الدار المصرية اللبنانية و ما تتصدى لنشره من إبداع بل و ما “ تتجاسر”  على نشره ، مما أفصحت عنه الأرفف المُحملة بالدُرر الثقافية من كُل الأجيال و تيارات الأدب و الفكر و التاريخ على جانبي قاعة الإحتفال ، فلا توفيها تحية أو شُكر و يكفي ما يفصح عنه إسم الدار ذاته حيثُ  أن الجمع بين مصر منبع الثقافة العربية و لبنان منارة الطباعة و النشر يختصر الكثير مما يُمكن أن يُقال ، فقط أُوجه مُلاحظة إلى الدار ، و يدعمني فيما أقول هذا الإكتظاظ بالحاضرين الذي نوهت عنه في بدايات كلامي أنه حين يكون الحدث متعلقاً بعمل لإبراهيم عبد المجيد أو لمن هم في قامته الإبداعية ، و هم قليلون ، أعتقد أن الأمر يحتاج إلى قاعة في سعة إستاد ناصر الدولي !!!
أخيراً ، و على المستوى الشخصي ، فإن ما ذكرته من حرصي الدائم على إقتناء نُسختي  من أعمال إبراهيم عبد المجيد و هي بالكاد تستقر على أرفف المكتبات ، هذا الحرص أتى فيما يبدو بعض ثماره حين لاحظت أن جميع النُسخ على الأرفف و بين  أيدي الحضور تحمل تلك العلامة الجانبية الحمراء مُشيرة إلى إنتمائها إلى “ الطبعة التانية “ في حين غادرت أنا وحدي تقريباً الإحتفال بعد إنتهائه مشدود القامة مُنتفخاً بغرور ،  حاملاً توقيع الروائى الكبير إبراهيم عبد المجيد على نسختي من الطبعة الأولى .

طارق فهمي حسين 

يناير ٢٠١٧