‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الفن و الكُتُب و الحياة .. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الفن و الكُتُب و الحياة .. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 يوليو 2024




حضرت في الإسبوع الماضي العرض المسرحي الرائع والمُختلف " أوبرا العتبة"، ذهبت، وزوجتي، إلى مسرح الطليعة تدفعنا تجربة سابقة ناجحة، بل عظيمة النجاح، مع الأداء التمثيلي لفنانة المسرح الشابة الراسخة دعاء حمزة حين شاهدناها منذ بضع سنوات- ولأكثر من ليلة عرض- في العرض المسرحي " مفتاح شهرة" والذي كان من تأليفها وإخراجها أيضًا، فضلا عن التمثيل أمام الفنان ،عظيم الموهبة، عماد اسماعيل.
إذًا فقد ذهبنا إلى هذا العرض بوصفنا من " مُريدي" الأداء التمثيلي لدعاء حمزة، والتي لم تخذلنا بل واصلت إبهارنا بقوة وبساطة الأداء الفاهم الواعي للشخصية وأزمتها ومكانها في العرض بل والمجتمع.
لكن لم يكن هذا كل ما في الأمر، إذ توالت الهدايا متمثلة في كل عناصر العرض من نص رائع ، وأتردد في استخدام تعبير " نص" فهو- إن حاولت تحري الدقة- رؤية نافذة ذات بعد فلسفي لا يخلو من مرارة ممزوجة بالسخرية لما آل إليه حال المجتمع المصري في وقتنا الراهن. حيث استطاع المخرج- العبقري بالمناسبة- هاني عفيفي، والذي هو ذاته صاحب النص/ الرؤية أن يمسك بتلابيب هذا المجتمع المأزوم ويطرحه بقوة على خشبة مسرح الطليعة، وممسكًا باليد الأخرى بتلابيب جمهور العرض واضعًا كلا منهما- العرض والمتلقي - في مواجهة الآخر كما المرآة التي تكشف ولا تجامل!
لو افترضنا أن هيئة المسرح أتت بأعظم كتاب ومخرجي العالم لزيارة ميدانية لمنطقة العتبة، والتي تحاصر فيها جحافل بائعي الفرشات العشوائية السيارات والمارة ومسارح الطليعة والعرائس والقومي، وطلبت منهم أن يصنعوا عملًا مسرحيًا يعبر عن هذه الحالة السريالية؛ لما استطاعوا مجتمعين أن يأتوا بما أتى به هاني عفيفي ومجموعة المبدعين الذين صنعوا معًا هذا العرض الجميل المرير الضاحك! بل أن هذا العرض اتخذ من هذه الحالة المحيطة بالمسرح بوابة رحبة للنفاذ إلى أزمة المجتمع المصري ككل بمثقفيه وفقراءه وطبقته المتوسطة ومغتربيها سعيًا وراء الرزق، بل ودجاليه أيَضا من تجار الفن الرديء. ولم يسقط العرض في خطيئة التعامل مع حالة الفوضى السوقية بسطحية وإدانة متعالية، وإنما كشف لنا عبر جمل قصيرة وسريعة على لسان هذه الشخصية أو تلك عن المآسي المعيشية التي تكمن خلف كل واحد منهم وتدفعه ليكون جزءا من هذه الحالة العبثية.
على مستوى " فن المسرح" فإن العرض المسرحي " أوبرا العتبة" جدير بأن يتم تدريسه في أرقى معاهد وأكاديميات المسرح كنموذج شديد التميز لأمور عدة منها على سبيل المثال الوصول إلى أقصى حالات الإبهار والإمساك بتركيز المشاهد على مدار العرض عبر تسخير كل ما هو معروف ومصطلح عليه من عناصر العرض المسرحي من إضاءة وموسيقى وديكور وحركة ممثلين في ظل أقل إمكانيات متاحة، فهذا عمل مسرحي أنفق عليه بسخاء من جهد وأعصاب وإبداع إنساني بما يفوق بكثير جدًا ما أتيح له من " ميزانية" مالية، وأقول هذا- ليس من واقع معلومة ما- وإنما بخبرة عين تشاهد كل أنواع المسرح على مدى ستة عقود من الزمان وربما أكثر قليلًا.
منها أيضًا أن هذا العرض نموذج وترجمة ناجحة جدًا لمقولة " سقوط الحائط الرابع" المعروفة لدى المسرحيين، فهاني عفيفي وكتيبة الموهوبين الذين معه لم يسقطوا الحائط الرابع فحسب، بل أسقطوا - ومنذ اللحظة الأولى - كل الحوائط والحواجز بينهم، وما يبدعون، وبين جمهور الصالة حتى لا يكاد المشاهد أن يتيقن من أن جاره في الكرسي المجاور مشاهد مثله أم أحد ممثلي العرض؟! بل أن العرض أسقط حتى الأسوار الخارجية للمسرح وفتح تيارًا من التفاعل والتفهم للحالة التي تبدو جنونية خارج المسرح، ولم يأت هذا على سبيل استعراض عضلات المخرج أو حتى مجرد الاختلاف، بل جاء في خدمة العمل تمامًا ولو تم إخراج هذا العرض بشكل آخر لما أوصل رسالته المنشودة ولا جمالياته الفنية.
أما عن التمثيل، فحدث ولا حرج، وإن كنت -للأسف- لا أملك من أسماء الممثلين سوى الرائعة دعاء حمزة التي أدت دورها ببساطة واقتدار وعميق فهم للشخصية وأزمتها وأحلامها المأزومة والمؤجلة ، والفنان الجميل صاحب الحضور المسرحي اللافت محمد عبد الفتّاح( كالابالا) وإن كنت أهمس في أذنه بحب وإعجاب أن " يراجع قليلًا قراءته العربية الفصحى، وإن كان ذلك لم يعطل كثيرًا حضوره المسرحي ونجاحه في تجسيد شخصية المثقف المأزوم والمحاصر.
أما باقي الممثلين، والذين أبدعوا جميعًا وإلى أقصى مدى، فقد شاءت سياسة إلغاء بند الدعاية في مسارح الدولة أن أظل جاهلًا بأسمائهم، وإن كنت- وكل من يشاهد العرض- لا أجهل ولا أتجاهل أبدًا مواهبهم المتقدة وجهدهم الرائع على خشبة مسرح الطليعة وبين أروقته وحتى ساحته الخارجية، بما في ذلك مطرب ومطربة الأوبرا الرائعين والذين يسبقا بداية العرض بأداء غنائي أوبرالي مبهر في ساحة المسرح الخارجية، وكان هذا أيًَضا جزءًا عبقريًا من براعة الإخراج لهذا العرض الذي يتسق تمامًا مع إسم ورسالة مسرح" الطليعة".
أخيرًا مشهد الختام جاء بمثابة تتويج وتكثيف بديع لكل التصاعد الدرامي الذي نسجه العرض فجاء بمثابة لوحة تشكيلية مرسومة بالممثلين والديكور والإكسسوارات جديرة بأن تعلق في أعظم متاحف العالم.
====
كنت، وزوجتي، قد خضنا أهوالًا في الوصول إلى مسرح الطليعة عبر خضم بحر الباعة العشوائي المحاصر للمنطقة، وبعد العرض خضنا ذات الطريق وسط ذات الباعة، لكن الأمر اختلف في طريق العودة حيث سادتنا حالة من التصالح والتفهم لدوافع وخلفيات هؤلاء المئات المدفوعين دفعًا لهذه الحالة السريالية المريرة، لكننا لم نتخلص بالتأكيد- ولا يجب- من السخط على من دفعوا بالوضع كله إلى هذا التردي وبقلب القاهرة إلى هذا القُبح، هذا التصالح والتفهم الذي عدنا به ، مختلفين عما جئنا به، هو التغيير الذي صنعه عرض مسرحي نبيل كأوبرا العتبة في نفوس مشاهديه حين نجح في رصد الحالة وتفسيرها وكشف ما ورائها من أزمات.
طارق فهمي حسين
يوليو ٢٠٢٤
==========
أكثر من أربعة عقود من الشعر الصادق الجميل؛ ومثلها من الإخراج المسرحي المتمكن تُطِل علينا من خلف هذا العنوان" مش روميو وچولييت"، وأعني بذلك الكبيرين الشاعر أمين حدّاد والمخرج المسرحي عصام السيد، واللذان أرى أن التعاون بينهما في هذا العمل المسرحي الكبير هو أهم حدث مسرحي، ورُبما أهم حدث ثقافي بالمعنى الأوسع خلال السنوات الأخيرة.
" مش روميو وچولييت" هي - ببساطة - عودة عِملاقة، دون أدنى مُبالغة للمسرح الغنائي في مصر، وأقصد هنا " المسرح الغنائي " بمفهومه وتعريفه، وليس مجرد عمل مسرحي تتخلله أغاني. لذا، ودون أدنى مُبالغة أيضًا، فأعتقد أن هذا العرض هو نقلة مفصلية في تاريخ المسرح الغنائي، وسوف يتم التأريخ به للفصل بين مراحل تطور فن المسرح- الغنائي بالتحديد- في مصر، فيكون الحديث عن " ما قبل" و" ما بعد" مسرحية " مش روميو وچولييت".
بأمانه لا أستطيع أن أُحدد من أين أبدأ؟ الموضوع أم صياغته الشعرية والغنائية أم الاستعراضات أم أداء الممثلين، أم المايسترو، أقصد المُخرج، الذي صاغ كل هذه العناصر في هارموني مسرحي مُدهش.
نجح هذا العمل الكبير في تناول قضية شائكة من قضايا مجتمعنا بمُنتهى البراعة والوعي والإدراك للحساسيات المُعتادة التي يُثيرها تناول هذا الموضوع بالذات، كما تجنب الكليشيهات المُعتادة تمامًا وتقافز برشاقة فوق حقل الألغام دون أن يُفجر لغمًا واحدًا منها، وقد يبدو هذا الكلام غامضًا وغير مفهوم لمن لم يشاهد العرض بعد، لكني أفضل ذلك على " حرق" الموضوع حتى لا أُفسد مُتعة مشاهدة العرض لمن يقرأ سطوري قبل المُشاهدة.
كما ذكرت القضية شائكة لكن التناول شديد النعومة خاليًا من القوالب سابقة التجهيز، والمعتادة، وحتى النبرة الخطابية لم تكن حاضرة إلا في حدود الضرورة كما أنها كانت تأتي مُبررة ومنطقية حين تجري على لسان مُدرس أو مُدرسة يخاطب كلا منهما تلاميذه، فهي إذًا في موضعها بالضبط وفي سياقها الدرامي تمامًا.
الأشعار والأغاني والحوار الموقّع التي أتت جميعها من جُعبة أمين حدّاد، وما أدراك ما أمين حدّاد، لم يكن من الممكن أن تكون أجمل ولا أسلس ولا أنسب مما جاءت عليه في خدمة الفكرة والدراما المسرحية، أشعار وأغاني وحوار كُتبت ليحفظها الناس من مشاهدة واحدة للعرض، ولتُشكل حِكم وقوانين وأقوال مأثورة ستصبح مرجعًا حين يتم تناول هذه القضية على أي مستوى سواء فنيًا أو خارج إطار الفن وساحاته، ولعلي - كقارئ لجُل ما كتب أمين حدّاد من شعر ونثر- أُدرك سر هذا النجاح في الصياغة الشعرية لهذا العرض، حيثُ أن الرسالة التي يحملها العرض تتطابق تمامًا مع قناعات الشاعر نفسه كشاعر ومواطن مصري عميق الفهم والحب لوطنه، فلم يكتب أشعار هذا العمل مُتكئًا على صنعة أو حِرفيّة ( وهو يمتلك ناصيتهما تمامًا) وإنما كتبها بمجامع الإحساس والإيمان برسالة العرض ومضمونه، أما الصنعة والقافية والتفعيلة وما إلى ذلك من أدوات الشعر فهي - مع أمين حدّاد- تحصيل حاصل وتجري من قلمه على الورق جريان الدم في العروق... " باغني زي ما باتنفس" على رأي مولانا فؤاد حدّاد.
أما موسيقى وألحان أحمد شحتوت واستعراضات شيرين حجازي، فمن العبث محاولة وصف جمالهما وتماهيهما مع الأشعار والدراما وكل عناصر العمل، هذه الألحان وتلك الاستعراضات تُسمع وتُشاهد ولا توصف، هل يمكن مثلًا أن تصف لأحد مذاق الشهد؟ عليه أن يذقه فقط ليدرك عذوبته. هكذا فقط أكون قد نجحت في وصف الموسيقى والألحان والاستعراضات.، ومع ذلك يمكن القول بأن الألحان انطلقت من فهم عميق للطبيعة المُتفردة لأشعار أمين حدّاد ومُفرداته غير المألوفة فكانت الكلمات والموسيقى يدفع كلاها الآخر إلى آفاق بعيدة من التحليق المُبهج الذي تطرب له الأُذن دون أن تغفل عن المعنى، كما أن سلاسة الألحان جعلت الغناء جميلًا ومُمكنًا لكُل المُمثلين المُشاركين في العرض بمستوى عال من النجاح ، خاصةً وهم يتشاركون الغناء والحوار المُغنى مع الفنّان الكبير علي الحجّار ، وما أدراك ما صوت على الحجّار!
نجحت استعراضات شيرين حجازي (والتي لا توصف بل تُشاهد) في تحريك هذا العدد الكبير من المُمثلين والممثلات/ الراقصين والراقصات برشاقة وجمال وانسيابية مُبهجة، ودرامية أيضًا، على خشبة المسرح القومي الصغيرة نسبيا، دون أدني ارتباك أو تزاحُم حتى صارت خشبة القومي في رحابة خشبة المسرح الكبير لدار الأوبرا من حيثُ لا ندري!
تحاشيتُ أن أستخدم في الفقرة السابقة تعبير" المجاميع" فهو تعبير ظالم لباقة الشباب والبنات الذين كانوا مِلح العرض تمثيلًا ورقصًا وغناء، ورغم العدد وجماعية الأداء لكنك تستطيع أن تلمح شخصية كل فرد منهم في إيماءاته الخاصة وإفيهاته المُختلفة فكانوا كالفُسيفساء في لوحة كبيرة جميلة عامرة بالتفاصيل التي يملك كل منها جماله الخاص.
قبل أن أشاهد العرض كنت متشككًا في دقة اختيار الفنان الكبير علي الحجّار مع الفنانة الجميلة رانيا فريد شوقي بسبب فارق السن الذي لا يخفى على أحد، ذلك أني افترضت أنهما غالبًا سيؤديان دور حبيبين، رغم أن عنوان المسرحية يُنبه إلى أن: " مش روميو وچولييت" وهذا في حد ذاته إيفيه " عالي جدًا واختيار عبقري لتسمية العرض.
تبينت خطأ تقديري حين شاهدت علي الحّجار يعتلي خشبة المسرح فتشتعل الصالة حماسة، أما حين بدأ يشدو بصوته الماسي، فحدِث ولا حرج، وماذا عن الأداء التمثيلي؟ جاء تاريخ علي الحجّار المسرحي، وليس الغنائي فقط، وخبراته وحضوره والتيار الساري بينه وبين الجماهير خير مُفتاح للنجاح وحتى للتغاضي عن قدر - غير ملحوظ بشكل كبير- من إيقاع الحركة المُختلف بعض الشيء عن إيقاع حركة باقي المُمثلين ، وإذا وضعنا هذه الملحوظة في كفة ميزان مُقابل كل هذا الحضور والأداء التمثيلي السلس والصوت الغنائي المُتفرد والمتربع في وجداننا لعقود؛ لو فعلنا ذلك لاختفت تمامًا تلك الملحوظة وبقيت حقيقة أن وجود الفنّان علي الحجار في هذا العرض أحد العوامل الأساسية ( وهي كثيرة) لنجاح وجماهيرية العرض.
رحم الله العظيم فريد شوقي الذي بادل جمهوره العريض حُبًا بحُب حتى أنه لم يكتفي بأن يترك لجمهوره إرثًا فنيًا عريضًا وعظيمًا، وإنما أهدى جمهور السينما والمسرح أغلي ما عنده، وأعني الجميلة رانيا فريد شوقي، والتي - رغم أنها تمتلك رصيدًا فنيًا ومسرحيًا كبيرًا- كانت في هذا العرض وجهًا مسرحيًا جديدًا تمامًا، ما كُل هذا الحضور والقبول والخفة واللُطف والألق! فقط، طبقًا لما شاهدتُ في ليلة الافتتاح رُبما أنصح الماكيير بأن يخفف بعض الشيء من وضع المساحيق علي وجه الفنانة رانيا، ألم تُلاحظ يا سيدي الماكيير تلك الإضاءة الذاتية التي يتمتع بها هذا الوجه الجميل؟!
ميدو عادل طاقة مسرحية كبيرة جدًا ويكاد يتحرك على خشبة المسرح مُغمض العينين، يعرف كيف ومتى ينفعل، وكيف يُغالب انفعاله وُيعطي كُل جُملة التون المناسب لها، أما الفنّان المُعاد اكتشافه عزت زين فهو مكسب كبير لجمهور المسرح، ورغم فارق السن فقد كان يُجاري شباب المُمثلين خفة وحركة على نحو مُدهش.
إلى هُنا ونفذت حصيلتي من أسماء نجوم العرض تمثيلًا وغناءً، فكالعادة الجديدة لا يوجد أفيش أو " بامفلت" يحمل صور المُمثلين مقرونة بأسمائهم، وإن كنت قد التقطت من هنا وهناك بعض أسماء المُتألقين مايكل سيدهم وأميرة أحمد وطه خليفة ودينا النشّار، وأعتذر لباقي الشباب والشابات المشتعلين موهبة وتألق في هذا العرض والذنب ليس ذنبي ولكنه ذنب " وزارة المالية" (نعم المالية وليست الثقافة) التي علمت أنها أوقفت بند الدعاية!!!
قد يستوقفني قارئ لسطوري مُنبهًا إلى أنني لم أتطرق لذكر أهم صُناع هذا العرض المسرحي الكبير بل وصاحبه الأول ألا وهو المُخرج الكبير بحق الأُستاذ عصام السيد، ولهذا القارئ أقول بل أعد قراءة سطوري فستجد مُخرجنا الكبير موجودًا في كُل السطور ، وهذا بالضبط ما نجح فيه عصام السيد - كالعادة- على خشبة المسرح إذ أمسك جيدًا بكُل خيوط عناصر العرض، وفي ذات الوقت أخفاها فجعل الجمهور وكأنما يُشاهد حياة حقيقية وأحداثًا واقعية تدور وكأننا شهود عيان على قضية مجتمعية - حقيقية بالمناسبة- عالية التوتر بينما تجري حوادثها في إطار غنائي موسيقي ناعم ومُبهج وضاحك أيضًا في مُفارقة عظيمة لا يصنعها إلا مسرحجي كبير وعتيد كالأُستاذ عصام السيد ، الذي وجد المسرح الغنائي أخيرًا ضالته فيه وفي الشاعر أمين حدّاد وفي هذه الكيمياء التي من الواضح أنها جمعت بينهما في هذا العمل الفريد، والتي نجحت في إخراج المسرح الغنائي الجاد والمُبهج معًا من غفوته وإعادته نابضًا بالحياة على خشبة المسرح القومي العتيد، وأتمنى - وكُل مُحب للمسرح- أن تكون هذه بداية لتعاون مُستمر بين هذين الكبيرين لصُنع غد مسرحي مشرق .
طارق فهمي حسين
يونيو ٢٠٢٤
تكرارًا لما ذكرت في مقال سابق:
- لماذا لا يعتمد المسرح القومي نظام حجز التذاكر " أونلاين" بالإضافة إلى شباك التذاكر؟
- ولماذا لا يتم ربط استمرار موسم العرض المسرحي بالإقبال الجماهيري وليس بأمور إدارية روتينية؟

الخميس، 20 يونيو 2024

الأرتيست.

=========

أسعدني الحظ هذا الشهر بحضور العرض المسرحي الجميل " الأرتيست" على خشبة مسرح الهناجر، فأسعدني كل ما شاهدت في تلك الليلة المسرحية العظيمة. عرض مسرحي على أعلى مستوى نصا وإخراجا وتمثيلا وموسيقى وإضاءة وديكور، أي ان كل عناصر العرض المسرحي الجيد والناجح كانت متحققة في هذا العرض، بل أن كل تلك العناصر كانت تتبارى في الحصول على لقب " نجم العرض" فنجحت جميعها في أن يكون العرض ككل نجما مسرحيا مضيئا لم يخفت ضوءه لحظة واحدة طوال مدة العرض.
كنت أتمنى ان اكون ناقدا مسرحيا متخصصا يمتلك أدواته حتى أستطيع أن أتحدث عن كل من عناصر العرض على حدة مبينا مواطن الجمال فيه، ومتحدثا عن دوره في خدمة الدراما وإثراء العرض، لكني مضطر بالطبع للاكتفاء - إلتزاما بمحدودية إمكانياتي- بذكر انطباعاتي كواحد من عموم المشاهدين.
دون " حرق" للعرض فهو ينطلق من موقف حقيقي لعل بعضنا يتذكره حين اتصلت رئاسة الجمهورية بالفنانة الكبيرة زينات صدقي عام ١٩٧٦ لإخطارها بأنه سيتم تكريمها في عيد الفن في ذلك العام، ثم تدور أحداث المسرحية في الأيام القليلة السابقة على موعد التكريم، والذي يفجر ذكريات الفنانة الكبيرة ، وببراعة ملفتة يعتمد المخرج محمد زكي، والذي هو ذاته صاحب النص، إسلوب الفلاش باك مستعرضا مشوار حياة العظيمة زينات صدقي متنقلا بين مراحل مختلفة في مشوار العمر وبين الحاضر الذي تدور فيه استعدادات الفنانة والمحيطين بها من محبيها وأفراد أسرتها ليوم التكريم المنتظر.
ومابين عذوبة النص وبراعة الإخراج وتميز الدور الجمالي والوظيفي معا لكل من الإضاءة والموسيقى والديكور والملابس يأتي الأداء التمثيلي تتويجا لكل هذه العناصر على أيدي " سرية "من الموهوبين، ليس فقط في فن التمثيل، وإنما أيضا في براعة الوقوف والحركة على خشبة المسرح بوعي وفهم وحب حقيقي لفن المسرح. تتقدم هذه السرية الفنانة هايدي عبد الخالق التي نجحت في استحضار روح زينات صدقي على خشبة المسرح دون أن تقع في فخ التقليد الكاريكاتوري ، وكذا دون أن تطمع في محاكاة كاملة لأداء وخفة ظل زينات صدقي الإسطوريين فكانت الواقعية وحسن الإدراك مفتاح هايدي عبد الخالق للنجاح الكامل في أداء الدور.
أما الفنانة، أو " الأسطى" فاطمة عادل كما أحب دائما أن أصفها؛ فهي بحق، وبلغة قدامى أهل الفن، أسطى في فن التمثيل وعالم الغناء والطرب معا، فصالت وجالت تمثيلا وغناءا على خشبة المسرح ، التي أعتقد أنها تبادل فاطمة عادل حبا بحب فتمنحها حضورا وألقا بقدر ما تغدق عليها فاطمة من جهد وموهبة، كنت أتمنى أن أذكر مجموعة الممثلين كل بإسمه حيث كانوا جميعا- دون استثناء واحد- على أجمل ما يكون من أداء ووعي وفهم لأدوارهم ولفن المسرح كما ينبغي أن يكون، لكن ما منعني هو أنني لم أجد أفيش واحد أو " بامفلت" يذكر أسماء الممثلين مقرونة بصورهم! ولا أدري ما الحكمة في ذلك، خاصة أن معظم أبطال العرض من الشباب الذين مازالوا في بداية الطريق ويستحقون - بجدارة مواهبهم- أن يعرف الجمهور كل منهم بإسمه، عموما كلهم بالفعل كانوا متميزين، لكن مثلا لفت نظري بشدة الشاب الذي أدى دور " سيد" شقيق زينات صدقي ( في مرحلة الصبا).هذا الممثل تحديدا كان كالفراشة على خشبة المسرح، حتى أنه كان يؤدي دوره دون حذاء في قدميه وكأنه يؤكد قداسة المسرح في وعيه أو حتى لا وعيه! هذا الممثل يمتلك مقومات أداء شتى أنواع الفن المسرحي من الكلاسيكي إلى البريختي إلى الاستعراضي، وما لا أعرفه من تصنيفات المسرح، وبنفس مستوى البراعة، في ظني الشخصي المتواضع.
ملاحظة أخيرة بخصوص هذا العرض الجميل هي أنه ذكرني في بعض مشاهد وتيمات بعرض مسرحي بديع كنت قد شاهدته ( عدة مرات) منذ بضعة سنوات وهو الديودراما الجميلة" مفتاح شهرة" من تأليف وإخراج وتمثيل متعددة المواهب دعاء حمزة والموهوب الكبير عماد إسماعيل، والتأثير والتاثر وتوارد الأفكار و" التناص" وكل هذه المصطلحات أمر وارد بالتأكيد، وقد يصل في بعض الحالات إلى حد اختيار ذات الأغنية/ المونولوج التي اختتمت بها " مفتاح شهرة" لختام " الأرتيست أيضا ! لكن هذا بالتأكيد لا ينتقص من قيمة وجمال هذا العرض المسرحي البديع وإنما هي فقط مجرد ملاحظة لا أكثر، فتحية لصناع العرض المسرحي الجميل " الأرتيست" وتمنياتي بأن يتم مد العرض لأيام بل وشهور طويلة حتى يتاح لأكبر عدد من المشاهدين حضوره خصوصا وأن الصالة كانت كاملة العدد على مدار جميع أيام العرض القليلة جدا. فحتى زمن قريب كان تعبير " الموسم المسرحي " يعني غالبا بضعة شهور كموسم صيفي ومثلها كموسم شتوي، فما الذي حدث حتى يقتصر " الموسم الأول" لعمل بهذا الجمال على إسبوع ( ويتم مده ليومين إضافيين فقط) ثم ندخل في " الموسم الثاني " الذي يقتصر على أربع ليال فقط !!!
الفن يا مسئولي الفن لا يجب أن يعامل بمعايير الروتين وبنود الميزانية التي " لا تسمح" وما إلى ذلك، بل يجب أن يكون تحديد استمرارية أي عرض من عدمه مرتبطا بالإقبال الجماهيري، كما يجب أن يتم تصوير العروض الناجحة تلفزيونيا على الاقل للتوثيق المستحق والواجب.
أمر آخر: لماذا لا يتم حجز التذاكر عبر الإنترنت بالإضافة إلى شباك التذاكر التقليدي تيسيرا على الجمهور خاصة في هذا الجو الحار؟ ولماذا لا يتفضل القائمون على مسرح الهناجر بترقيم المقاعد وحجز التذاكر على هذا الأساس بدلا من الفوضى والتدافع في دخول الجمهور، وتخفيفا أيضا على موظفي المسرح الذين يبذلون جهدا بدنيا وعصبيا كبيرا للحفاظ على النظام في الدخول، والذين أوجه لهم كل التحية والاحترام على هذا الجهد وأيضا على اللياقة واللباقة في التعامل مع كل هذا الزحام الذي قد يكون ترقيم المقاعد حلا بديهيا له.
أخيرا: اليوم الخميس ٢٠ يونيو هو ليلة العرض الأخيرة في هذا " الموسم الثاني" للمسرحية البديعة " الأرتيست" لذا أقترح على كل محبي الفن الجميل الحرص على مشاهدة العرض اليوم، فلا نعلم متى " يسمح البند" بموسم ثالث ربما قد يتكون من ليلة واحدة مثلا! ورحم الله مولانا فؤاد حداد الذي نبهنا إلى أن " الدنيا الدواويني عجيبة!!!

طارق فهمي حسين
يونيو ٢٠٢٤

الجمعة، 23 ديسمبر 2022

#ولاد_ابو_درّاج #كأس_العالم

#ولاد_ابو_درّاج
#كأس_العالم
في قريتنا الصغيرة الجميلة بمحافظة الشرقية توجد أُسرة من بُسطاء القرية تحمل اسم" أبو درّاج" يعملون بالزراعة كأُجراء أو مُستأجرين لمساحات صغيرة وأحيانًا يذهب بعضهم إلى سوق منيا القمح ليبيع بعض الفواكه والخُضر.
منذ أكثر من عقدين ونصف كنت أجلس مع أبي رحمه الله وبعض الأهل تحت تكعيبة العنب أثناء قيام حسن ابو درّاج وزوجته وشقيقه بالعمل بهمة في جمع محصول العنب، أخذت أراقبهم وهم على مسافة فلاحظت أن الشقيقين " أبو درّاج" يتبادلان الكلام والضحك أكثر مما يعملان فعلًا في قطف عناقيد العنب، في حين تعمل الزوجة بدأب وجَلد فتجمع أضعاف ما يجمعان! وحين اقتربوا ثلاثتهم من " تكعيبة العنب" حيثُ نجلس بدأت أصواتهم تتناهى إلى مسامعنا فاكتشفت أن الشقيقين يتبادلان النكات والنوادر الطريفة بخفة ظل تفوق فرقة ساعة لقلبك في عز مجدها، بينما لا تكف الزوجة عن حثهما على مزيد من الجدية في العمل وتخفيف العبء عنها، فلا يكون منهما إلا أن يشبعانها " تريقة" ولكن بشكل ودود لطيف فتضطر إلى الضحك الذي وجدنا أنفسنا نحن" الجالسون تحت التكعيبة" نشاركهم فيه لخفة ظلهم الملفتة، لكن مع احتداد الشمس على رأس زوجة حسن أبو درّاج وتساقط قطرات العرق من جبينها بدأت تضيق بتكاسلهما الممزوج بالسخرية فصاحت بمقولتها" التاريخية":
" اهو انتو كده يا ولاد ابو درّاج.. ما ناخُدش منكم غير التأييط والتُمُؤلت"!
وبالبحث في شتى المعاجم وجدت أن " التأييط والتُمُؤلت" هما كلمتان مترادفتان من مفردات اللهجة العبقرية لأهلنا في الشرقية وتحملان معنى" السخرية والتريقة" ، فأما التُمُؤلُت فتأتي من المألتة أي المألسة كما ننطقها في القاهرة، وأما "التأييط" وقد عرفنا معناه فلم أعرف له مصدرًا وقد حارت فيه وخلت منه المعاجم.
تمنياتي بمُشاهدة مُمتعة لكأس العالم لكرة القدم.
طارق فهمي حسين
نوفمبر ٢٠٢٢

Like
Comment
Share

ليلة خروج البرازيل

  • ليلة خروج البرازيل


في الغالب الأعم فإن جيلي من المصريين يشجعون البرازيل ، فنحن آخر جيل شاهد بيليه على أرض الملعب، ومهما أتى من موهوبين على مدار أجيال تالية يبقى بيليه هو الطعم الأصلي لكرة القدم، ولا أنسى يوم أخرجونا مبكرين من مدارسنا لنلحق بمشاهدة بيليه في مباراة الأهلي وسانتوس على أرض ستاد ناصر الدولي، ثم توالت أجيال من اساطير الموهوبين في فريق البرازيل الذي كان دائما أكثر فريق يجتمع فيه أكبر عدد من المواهب في وقت واحد، لكنه كثيرا ما كان الفريق الأكثر إحباطا لمريديه في أرجاء المعمورة، ودائما ما كان الحزن يخيم على جماهير الكرة المصرية ليلة خروج البرازيل، وهو حزن لم يعادله في مجال الرياضة سوى حزننا للهزائم النادرة للملاكم الأعظم محمد علي!
السمة العامة لفريق البرازيل على مدار أجياله تذكرني بالولد حاد الذكاء عظيم المواهب ومتعددها الذي يستبدل التفوق الدراسي اللائق بذكائه بالاستمتاع بالتزويغ من المدرسة وارتياد حفلات السينما الصباحية واللهو مع أقرانه وحب بنت الجيران، هكذا فريق البرازيل يستمتع بلعب الكرة في حد ذاته… بالترقيص والاستعراض والسخرية من الخصم غير آبه للفوز، أو ربما يأبه له لكن لا يحرص على التماس أسبابه… المهم الاستمتاع بالكرة وحسب، وكأننا نستطيع أن نشبه فريق البرازيل بلاعب كرة الشراب الإسطوري ابن امبابة سعيد الحافي !
وأخيرا دائما ما يستدعي خروج البرازيل التراچيدي -شبه المعتاد- إلى ذهني ذلك المقال العبقري الذي كتبه في مناسبة كهذه كاتبنا الراحل الرائع أحمد بهجت في بابه المسحور في جريدة الأهرام " صندوق الدنيا" حين خرج فريق البرازيل من البطولة كما فعل اليوم فكتب أنه جلس حزينا مكتئبا فقالت له السيدة الفاضلة زوجته متعجبة وانت زعلان كده ليه؟ هو انت برازيلي؟ فأجاب غاضبا: أيوه أنا برازيلي واسترسل يشرح أن البن الذي يشربه ويسري في دمائه برازيلي وأن… وأن… في مقال من أعذب وأطرف ما قرأت لواحد من أجمل كتاب مصر .
رحم الله كاتبنا الكبير ، ورحم سنوات وعقود عشناها وعاصرنا فيها أحداثا جساما في شتى المجالات الجاد منها والترفيهي ، ويبقى فريق البرازيل وانكساراته قبل انتصاراته جزء أصيل من وجدان جيل من المصريين وربما من أقرانهم في أرجاء المعمورة …جيل يتأهب للملمة أوراقه تمهيدا للمغادرة.
طارق فهمي حسين

#سقوط_البطل_التراجيدي

#سقوط_البطل_التراجيدي


سعدت جدا بفوز المغرب وأحلم بأن يفوزوا بكأس العالم، فأنا عربي وتسري في عروقي دماء هاشمية قرشية اختلطت بدماء شرقاوية وصعيدية مصرية وكذا بدماء مغربية تعود لمدينة فاس، فكيف لا تكون فرحتي بفوز المغرب فرحة لا حدود لها؟ هي كذلك بالفعل.
لكن فرحتي العارمة اعترتها غصة إنسانية حين رأيت الفتى الذهبي كريستيانو رونالدو يخرج من الملعب باكيا...
تاريخ من الموهبة والجهد بل والسحر وإمتاع جماهير الكرة في العالم كله صنعته أقدام ورأس هذا الفتى النابه العنيد، لكنه الزمن .. الزمن الذي وصفه شاعرنا الكبير أمين حداد بأنه " شغال على طول"
(الزمن ما فيهوش دلوقتي
الزمن شغال على طول
والحياة حزنها فوق طاقتي
عشتها ومتها مذهول )
غير أنه ليس الزمن وحده لكن أيضا الكثير من التربص والعدوانية التي أحاطت بمسيرة كريستيانو حتى أن الرئيس السابق للفيفا بلاتر وقف يوما علانية يقلد مشية كرستيانو ساخرا منه !
فضلا عن صفات " البطل التراجيدي" التي ابتلي بها هذا اللاعب الفذ من تكوين نفسي وميل يكاد يكون قدريا لاتخاذ القرارات الخاطئة في التوقيتات الخاطئة، إلى افتتان يكاد يكون مرضيا بالذات، ثم تزامن سطوع نجمه مع نجم آخر هو الساحر الآخر ليونيل ميسي وقد وضعهما القدر في مواجهة مباشرة ومقارنة دائمة على مدار معظم مشوارهما الكروي عبر توزعهما بين قطبي الكرة الإسبانية.
ولست هنا بصدد حسم المقارنة بين هذين النجمين / الظاهرتين، وربما كان ميسي هو الأكثر واقعية وإدراكا لأن " الزمن شغال على طول" وبالتالي يدير العلاقة بين الموهبة و" المقدرة" وفقا للممكن والمتاح بفعل "الزمن"، أما فتانا التراجيدي فينطلق كطفل غاضب مندفعا من تحت العشرين شاخصا نحو الأربعين غير آبه لزمن أو حتى لقوانين الفيزياء ذاتها فكان من الطبيعي والمتوقع والمحتوم أن تأتي النهاية إغريقية الملامح والمذاق .
سيبقى ميسي واحدا من أفذاذ كرة القدم وسيوضع اسمه لامعا بين نجومها التاريخيين... أما كريستيانو رونالدو فسوف يخلد اسمه على نحو آخر تماما، فإلى جانب ذكره مع ميسي وغيره من عمالقة اللعبة ، لكن مكانه أيضا سيكون بين الأبطال التراجيديين في شتى المجالات وسيبقى هذا المشهد الأخير جزءا من " الميثولوجيا" إن جاز التعبير!
طارق فهمي حسين
ديسمبر ٢٠٢٢

الجمعة، 10 يوليو 2020

محمود رضا... عصرٌ يرحل...

محمود رضا... عصرٌ يرحل...

برحيل الفنان العظيم محمود رضا سقط حجر كريم آخر من جدارية زمن مصر الذهبي…
شاهدت  اليوم على إحدى الفضائيات فيلم غرام في الكرنك، وقد أذاعته بالتأكيد بمناسبة الخبر المحزين والمؤلم برحيل فنان مصر العظيم ، وحين بدأت  فقرة ختام الفيلم والتي هي عبارة عن عرض كامل لعدد من رقصات فرقة رضا البديعة والتي يتقدمها الثنائي المبهر فريدة فهمي ومحمود رضا، وجدتني أشاهد الاستعراضات المتتالية بعيون الأجانب من مختلف دول العالم التي كانت تجوبها فرقة رضا لترقص على مسارحها وتحصد الجوائز والميداليات وشهادات التقدير، فتخيلت مدى انبهار المشاهدين في ذلك الزمن ومن  كل الجنسيات، بكل عناصر الرقصات، موسيقى علي اسماعيل العبقرية، والأزياء والخطوات التي أمسكت بتلابيب جُل أنواع الرقص الشعبي والبيئات المختلفة في شتى ربوع مصر ، ثم التناسق الجسدي والحركي  لكل الراقصين والراقصات، ثم التتويج الأعلى لكل ذلك عبر الأداء المعجز للثنائي الموهوب بلا حساب فريدة فهمي ومحمود رضا… كل ذلك، على ما يفترض أن يجلبه على النفس من بهجة ، ولطالما فعل، إلا أنه اليوم جلب لعيني الدموع، ليس فقط بسبب رحيل البديع محمود رضا، وإنما للصور التي تداعت أمامي وأنا أتابع كل خطوة راقصة على الشاشة ،… تداعت صور قد يستغرب الكثيرين تداعيها، ويظن ان لا علاقة لها بالأمر… رأيت صور المصانع التي كنت أزورها في رحلات مدرستي الابتدائية في الستينيات، وصور سيارات وأتوبيسات نصر تجوب الشوارع، ولقطات من جريدة مصر السينمائية، وإعلان تلفزيوني يقول: أضف إلى مكتبتك هذا الكتاب الجديد!
 نعم رأيت نضارة ورشاقة الثنائي محمود رضا وفريدة فهمي، لكن أيضا طالعتني وجوه ثروت عكاشة ووجيه أباظة وعزيز صدقي وجمال عبد الناصر، رأيت عبد الحليم وفريد وأم كلثوم وفؤاد المهندس ود. النبوي المهندس ، رأيت صلاح چاهين وسيد مكاوي وصلاح السقا وراجي عنايت وزكريا الحجاوي  وفكري الجزار ومحمد مهدي شومان وكمال رفعت وسعاد حسني وعبد الرحمن الخميسي ، رأيت اسكندرية الستينيات بشواطئها الجميلة النظيفة المجانية، ومذاق الفريسكا والكلو كلو ، وبائع الفريسكا ومصور الشاطئ مُتأنقين  بالبرنيطة والشورت ، ووسط القاهرة وسينما مترو في مواجهة ثقافية مع سينما أوديون، وثُلاثية كورنيش العجوزة الثقافية الشعبية: مسرح البالون والسيرك القومي والسامر ... رأيت محال القطاع العام تتلألأ بالأضواء والنظافة والبضائع المكتوب عليها: صنع في مصر، ورأيت زيا مدرسيا تشتريه لي أمي من عمر افندي وحذاء للألعاب من باتا!
كل هذا وغيره كثير مر أمامي وحالت بيني وبينه دموعي على وقع خطوات الراحل العظيم محمود رضا وصحبه الأسطوريين…
رحم الله محمود رضا ورحم زمن لم يعش حقا من لم يعشه في هذا البلد…           
                                                                                             طارق فهمي حسين
                                                                                       ١٠ يوليو ٢٠٢٠

الجمعة، 5 يونيو 2020

سعيد شيمي يُمسك بــ " تلابيب الصورة".

هذا الكتاب، ودون أدنى مُبالغة، قطعة من الجمال والمُتعة الخالصة؛ فضلًا عن الإضافة الثقافية والمعلوماتية الكبيرة التي يشعُر بها المرء بعد الانتهاء من قراءته. هو ينتمي إلى ذلك النوع من الكُتب الذي تشعُر بعد أن تقرأه بأنك أكثر معرفة وأوسع أُفقًا، فضلًا عن النشوة الحقيقية الناتجة عن كمّ الجمال الذي تنطوي عليه صفحات الكتاب.
"تلابيب الصورة" اسمٌ اختاره المؤلف الأُستاذ الكبير سعيد شيمي بدقة وعناية كبيرة، فهو قد أمسك بالفعل بكُل تلابيب الصورة في كُل حالاتها التي يعرفها الإنسان، الكتاب يتنقل برشاقة بين كُل فنون الصورة فمن الفن التشكيلي بمدارسه وتطورها إلى الفوتوغرافيا ونشأتها و تطورها أيضًا إلى الصورة السينمائية وتاريخها وتنويعاتها، كما أنه- وهذا من أسرار جمال الكتاب الكُبرى- يرصُد ببراعة التأثير والتأثُر المُتبادل بين فنون الصورة ( التشكيلي والفوتوغرافي والسينمائي)، ولعل من أشد ما أعجبني في الكتاب خلوه من الانحياز الطبيعي والمُتوقع، والمُعتاد أيضًا، في مثل هذه الكتابات، فقد اعتدنا حين يتناول أحد المُتخصصين في فنٍ أو مجال ما فنون أُخرى إلى جانب تخصُصه؛ أن يقودنا في النهاية إلى أن الفن الذي ينتمي إليه هو الأشمل والأجمل والأعظم... إلخ، وهو انحياز- عادةً- مفهوم وغالبًا ما نلتمس العُذر لأصحابه، بل ونراه مؤشرًا على صدق حبهم وإخلاصهم، وبالتالي براعتهم، فيما تخصصوا فيه.
لكن الأُستاذ سعيد شيمي- وهو من هو في عالم التصوير السينمائي- يُفاجئنا في هذا الكتاب بتغريد خارج السرب، ويكشف لنا عن وعي تام ومُدهش بجماليات الفنون المُختلفة، بل وبأهميتها جميعًا وجدلية التأثير والتأثُر فيما بينها، وبالتالي ضرورة وجودها واستمرارها جميعًا جبنًا إلى جنب.
على مدار صفحات الكتاب نلتقي وجهًا لوجه، بل وجدانًا لوجدان مع الأُستاذ سعيد شيمي، ليس مُدير التصوير السينمائي الكبير والكبير بحق؛ وإنما المُتذوق الكبير وصاحب الثقافة البصرية الموسوعية.
في كُل "فصول الكتاب" يعرض ويشرح المؤلف جانبًا من تاريخ وتطور وجماليات الفنون البصرية، ويشرح بدقة وبساطة في آن معًا تقنيات وفنيات ما، ثُم يدعم فكرته بعدد من لوحات الفن التشكيلي والصور الفوتوغرافية واللقطات السينمائية، الكتاب زاخر بالمعلومات التي يُقدمها لنا في إطار سلس وضمن رحلة مُمتعة بين الكتابة والصور على أنواعها.
سمعتُ مرة الأستاذ سعيد شيمي يقول: أنه لا يُحب الكُتب التي لا تحتوي على "صور". أدهشتني المُلاحظة، وأعترف أنني لم أفهمها تمامًا، لكني الآن، وبعد أن فرغت من قراءة أولى لكتاب " تلابيب الصورة"، والذي أظُن أنني ولابُد عائدٌ إليه مرات ومرات، فهمتُ مقولة الأُستاذ سعيد شيمي، وتفهمتها تمامًا، إذ كيف يُمكن لمن يملك كُل هذه الثقافة البصرية، وكُل هذا الفهم والإحساس بالجمال المرئي في كُل تنويعاته، أن يستسيغ كتابًا بلا صور! بل أنني بعد رحلتي مع هذا الكتاب أكاد أعتنق ذات المذهب.
كتاب "تلابيب الصورة" يُجيب على الكثير من الأسئلة التي تشغل بال الكثيرين، سواء كانوا من القُراء العاديين من أمثالي، أو من المُتخصصين سواء في الفن التشكيلي أو التصوير الفوتوغرافي أو فن السينما.
هو كتاب- في أحد جوانبه- دليلٌ لا غنى عنه لكُل من يُريد الارتقاء بتذوقه الفني وإحساسه بجمال الفنون البصرية، بل وبنعمة البصر أيضًا.
أخيرًا، يطيبُ لي أن أختم بما بدأتُ به: الكتاب، قطعة من الجمال والمُتعة الخالصة؛ فضلًا عن الإضافة الثقافية والمعلوماتية الكبيرة التي يشعُر بها المرء بعد الانتهاء من قراءته.
طارق فهمي حسين
يونيو ٢٠٢٠

الاثنين، 1 يونيو 2020

بين بحرين.

بين بحرين

أخيرا شاهدت فيلم"بين بحرين" فوجدت نفسي كمشاهد مطالب بالاعتذار لكل طاقم عمل هذا الفيلم عن كل هذا التأخير.
فيلم جميل بكل معنى الكلمة.
الفيلم يتناول أكثر من قضية هامة يعاني منها مجتمعنا ، خاصة عند السفح، لكنه- وهذا هو الاختلاف والتميز الأساسي للفيلم- يتناولها بمنتهى الحرفية السينمائية، ودون عبارة خطابية واحدة على مدار الفيلم، وأيضا دون التورط في المعارك والدعايات الدائرة بما يشوش على المضمون الأساسي أو ينتقص من مصداقية العمل الفني.
السيناريو ( أماني التونسي- كريم الدليل) ناعم ومتماسك والحوار ينتمي إلى عالم الواقع بشكل مدهش، ولا يسقط في الفجاجة والابتذال ولو في أدنى درجاتها، على خلاف ما يفعل آخرون بحجة الواقعية خاصة عند تناول البيئة الشعبية او العشوائيات، وفي ظني أن عدم سقوط صناع هذا الفيلم في ذلك المنزلق النمطي يرجع لسببين:
فهمهم لجوهر الفن وارتباطه أولا وأخيرا بالجمال، ثم نظرتهم الصادقة والنبيلة لحياة ومعاناة قطاع كبير من شعبنا، دون تعال. صناع هذا الفيلم - ببساطة- لم ينظروا إلى سكان جزيرة الدهب من فوق "كوبري المنيب" كما فعل بناة الكوبري! وإنما ذهبوا إليهم وإلي مشاكلهم عبر "المعدية" وسيلة النقل الوحيدة التي تصل أهلنا في جزيرة الدهب بالبرين البعيدين اللامعين الصامتين!
الموسيقى ( خالد الكمار) بطل أساسي من أبطال العمل وتساهم ،بجانب الصورة والإخراج وأداء الممثلين في خلق خلفية دائمة من الشعور بالمرارة الذي يخدم -بقوة- موضوع الفيلم.
الأداء التمثيلي في هذا الفيلم حالة من الجمال المتداول بين جميع الممثلين دون استثناء، حتى الطفلتين اللتين قامتا بدوري" شهد" و"شمس" كانتا في غاية التميز والعذوبة.
الفنانة فاطمة عادل، وكعادتها في كل ما شاهدته لها من أدوار، تمثل نموذجا للموهبة الحقيقية والأداء الطبيعي الذي يحار فيه المرء: هل هي التلقائية في الاداء، أم هي درجة عالية من الحرفية توحي بالتلقائية،؟! في كلتا الحالتين فالمستفيد هو العمل الفني نفسه، وبالطبع المشاهد.
بعض ابطال العمل تألقوا كعادتهم، والبعض الآخر أعيد اكتشافه في هذا الفيلم، وكان الجميع في افضل حالاتهم، وهذا يحيلنا بالتأكيد إلى مخرج الفيلم أنس طلبة الذي أجاد بداية اختيار وتسكين ممثليه، ثم أجاد إدارتهم وتوجيههم.
أما الكاتبة مريم نعوم فقد أصبح اسمها قرينا للجودة والمستوى الفني العالي، حتى وإن اقترن ب" ورشة سرد" حسب ما ورد بتترات الفيلم.
بين بحرين فيلم جدير بالمشاهدة…جدا.
طارق فهمي حسين
٣١ مايو ٢٠٢٠