الأربعاء، 15 سبتمبر 2021

ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...

  

ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...


 

في إهداٍء رقيق كصاحبه كتب الشاعر أمين حداد لأحد أصدقائه على نسخة من أحدث دواوينه" ما بدا لك"؛ يقول: " هذا ما بدا لي وما خفي كان أعظم"!

وعلامة التعجب في نهاية الجُملة لم يضعها أمين حدّاد وإنما هي من عندي، إذ كلما قرأت ما يكتُب هذا الشاعر أجد علامات التعجُّب تُسيطر على الأجواء من حولي بل تدور حول رأسي في فضاء المكان كما في أفلام الكارتون! ولعجبي هذا أكثر من سبب، منها عجبي من قُدرة هذا الشاعر أولًا على الاحتفاظ بكُل هذا القدر من " دهشة الطفولة" التي نولد بها جميعا وتنمو معنا في سنوات الاستكشاف والتساؤل الأولى ثم تذوي شيئًا فشيئًا مع تقدم العمر والاصطدام بحقائق الحياة، أما أمين حدّاد، ديوان بعد آخر، فيحتفظ بكُل تلك الدهشة فنراه يقول:

الضفدعة ما بتستغربش طعم الحشرات

والزهرة ما بتستغربش عطرها

وانا باستغرب كُل حاجة حواليا

كما يُصرح أو يعترف في نفس القصيدة:

بارتوي بالاندهاش

كما يُفصح أيضًا في قصيدة أُخرى من الديوان:

" والمتعة إنك تندهش

وكل دهشة اكتشاف

وكل رعشة اتصال

واكتمال بالتاني"

 

 ولا يكف عن التساؤل ومحاولة طرح إجابات أيضًا، مُتحريًا في محاولاته للإجابة خبرات الحياة التي عاشها وثقافته الواسعة وتأملاته العميقة، لكن كل ذلك تقوده بوصلة من المشاعر والحس الإنساني العميق. وهو اليوم إذ يخطو برضا واتساق نحو العام الرابع من عقده السابع يتكئ على سبيكة نفيسة من موهبة عميقة وعقل مسكون بالتأمل والفلسفة ومخزون لا ينضب من التفاصيل الصغيرة التي لا ترصدها سوى عين كعين أمين حدّاد ولا تختزنها سوى ذاكرة  ووجدان كذاكرته ووجدانه، فضلًا عن حب عميق للبشر والشجر والوطن والناس الذين هُم حقًا " ناس“ فهو القائل من قبل: " من أحب الناس عاش" وتكتمل سبيكة أمين حدّاد النفيسة بالجمع بين الانسجام التام مع حقائق الحياة ومرور الزمن ورحيل الأحبة وحتي الموت، وبين الثورة التي لا تعرف مهادنة ضد الظُلم والقُبح والعدوان علي جمال الحياة وبساطتها، كل ذلك دون أن يحيد عن القيمة الجمالية للشِعر كشعِر ولا عن موسيقاه الداخلية، والذي يقرأ أشعار أمين حدّاد يدرك ما أعني.

**

إذا أردتُ أن أحصي ما قرأت للشاعر أمين حدّاد من كُتب مستندًا إلى عدد" العناوين" يكون ديوان " ما بدا لك" هو الديوان الشعري الثامن بالإضافة إلى كتابه البديع" جزيرة الأحياء" والذي يجمع بين الشعر والنثر" وقصة للأطفال بعنوان" الجو جميل" عامرة بالشعر والغناء والدهشة اللامحدودة، فضلًا عن مسرحية بديعة بعنوان" إيزيس وأوزوريس".

أما إذا استندت في الإحصاء إلى عدد مرات تكرار قراءة كُل تلك الدواوين والكُتب فأكون قد قرأتُ مئات الدواوين للشاعر أمين حدّاد، ولا أكون في هذا مُبالغًا، فكُل من يقرأ أشعاره سيفهم ما أقصد؛ إذ أن إعادة قراءة نفس الديوان لهذا الشاعر لمرة ثانية تُعادل قراءة ديوانين من الشعر، والقراءة الثالثة تُشبه قراءة ديوان جديد، وهكذا... أما تفسير ذلك عندي فهو المستويات والجماليات المُتعددة التي تتجاذب القارئ في أشعار أمين حدّاد، فقد تأخُذك القراءة الأولى مثلًا في اتجاه اللُغة والمُفردات التي يكتب بها أشعاره، فتجد نفسك مسحوبًا معها مسحورًا ببساطتها وبلاغتها معًا، وبمزجه أحيانًا للعامية والفُصحى في عبارة واحدة على نحو يزيد كلاهما- العامية والفصحى- جمالًا وألقًا! كما يتنقل بين المذاق الكلاسيكي للشعر بأوزانه وقوافيه، وبين التجريب ومُمارسة" الألعاب" الشعرية ويصرح هو نفسه بذلك في قصيدة " تمرين" حين يقول:

".. وأغراضي في الشعر معروفة، بس باحاول أغيّر في الأشكال المألوفة، وباغرف من الأسرار"

 بل ويعمد أحيانًا إلى كسر القوافي مُحذرًا نفسه، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان، من الجري واراء القوافي والأوزان على حساب المعنى (وهو ما لا يسمح به أمين حدّاد لنفسه في كل أشعاره) فيقول:

"لأ.. كده فيه قافية بتتسرسب

والوزن بيكدب

ويشدك من أصل الحالة"

  وهكذا قد تكتفي بالاستمتاع بهذه اللُغة الشاعرة التي ينفرد بها أمين حدّاد. ثُم حين تقرأ نفس الديوان لمرة ثانية وبعد أن تآلفت مع اللغة وبساطتها وجمالها، تلتفت إلى الصور والمشاهد التي يرصدها بدقة وجمال، وإلى تفاصيل الحياة اليومية التي لا تفوته – وقد تفوت معظمنا-  ويرى فيها جمالًا لا يراه سواه، بل يرى في بعض ما نراه نحن عاديًا، يرى هو فيه "مُعجزة حقيقية" فهو، وكما يقول في إحدى قصائد هذا الديوان:

" ما باتنظرش المُعجزات

العادي هو المُعجزة"

 

ثُم يجوز أن تقرأ ذات الديوان لمرة ثالثة فتنتبه للفخاخ الفلسفية والأسئلة الوجودية التي لا يكُف أمين حدّاد عن أن " يُلغّم" بها أشعاره:

" الدنيا بتتحسّن وتسوء

والعالم سكران فايق

مبسوط متضايق

وكمان مخنوق

واحنا

ح نعيش في الدنيا دقايق

يتغير حوالينا المشهد

مليون مرة

ونموت"

ولا تفوتنا في كُل القراءات السابقة، أو إن شئتم في قراءة رابعة، متعة السباحة في عوالم الفانتازيا والخيال التي تسري في كثير من الصور داخل قصائده:

فمثلًا نجده يسأل في قصيدة" دوامات الحسن":

" لو انت ماشي على طرف عين حبيبتك، وشربت دموعها المالحة، وشرقت، يبقى الحل إيه لو ما بتعرفش تعوم"

 

 ويقول في قصيدة" غريب":

"قال لزراير الأسانسير: مساء الخير، عايز أروح السطوح

قالت له: حنزّلك على السحاب وابقى انزل دورين

قال لجرس الباب: إمتى بقيت عصفورة؟

قال للحيطة: مين العجوز اللي في الصورة؟

قالت له: دي مراية"...

ولعلي جانبت الصواب أو جانبني، حين وصفت هذه الأبيات- ومثلها كثير- بالفانتازيا، لكني قصدت ذلك على مستوى الصورة الخارجية، لكن الواقعية والعمق فيها لا يخطئهما وجدان.

**

في مُقدمة الديوان، والتي كتبها الشاعر بنفسه، وخيرًا فعل، يبدأ بطرح واحد من تساؤلاته الفلسفية التي لا تنتهي عبر كُل ما نشر من دواوين:

" أقدم لكم نفسي ولمن يهمه الأمر لعلكم تجيبون معي على سؤالي: لماذا أنا هنا وأنتم هنا؟"

ويختم مقدمته البديعة بإجابة السؤال الذي طرحه:

"أنا مثلكم. أنتم هنا لأنكم تعلمون أني أريد أن أكون معكم. وأنا هنا لأني جئت إليكم.

 فاقبلوني بينكم."

وما بين طرح السؤال وإجابته يمضي أمين حدّاد في التعريف بنفسه بالفعل بدءًا من تاريخ الميلاد ومكان الولادة والاسم بالكامل وأين نشأ وإلى أين وأين تنقل والمؤهل الدراسي... لكنه لا يعرض هذه" المعلومات" على النحو الذي يمكن أن يوضع على الغلاف الخلفي لأي كتاب، لكنه يُحملّها بما هي مُحملة به بالفعل من أعماق وخلفيات ساهمت في تكوين هذا الإنسان والشاعر الماثل بيننا عبر ديوانه الجديد “ما بدا لك" طالبًا – في تواضع عهدناه منه- أن نقبله بيننا! فنراه يذكر تاريخ ميلاده إيماءا إلى الجيل الذي ينتمي له ويمثله، وأي زمن نشأ فيه وتأثر به وبتحولاته، وأي ناس قابل وعاشر وعاش بينهم من أهل وأصدقاء وجيران وسواهم ممن قابل في حياته وتأثر بهم بل وممن قرأ عنهم أو لهم فتركوا في نفسه وفي شعره أثرًا ما، ونجده يحرص في هذه المقدمة علي ذكر العديد من أسماء هؤلاء ، وكثيرًا ما يفعل ذلك أيضًا في الكثير من قصائده في هذا الديوان وما سبقه من دواوين ، فـ أمين حدّاد – فيما يبدو- يملك إدراكًا عميقًا للمكونات التي صنعت منه هذا الشاعر ولا يحيل كل هذا الإبداع الذي يقدمه إلى موهبته الكبيرة وحدها، وهذا أيضًا يندرج تحت بند محبته وعرفانه العميقين للناس والأرض والحياة كلها، وهنيئًا لكل من يمر في حياة هذا الشاعر مرورًا حقيقيًا يترك أثرًا في وجدانه، فلسوف يذكره أمين حدّاد عند قُرّاء أشعاره.

**

في هذا الديوان، وسابقيه، يواصل أمين حدّاد، وبشكل متصاعد دائمًا، الإفصاح عن موهبته الكبيرة كشاعر وكإنسان، نعم " فالإنسانية" أيضًا موهبة كبرى لا يملكها كُل" البشر"، كما يواصل مسيرته كشاعر مسكون بكُل تراث الشعر في العالم وبأرواح كُل الشُعراء، وكباحث مجدد دومًا على مستوى الشكل والمضمون، ولا يحكمه في ذلك- كما أسلفت- سوى الموسيقى الداخلية (دون غنائية مفتعلة)، وكذا الصدق التام المُصفى:

بتمانية وعشرين حرف اعمل ما بدا لك

وافهم إنّ ما حدش ينفع يكتب شعرك في الدنيا بدالك

 

وبمناسبة الـ " تمانية وعشرين حرف" فمن ملامح هذا الديوان أيضًا أن الشاعر شاء أن يقسم ديوانه الجديد" ما بدا لك" إلى جزئين. أولهما بعنوان" سيبك من اللي فات" ويضّم قصائد بالعامية المصرية، وثانيهما بعنوان" سرٌّ في العَلَن" ويضّم قصائد بالفصحى، ولولا هذا التقسيم الذي عمد إليه الشاعر، ربما للمرة الأولى، لما تنبه القارئ أو – للدقة – العائش مع قصائد الديوان للحظة الانتقال بين العامية والفصحى إذ أن عامية أمين حدّاد لا تقل رقيًا وجمالًا عن فصحاه، كما أن فصحاه لا تقل سلاسة وبساطة عن عاميته، ولعل هذا الديوان يأتي كجسر مفروش بأجمل الورود بين لغتنا العربية الجميلة و" لهجتنا" العامية المحببة، رادًا ببساطة على تلك المعركة المفتعلة والمستمرة منذ عقود طويلة بين العامية والفصحى.

**

لعلّي أطلتُ كثيرًا ولم أنجح في التعبير عن القيم الجمالية والشعرية والإنسانية في هذا الديوان وفي أشعار أمين حدّاد بشكل عام، لكنى أخيرًا اهتديتُ لخاتمة لهذا المقال يستطيع من يقرأها أن يستغني عن المقال كله (فيما عدا المقاطع التي استشهدت بها من الديوان)، ألا وهي- الخاتمة المرجوة- هذه الأبيات التي يختم بها الشاعر قصيدة من قصائد الديوان بعنوان" روحي تهجرني ليلًا"

إذ تلخص هذه الأبيات بكل جمال وبساطة ما ظللتُ أحاول على " مدار" كل السطور السابقة أن أعبر عنه حول هذا الديوان وهذا الشاعر، وهذا هو بالتحديد أحد الفروق الجوهرية بين شاعر كـ أمين حدّاد وبين أي " كتابة أخرى"

يقول أمين حدّاد:

 

من أين جئت بالشاعر يا أمين؟

أرسله لي فؤادي

ليُسمعني اللغة والإيقاع

ويُريني الصدق لا سواه فيما أراه

وأعطاني سنارة الشعر

فاصطدتُ دهشة الحياة وتفاصيلها

أنا أزيدُ إنسانٍا كلّما عرفتُ إنسانًا

أنقسمُ كلّما كتبتُ قصيدًة تعيش

أنادي القصيدة كما ناديتُ أمّي في الظلام

والصدقُ فقط يجعلها تقول " نعم"

ما اجتمع أمينٌ ونفسُه إلا وثالثهما شاعر

رابعهما مسكين

خامسهما ثائر

عاشرهما خائفٌ على عتبة الستين

من حكايات الستّين

أنني لا أحلم ولكني أزور أحلام الآخرين

من رآني في الحلم فليخبرني

من رآني في الحلم فليتبعني

من رآني في الحلم فليقترب ويخبرني باسمه

وباسمي.

***

هكذا! وبكُل بساطة ووضوح! 

 

وأخيرًا فإن كان هذا " ما بدا” لـ أمين حدّاد، وما خفي – وفقًا لإهدائه الرقيق- كان أعظم، فأنا أيضًا أقول أن هذا " ما بدا لنا" حتى الآن ، وعبر كل دواوين أمين حدّاد السابقة، من موهبته العظيمة وشاعريته الساحرة ، وما خفي منهما - بعد- بالتأكيد أعظم ونحن في انتظار المزيد والمزيد.

 

طارق فهمي حسين

١٦ سبتمبر ٢٠٢١

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 22 يونيو 2021

خالد الخميسي

 خالد الخميسي

إذن فيسبوك يُسجل عُمر صداقتنا، خالد الخميسي وأنا، بخمس سنوات فقط ! وللفيسبوك عُذره فهو حبيس الفضاء الإلكتروني والعالم الافتراضي، كما أنه محكوم بتاريخ تسجيل طلب أحدنا صداقة الآخرعلي صفحاته، وقبول الطلب من أحدنا الآخر!!
أما واقع الحياة والتاريخ فيضيف رقم خمسة آخر علي يسار تلك السنوات الخمس التي يسجلها فيسبوك. نعم فربما هي بالفعل نحو خمس وخمسون عامًا جمعتني بخالد الخميسي منذ كنا طفلين تجمعنا عمارة سكنية واحدة نلعب في ممرها الطويل في أيام الآحاد فقط حيث تكون جميع محلات الممر مُغلقة والممر خال تمامًا والحركة فيه مسموح بها للسكان فقط وأطفالهم الذين كنا، خالد وأنا، منهم والممر طويل وكبير، وكان يزيده اتساعًا ضآلة أجسامنا الصغيرة فكانت مساحته بالنسبة لنا تسمح بجميع أنواع اللهو البريء من ركض ولعب الكرة وركوب الدراجات، وكان القانون الوحيد الذي يحكمنا- طبقًا لتعليمات الأهل- هو عدم الخروج من نطاق ممر العمارة إلى رصيف الشارع، وهو القانون الذي كان يلقى التزامًا فطريًا منا جميعًا، فلم يكن أي من سكان " ٣ شارع رشدي" من تلك الأسر التي يلعب أبناؤها في الشارع، فضلًا عن أن شارع رشدي كان دائمًا يعج بالسيارات في كلا الإتجاهين، وكان يمر به خط للترام، نعم:" شارعنا زمان كان فيه تروماي".
كنا عدد كبير من " الصبيان والبنات" نملأ الممر لعبًا ومرحًا، وكنت أنزل بدراجتي الحمراء ذات العجلات الثلاث والكنبة الخلفية حيث تجلس شقيقتي الصغرى- والوحيدة- أمل وأقود بها الدراجة ذهابًا وأيابًا ومن حين لآخر أتوقف لنتجاذب أطراف أحاديث ساذجة وألعاب مرحة مع أقراننا وأصدقائنا چورچ ( بدراجته العجيبة ذات العجلتين في الأمام والعجلة الواحدة الخلفية والمنخفضة إلى الأرض كسيارات السباق!) وشقيقتيه الجميلتين ميري وإيليني، أو مع كِندا الطفلة الوحيدة والجميلة وقرينتها إيڤيت دائمة الابتسام أما " صني( Sunny) وسوزي" جميلتي الطابق الثامن عشر، وجارتي خالد الخميسي في ذات الطابق، فلا أتذكر إن كانتا تنزلان لللعب معنا في الممر في أيام الآحاد أم لا، لكني أتذكر عنهما الكثير والجميل في قادم السنوات، لكن هذه قصةٌ أُخرى...
كان هناك أيضًا الشقيقين حسين وبكر، والطفل الجميل عادل، ووجدي وناهد، وإن كنت لا أتذكر هل كانا هما أيضًا ممن ينزلون للممر أم لا ، فلطالما كان وجدي تلميذًا جادًا وطفلًا فصبيًا ثم شابًا شديد الجدية والالتزام حتى أنه تخرج من كلية الطب طبيبًا نابهًا، ثم سلك فيما بعد السلك اللاهوتي وصار قسيسًا وقورًا.... وأسماء ووجوه أخرى كثيرة لأطفال كثيرين ملأوا العمارة ( ٣ شارع رشدي) مرحًا وجمالًا ثم كبروا فملأوها حُبًا وأحلامًا ، كان عددنا كبيرًا إذ أن العمارة تحتوي على ستين شقة تقطنها ستٌ وأربعون أُسرة مصرية من الطبقة المتوسطة العاملة الهادئة.
بين كُل هؤلاء الأطفال كان خالد الخميسي وشقيقته الصغيرة شديدة الجمال هند، كانا ربما الأكثر وداعة وعذوبة بيننا جميعًا .. طفلان خرجا من قلب مأساة الرحيل المبكر للأم في ريعان الشباب إثر حادث أليم، ورغم ذلك فالنشأة السوية الهادئة والعناية الفائقة التي حرصت عليها عائلة الشوباشي للحفيدين الصغيرين صنعت منهما هذين الكائنين البديعين أطفالًا فصبي وصبية فشابًا وشابة وحتي يومنا هذا.
لم تجمعني بخالد الخميسي الجيرة وسنوات لعب الطفولة فقط، وإنما هي صداقة موروثة، فوالده الشاعر والكاتب والسينمائي الكبير متعدد المواهب " القديس" عبد الرحمن الخميسي كان صديقًا لأبي منذ بداية الخمسينيات وحتى نهاية العُمر، وكان أيضًا من أوائل أساتذة أبي في الصحافة في جريدة المصري، من أوائل من شجعوه على نشر قصصه القصيرة، ثم تزاملا في الكفاح علي مدار العُمر سواء في الحركة الوطنية المصرية أو في الثورة الفلسطينية وحركة الثورة العربية عمومًا، وفي بيروت أقام القديس معنا أحيانًا في شقتنا الصغيرة ، وكتب قصيدته الرائعة في حُب ورثاء زوجته الراحلة فاتن الشوباشي، كتبها في شرفة شقتنا هذه...
أتذكر يوم أن انحرفت بي دراجتي الصغيرة في ممر العمارة فاصطدمت بخالد وسببت له جرحًا في ساقه ( وكنا بالطبع نرتدي الشورتات في تلك السن)، أما أنا وشقيقتي فانقلبت بنا الدراجة علي أحد جانبيها، وصعدنا جميعًا إلى شققنا متألمين. وفي المساء نزلت إلينا " طنط هُدى الشوباشي" خالة خالد وهو بصحبتها بعد أن ضمدت جرح ساقه، واستقبلتها أُمي، وكطبع آل الشوباشي الذي كنت دائمًا أتعجب للرقة الشديدة والتهذيب الخيالي الذي يتمتعون به؛ بدأت طنط هُدى - على استحياء- تشكو لأمي عاتبة علي إيذائي لخالد علي هذا النحو، وكان خالد وقتها أصغر من أن ينجح في شرح ما حدث بالضبط لخالته، لذا فحين صعد إليها بهذا الجرح النازف ظنت أن اشتباكًا ما قد وقع بيننا وأنني ربما تعمدت إيذاءه! ولأني كنت أكبر قليلًا من خالد فقد فهمت الموقف وقلت لطنط هدى ببراءة: "لأ يا طنط أنا ما قصدتش. دي العجلة وقعت بيا أنا وأمل وخبطت في خالد واتعور" ففوجئت بها، وقد كانت تتحدث بمنتهي الرقة من البداية، فوجئت بها تزداد رقة وتربت على كتفي بحنو وتبدأ في " الاعتذار" عن سوء فهمها للموقف!!!
أي كائنات من نور كان هؤلاء" الشوباشية" الذين نشأ بينهم خالد الخميسي؟!
مرت السنوات والعقود وحملتنا الحياة أنا تارة إلى بيروت، وتارة إلى بودابست، فالإسكندرية، وحملت خالد إلى باريس وسواها، وغادر كلانا العمارة إلى حياة جديدة وبيوت جديدة، وبقي الأهل جيرانًا وأصدقاء، ثم جمعتني صدفة بخالد منذ نحو ربع قرن في مكان عملي واتصل ما انقطع- ولو علي فترات، ثم بدأت أقرأ لخالد الخميسي مقالات هامة تنطوي علي أفكار ومواقف من الحياة والسياسة واللغة والمجتمع جديرة بالإعجاب والفحص والتدبر، ثم فاجئني وأمتعني - وكُل القُراء- برائعته: " تاكسي" ثم استمر في خوض تجارب الكتابة المتنوعة كما في روايته " سفينة نوح" ثمُ في كتابه المُتفرد " ٢٠١١ نُقطة ومن أول السطر" ثم أحدث رواياته: " الشمندر" التي ناقشته في بعض ملاحظات يسمح لي بها تاريخنا هذا المُشترك، بل وتُمثل حقه عليّ أيضًا، ومازلنا ننتظر ونتوقع منه الكثير والجديد.
عزيزي خالد الخميسي: كُل سنة واحنا طيبين يُراقبنا الآباء من عليين وينتظرون منا المزيد من التواصل والتآخي ما بقي في العمر من سنين.
 
======
 
طارق فهمي حسين
٥ يونيو ٢٠٢١

الأربعاء، 24 مارس 2021

١١٠٠

 

١١٠٠


 

في الفترة الناصرية

كان عندنا عربية

ماركة نصر ألف ومية

كان لونها رمادي مع إن المرحلة

كانت غير رمادية!

كُنا ف شقة إيجار.. شبابيكها بحرية

وبنت جيراننا جميلة وعيونها عسلية

التعليم مجانًا.. والمريلة بُنّية

وف إعدادي كاروه والمدرسة..

كان إسمها " فتحية"

كانت جنب البيت وكان جنبها جمعية

في الجمعية دواجن وزيوت وصابون

كل حاجات الستر..

كانت في الجمعية

والمدرسة.. كانت قومية

والأحلام.. وردية

في الفترة الناصرية

كان عندنا عربية

ماركة نصر.. ألف ومية

وبنت جيراني جميلة

والأحلام.. كانت وردية.

في الفترة .. الناصرية..

   طارق فهمي حسين

١٠ مارس ٢٠٢١

 

 

 

الخميس، 5 نوفمبر 2020

نينه نعمات.

 

نينه نعمات

 

كانت الجدة " نعمات"، أو" نينه" نعمات كما كنا ندعوها زوجة أحد أعمام أبي، لكنه لم يكُن مُجرد واحدًا من الأعمام الكثيرين لأبي، فقد كان د. عبد العظيم هو ذلك العم الذي انتقل أبي للإقامة ببيته بالقاهرة للالتحاق بالتعليم الثانوي بعد حصوله على الشهادة الابتدائية من مدرسة القرية المجاورة لقريته " بمُديرية" الشرقية.  بمُجرد وصول الصبي " محمد فهمي" إلى بيت عمه بحي المنيل الساحر تلقفته يد زوجة عمه الحانية فذاب فورًا بين أبنائها الخمس فلم يعاني – حسب رواياته لنا على مدار العُمر- لحظة اغتراب واحدة، أو افتقاد لحنين الأُم رغم ستون كيلو مترًا تفصل بينه وبين " البيت الكبير " حيثُ تُقيم أمه وتنتظره في الإجازات لتُغدق عليها من حنانها.

حين تنظُر إلى الصور العائلية لأُسرة د. عبد العظيم في فترة الأربعينيات؛ سواء تلك الصور التقليدية للأب واقفًا ببذلته وطربوشه وإلى جواره الأُم ومن حولهما الأبناء والبنات، أو الصور الأُخرى التلقائية في المصيف أو سطح البيت أو في أحد المتنزهات، إذا نظرت إلى أي من تلك الصور لن تستطيع أن تُميز وجود صبي ليس من أبناء هذين الوالدين لا من حيثُ ترتيب الوقوف ولا من درجة الحميمية ولا من أي مؤشر كان، فقط يُفصح عن ذلك الفارق في الملامح ، حيثُ كان " جدي عبد العظيم" و"نينه نعمات"، وبالتالي كُل أبنائهم يتمتعون ببشرة وملامح وعيون وحتى شعور توحي بأن الصورة لأُسرة أوروبية ما ، في حين كان الصبي محمد فهمي يتميز ببشرته القمحية التي لوحتها شمس القرية وتشربت بطمي مياه " الرشاح" الذي تعّلم فيه السباحة، فضلًا عن شعره الأسود المجعد كعموم المصريين. كان هذا الفارق في الشكل هو الفارق الوحيد، وإذا كان ثمة تمييز ما في المُعاملة فقد كان دائمًا لصالح ذلك الصبي الضيف يتيم الأب.

كانت نينه نعمات ابنة لعائلة " زاهر " العريقة وكانت تتمتع بملامح يظن الرائي أن صاحبتها تنتمي إلى إحدى الدول الإسكندنافية! بشرة بيضاء مُشربة بحُمرة خفيفة أو فلنقُل وردية، وشعر ناعم كثيف بلون الذهب وعيون صافية الزرقة وفم دقيق كأفواه الأطفال.. لم تنجح السنون والعقود التي وصلت بحياتها إلى مشارف المائة عام في أن تنزع عنها ولو القليل من ذلك الجمال الآسر، غير أن تاجها الذهبي تحول إلى تاج بلاتيني، فضلًا عن تجاعيد الزمن وتضائل البدن، لكن كُل ذلك لم يكُن كافيًا لينزع عنها اللقب الذي أجمع عليه الجميع من الأبناء والأحفاد والأقارب حتى يومها الأخير... كُنا جميعًا نُشير إليها: " الجميل".

-       إيه اللي أخرك على ميعادك؟

-       كُنت بازور" الجميل".

-       وصحتها عاملة إيه؟

-        الحمد لله ماشية، أصرّت تغديني وعملت لي بإيديها غدوة ملوكي.

مثل هذا الحوار كنت تسمعه كثيرًا في أوساط العائلة حتى بعد أن جاوزت نينه نعمات التسعين!

ظل أبي طيلة حياته يتغنى بمآثر "جدي عبد العظيم" و" نينه نعمات" وأفضالهما عليه، وكذا نوادر حياته في بيتهما السعيد.

يذكر مثلًا أنه في إحدى المرات "أخذته الجلالة" وصفع ابنة عمه على وجهها لوقوفها في الشباك، بكُل ما كانت تتمتع به من جمال، في ظل وجود شباب من أبناء الجيران في البيوت المُقابلة! هرعت الصغيرة الجميلة " ليلى" إلى أبيها تشكو له ما فعله " محمد "، والذي وقف بدوره مذهولًا مما جنت كفه! كيف يضرب ابنة عمه وهو ضيف في بيت أبيها؟ وماذا سيكون رد فعل العم؟ فوجئ " محمد" بصوت عمه يرُد على ابنته بهدوء: " أخوكي وبـ “يربيكي" ولازم تسمعي كلامه"! ثُم نادى على أبي وقال له – بعد أن انصرفت ليلى إلى غُرفتها باكية-  وبنفس الهدوء الذي أجاب به على ابنته الوحيدة:

-       ضربتها ليه؟

-       كانت واقفة في الشباك وابن الجيران طالع في بلكونتهم، دمي فار.

-       طيب التصرف ده ما يتكررش، ما ينفعش تضرب بنت عمك، أنا نفسي ما بضربهاش، لما يكون فيه حاجة زي كده تيجي تقول لي.

كان هذا هو كُل رد الفعل، وواقع الأمر أن الصبي " محمد فهمي " كان يتمتع في بيت عمه بمكانة ورعاية من العم وزوجته، تفوق عنايتهم بأبنائهم أنفسهم، فهو الضيف يتيم الأب والذي تكفل به جده لأبيه، والذي هو عم د. عبد العظيم، وهذا الجد أيضًا هو الذي حدد بيت د. عبد العظيم لإقامة حفيده من بين جميع الأعمام الآخرين، فقد كان يعرف جيدًا بين أيدي من يضع حفيده مُطمئنًا، ليس فقط ثقًة بابن أخيه، لكن- وهذا هو الأهم- بزوجته " نعمات هانم" تلك السيدة ذات الأصل الطيب والقلب الحنون.

كان من السهل عليَّ شخصيًا أن ألمس صدق الأساطير التي يرويها أبي عن " نينه نعمات، وجدي عبد العظيم" فمن حُسن حظي أن التاريخ أعاد نفسه معي بشكل مُدهش، فأنا أيضًا، ولظروف عمل أُمي انتقلتُ في اليوم السابع لولادتي للإقامة في بيت عمتي، وحتى التحقت بالمدرسة الابتدائية الموجودة في نفس الشارع، مدرسة النيل القومية، وكان هو ذات البيت الذي عاش فيه أبي مع عمه وزوجته!

ذلك أن عمتي التي عشتُ ببيتها كانت زوجة الابن الأكبر لعمها د. عبد العظيم، فكانت – وكُنت معها ومع أُسرتها- تُقيم في الشقة التي تعلو شقة جدي عبد العظيم ونينه نعمات في بيته الخاص في ٨ شارع الدكتور حلمي حسين بالمنيل.

كان من حُسن طالعي أن عاصرتُ جدي عبد العظيم ونينه نعمات شخصيًا، وكأنني سافرتُ في الزمن لأشهد بنفسي كيف كان أبي يعيش بينهما وبين أبنائهما، وكيف كان الصبي الذي يتمتع بكُل التمييز والعناية، وكأنما انتقلت إليَّ مكانة أبي عند هذه الأُسرة، بالطبع تمتعت عند عمتي وزوجها، أو " ماما كوثر" و" بابا أحمد " بتمييز فائق بصفتي " آخر العنقود في البيت بعد أبنائهما الأربعة، والذين كان أصغرهم يكبرني بنحو الخمس سنوات، فكانوا يتسابقون علي رعايتي والاهتمام بي . حين أصبت بالحصبة رضيعًا كانت ماما كوثر ترقد في فراشها وتضعني على صدرها أملًا في أن تنتقل بعض حرارتي العالية إليها فتُخفف عني إلى جانب علاج الطبيب، وحين صرتُ طفلًا في الابتدائي كانت أبله ناهد وأبله كاميليا و" أخويا ظيمة" ( عبد العظيم) واخويا عاصم يتسابقون على مساعدتي في استذكار دروسي وتعليمي رسم الخرائط وما إلى ذلك، رقصت التويست مع أبلة كاميليا الجميلة في صالة المنزل، وذهبت مع أبلة ناهد – أكبر البنات- إلى السينما والنادي وأعياد ميلاد صديقاتها ، رقيبًا سريًا شديد القِصَر وبتكليف سري من  ماما كوثر، وواصلت مهمتي السرية حين تمت خطبتها وبدأت في الخروج مع خطيبها! أما " أخويا عاصم" أصغر الأبناء، فقد كنا لا نتوقف عن لعب الكرة بجوارب المدرسة الملفوفة داخل بعضها بصالة المنزل الواسعة وقت العصاري والذي كان وقت قيلولة منتصف اليوم المُقدسة في هذا البيت صارم النظام بحُكم كون رب البيت (بابا أحمد) ضابطًا بالجيش، فضلًا عن صرامة ماما كوثر الفطرية الموروثة. وحين كنا نحقق من الإزعاج ما يكفي لإيقاظ ربة البيت قبل موعدها المُحدد كانت تُعاقبنا بالاحتجاز في غُرفة نومها حتى تستيقظ، وتفرض علينا النوم فرضًا: أنا إلى جوارها، وابنها فلذة كبدها تضع له مخدة على أرضية الغرفة!!!

هكذا إذن عشتُ تلك السنوات أرفل في موجات الرعاية الفائقة وتردداتها الآتية من زمن صبا أبي، ليس فقط في شقة عمتي، ولكن أيضًا في الدور الأسفل أي في شقة جدي عبد العظيم ونينه نعمات، بل وربما بشكل أوسع، أي المزيد من التدليل غير المصحوب بدرجة الصرامة الموجودة بالدور العلوي، كشيم الأجداد والجدات عادة.

عند نينه نعمات لا شيء سوى اللهو واللعب والجري في أرجاء الشقة الفسيحة مع أحفادها من أقراني: الثُلاثي الجميل سناء وسحر وحماده، وأبني عمتهما (وعمتي وعمي في ذات الوقت) قدري وهشام، ومن يستجد من زوار من أطفال العائلة. ظلت نينه نعمات تضاحكنا وتروي لنا حكايات ونوادر آبائنا في طفولتهم وصباهم، وتصنع لنا الأطباق الشهية، وتُضفر بأصابعها الشفافة الرقيقة شعر سناء أو" سن سن" الناعم الطويل الغزير، وتغزل التريكو والكروشيه مُنذ طفولتنا في الستينيات، وحتى مطلع الشباب في الثمانينيات في دأب وسعادة استكمالًا لمشوار عمرها مع آبائنا.

في حديقة بيت جدي عبد العظيم الفسيحة بالإسكندرية في ٣٩ شارع ابن مُصلح (الأرمن سابقًا) كان يجلس أحيانًا على أحد كراسي الحديقة، وأحيانًا على كُرسي مُتحرك حسب حالته الصحية في نهايات الستينيات، بينما نلهو ونجري من حوله أنا وحفيدته سحر، ولا يخلو الأمر من أن أقوم بمُمارسة بعض من "غلاستي" الفطرية التي رافقتني مُنذ الطفولة، والتي لم ارثها عن أحد وإنما صنعتها على عيني وعشتُ أُباهي بها وأُغدق منها على أهلي وأصحابي على مدار عُمري، ثُم صارت كلها من نصيب زوجتي الصابرة المحتسبة! فأقوم مثلًا بالتقاط فرع صغير من فروع أشجار الحديقة وألوح به أمام وجه سحر بل أقربه حتى يكاد يدخل في عينها، ولا تحاول هي الابتعاد حتى " تُثبت حالة" أمام جدها، فلما يطول تجاهُل الجد للأمر تهرول نحوه وتشكو له:

-       شايف يا جدي طارق بيعمل إيه؟ الخشبة كانت ح تدخل في عيني.

-       دخلت في عينك؟ لمستك حتى؟

-       لأ.

-       خلاص، هو حُر ابعدي انتي وشك عنها.

ثُم ينظُر نحوي خلسة بعينيه الجميلتين مُعاتبًا وناهيًا... نفس التحيُز القديم المُراعي لظروف الضيافة الذي كان يسلكه مع أبي.

في أحد أيام عام ١٩٦٩ ونحن في انتظار أبي في مطار القاهرة عائدًا من الأُردن أطللنا عليه من شُرفة المطار وهو في صالة الجُمرك وأخبرته أُمي من خلف الزُجاج بحركة شفتيها: " بابا عبده تعيش انت" فانهمرت دموعه بلا حساب كطفل تيتم فقط في تلك اللحظة، وكان أبيه قد غادر الدُنيا وهو في سن التاسعة، وبرحيل جدي عبد العظيم، وجدتي أُم أبي قبله بسنوات قليلة بقيت " نينه نعمات" أُمًا وجدة وحيدة للجميع، وظل بيتها المركز الذي ننطلق منه ونعود إليه، والملاذ العامر بالخير والحنان والذكريات الجميلة الذي نحتمي به وبقاطنته الغالية من هجير الزمن ومتغيراته المُفزعة.

كنا في المصيف جميعًا في بيت جدي عبد العظيم في الإسكندرية في نهاية السبعينيات، وجاءت مُناسبة زفاف في أوساط العائلة في القاهرة فسافر الجميع لحضور الزفاف ورفضت أنا وحمادة وحدنا السفر وقطع مصيفنا بوصفنا شبابًا جامعيين مُستقلي الإرادة. انزعج الآباء والأمهات متسائلين: " ح تاكلوا ازاي وح تتصرفوا ازاي في البيت والهدوم.. إلخ؟"

أسكتت نينه نعمات اعتراضات الجميع بصوتها الرقيق الواهن: " اقفلوا انتو الشُقق وهما ح يجيبوا هدومهم وينزلوا يقعدوا معايا في الڤيلا لغاية لما ترجعوا".

فكانا يومين من الأحلام.. حُرية مُطلقة وطعام شهي وحكايا وذكريات في نهاية اليوم من أجمل ما يكون، كانت معها خادمة صغيرة لا يجاوز دورها تنظيف البيت، بينما كانت نينه نعمات تطبخ لنا بنفسها وتغزل لنا حكاياها السحرية، بل وترتق جواربنا بأصابعها الرقيقة التي صارت شديدة الضعف والتي كانت أحيانًا تلتف علي بعضها البعض وتجد صعوبة في فكّها.

كانت تحرص على أن تُزين يدها بساعة رقيقة وتحرص على النظر فيها من وقتٍ لآخر، وكانت بعض نساء العائلة يتندرن ويتعجبن فيم يشغلها الوقت في هذه السن! وحين تعطلت الساعة سلمتها لحفيدها قدري وكلفته بإصلاحها عند محل معين بالقاهرة، وحين عاد إلى الإسكندرية سألته عن الساعة بمُجرد دخوله، وكان قد نسيها في القاهرة. بان الحرج الشديد على وجه قدري العاشق لجدته، ثُم تفتق ذهنه عن فكرة فأخد يُماطلها بحكاية لا مغزي لها عن عادة تعودها بمُجرد نزوله من القطار بأن يذهب إلى محطة الرمل ليشرب أقداحًا مُتتالية من الخروب عند محل" خروب آمال"  الشهير بجوار سينما مترو، وأن خروب آمال لا يُعلى عليه، وهي تُقاطعه سائلةً عن الساعة وهو يُكرر الحكاية: "أصل انا متعود أول ما انزل اسكندرية لازم أول حاجة أعدي على خروب آمال...." ، حتى أدركت أنه نسيها في القاهرة فبدأت تضحك وتُجاريه وتسأله عن تفاصيل أكثر بشأن خروب آمال وانخرطنا جميعا في الضحك لطرافة الموقف من جانب، ولسعادتنا بكُل هذه السماحة التي تفيض بها نينه نعمات من جانب آخر.

في سنوات عُمرها الأخيرة حولها الكَبر إلى ما يُشبه كُرة من السحاب الأبيض الذي لا مكان له سوى في السماء، وكُنتُ أراها تجلس في مجالس العزاء العائلية بمناسبة رحيل قريب أو آخر من أجيال تالية لها وأسمعها تُتمتم في حرج:" العيال الصغيرة بتموت وانا قاعدة، الواحد مكسوف زمان الناس بتبص لي وتقول قاعدة تعمل إيه دي؟" كم تألمت لكلماتها تلك وهممتُ بأن أقول لها بل نرحل جميعًا وتبقين فأنت لا تعرفين قدرك ومقامك في النفوس... لكني امتنعت حتى لا يؤلمها استماعي لتمتماتها.

في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين صعدت سحابة العائلة ناصعة البياض إلى سمائها، رُبما عادت من حيثُ أتت أصلًا... رحلت نينه نعمات، والتي لم يكُن هذا اسمها الحقيقي، فكما كان شائعًا في زمانها مُنحت اسما في شهادة الميلاد، لم يعد يتذكره أحد، ونوديت باسم" نعمات" ولعله كان الاسم الأنسب لها والأصدق في وصفها فقد كانت نهرًا من النِعم سبحنا فيه جميعنا أطفلًا وصبية وشبابًا...

جلست إلى جانب أبي في سُرادق العزاء: طفلٌ من الأربعينيات وطفلٌ من الستينيات يتجرعان يُتم رحيل " نينه نعمات".

طارق فهمي حسين

نوفمبر ٢٠٢٠

 -----------------------------

* الصورة في الهرم ١٩٤٩