الجمعة، 7 أغسطس 2020

موله.

موله

===

اليوم هو السابع من أغُسطس وهذا أمرٌ بالنسبة لي- لو تعلمون- عظيم، ذلك أنه في مثل هذا اليوم أرسل لي الله سبحانه أول ورُبما أهم طلب أطلبه منه في بدايات حياتي، وإن كُنت وقتها لا أدرك بعد إلى من يجب علّي أن أتوجه بأُمنياتي، ذلك أنني كُنت أتحسس خُطاي نحو إتمام عامي الثالث على هذه الأرض، لذا فقد توجهت بطلبي لمن اتسعت مداركي المحدودة في تلك السن لإدراك وجودهما: أُمي وأبي... كان الطلب أو الأُمنية العزيزة الأولى ببساطة: "أنا عايز أُخت" واسميها "أمل" أو " رندا"، كان هذين الاسمين تحديدًا لعروستين صغيرتين اشترتهما لي ابنة عمتي الكبيرة من مكتبة الأمل الشهيرة بشارع المنيل، وكُنت أصحبهما إلى حيثُ أذهب، نعم كُنتُ صبيًا أقتني العرائس الجميلة، بالتأكيد كُنتُ ألعب بالمُسدسات وغيرها من ألعاب الصبيان، لكني كُنتُ أيضًا أحب العرائس الجميلة، وكانت العروسة" رندا" شقراء في حين كانت العروسة " أمل" ذات شعر أسود جميل.

هكذا، طلبتُ تحديدًا أُخت ولم أطلُب أخ، كما حددتُ لأُمي وأبي اسمين ليختارا بينهما ولا يحيدان عن أحدهما!

وبالفعل، وقبل أن أُتم عامي الرابع أرسل لنا الله: " أمل" أو" موله" كما اعتدنا أن نُناديها دائمًا...

شرعتُ، كطفل يتعجل الأمور، في اللعب مع شقيقتي حتى قبل أن تولد، فكُنت أضع كفي الصغيرة على بطن أُمي مُتحسسًا وجود" أمل" التي كانت- فيما يبدو- تشعُر بيدي فتهرب إلى جانب آخر من جوانب بطن أُمي فأعاود البحث عنها بكفي.. وهكذا!

كُنا نسكُن في ٥ شارع معروف بوسط القاهرة حيثُ ولدتُ أنا، لكن في إطار الاستعدادات لوصول " أمل" ظهر الاحتياج لغُرفة إضافية فانتقلنا إلى شقة أكبر في ٣ شارع رُشدي على بُعد شارعين أو ثلاثة من العنوان السابق. لم أحضر وقائع الانتقال للشقة الجديدة، كما لم أحضر لحظة ميلاد أمل، والتي حضرت للدُنيا فور اطمئنانها لانتقال الأُسرة إلى شقة جديدة تتسع وتليق باستقبالها، فولدت بالفعل في هذه الشقة، وعرفتُ بعدما كبرنا أن أبي قد سقط مغشيًا عليه حين حاول الطبيب المولد الاستعانة به لمناولته بعض الأدوات، وهو مشهد يبدو غير منطقي لمن يعلم أن هذا الرجل؛ أبي حمل السلاح على خطوط النار قبل ذلك اليوم وبعده مرات ومرات على مدار حياته! لكن من عرف " فهمي حسين" عن قُرب، وبحق، يُدرك بداهة هذه الواقعة إذ نتحدث عن رجُل يحمل أرق المشاعر وأكثرها شاعرية تجاه كُل ما هو ضعيف، وينقلب أسدًا هصورًا في مواجهة أعداء الوطن والحياة، لكن هذه قصةٌ أُخرى.

أقول لم أحضر وقائع الانتقال للشقة الجديدة، ولا لحظة ميلاد "أمل" وسقوط أبي مغشيًا عليه في شرف استقبالها، ذلك أنني كُنت في الإسكندرية في صُحبة عمتي الكبيرة (ماما كوثر) والتي كانت إقامتي الأساسية معها ومع أُسرتها الجميلة مُذ كان عُمري سبعة أيام فقط لظروف كون أُمي سيدة عاملة يتوزع مُعظم وقتها بين عملها بمسرح العرائس وبين الاتحاد الاشتراكي ونشاطاته المُختلفة في ذلك الزمان.

حين وصلنا في الإسكندرية " ترنك" يفيد بميلاد أمل قام" بابا أحمد" زوج عمتي العظيم الجميل، والذي هو ابن عم أبي أيضًا، بقطع أجازة المصيف لعدة ساعات واصطحبني بالقطار إلى القاهرة حيثُ استقبلنا في محطة رمسيس شقيق أبي (عمي عبد الرحمن) ليتسلمني من بابا أحمد الذي قفل عائدًا إلى الإسكندرية في القطار التالي!

ذهب بي عمي إلى بيتنا الجديد في ٣ شارع رُشدي للمرة الأولى وأفهمني في الطريق أننا انتقلنا لشقة أكبر وأجمل، وأن أُمي أنجبت " أمل" كما طلبت بالضبط! وما أن وصلنا حتي فتح لنا أبي باب الشقة فاندفعتُ أولًا أركُض في جنبات المكان مُستكشفًا مُستغربًا حتى وصلتُ إلى غُرفة رأيتُ فيها مهد طفولتي المعدني ماركة إيديال  ذو اللون اللبني والرسوم الجذابة والعدّادات الكروية الملونة على جانبي أسيجته فشعرتُ بالأُلفة والانتماء للمكان وغمرتني فرحة شديدة وعدت راكضًا إلى الصالون لأجد أُمي جالسة بوجه مُضيء على أحد الكراسي وعلى الكُرسي المجاور تجلس " طنط كريمان" صديقة أُمي وزميلتها في مسرح العرائس حاملةً طفلة جميلة مُستديرة الوجه وديعة العينين، نسيتُ ما أخبرني به عمي في الطريق، وبسذاجة سني سألت: بنتك دي يا طنط؟ دي جميلة أوي، فأجابتني ومعها أُمي في نفس واحد: دي أُختك أمل.

في ظني، بل في يقيني أن تلك كانت واحدة من أجمل وأسعد وأنبل لحظات العُمر، اقتربتُ وقد غمرتني سعادة عظيمة مُستكشفًا هذه الأُخت التي طلبتها فحضرت دون تردد، أخذت ألمسها بحذر وأمد إصبعًا إلى باطن كفها شديد الصِغر فتلف كامل أصابعها حول إصبعي الصغير أيضًا!

**

حين وُلدتُ أنا كنت المولود الأول للأُسرة، فكان أبي يملأ بيانات شهادة ميلاد للمرة الأولى في حياته، فوضع في خانة اسم المولود: طارق فهمي حسين وكان يتعين أن يكتب" طارق" فقط، وفي خانة اسم الأب كتب اسمه كاملًا: محمد فهمي حسين، أما حين ولدت أمل تنبه أبي فكتب في خانة اسم المولود: أمل فقط. صرنا إذن شقيقين يحملان لقبين مختلفين على مدار العمر وحتى يومنا هذا. فأنا طارق فهمي حسين وشقيقتي أمل محمد فهمي حسين!

**

 ظلت واقعة سقوط أبي مغشيًا عليه لحظة ميلاد أمل، والتي ظللنا نتندر بها عندما كبرنا، ظلت مؤشرًا حاكمًا لعلاقة أبي بابنته الوحيدة، ظلت " موله" على مدار العُمر طفلته المُدللة ونقُطة ضعفه المُحببة، لم يرفع أبي يومًا كفًا أو غيرها في وجه موله، حتى حين كان يحاول أن ينهرها لأمر أو آخر في مُختلف مراحل العُمر كانت تنظُر إليه بدهشة وعتاب قائلة: " جرى إيه يا سي بابا؟!" فكان ينفجرُ ضاحكًا حتى تتساقط الدموع من عينيه وتفشل تمامًا أية محاولات لإسباغ جدية على الموقف! كانت نظرية أبي في تربية البنات تحديدًا هي أنه لا يجب أن يتعرضن أبدًا للإساءة حتى من الأب أو الأُم وبالتأكيد لا سبيل إلى " الضرب" في أي سن وتحت أي ظروف؛ إذ كان يرى، ويقول لي حين كُنت أُحاول مُمارسة دور" الأب" مع أمل: البنت اللي تتعود على الإهانة تنشأ ضعيفة الشخصية وتكبر على ذلك فيسهل التغرير بها عند أي بادرة حنان زائف، فضلًا عن أنها إذا أُهينت في بيت أهلها ستتعود على الإهانة في بيت زوجها. صدقت نظرية أبي تمامًا (التي كانت أُمي تحاول أن توازنها ببعض الشباشب الطائرة باتجاه أمل واتجاهي على السواء من آنٍ لآخر). ونشأت" موله" وشبت قوية الشخصية شديدة الاعتزاز بنفسها مُدركًة دائمًا لقدرها ولجذورها ولمكانها في الحياة ويحفظ كُل من يعرفونها عن ظهر قلب عبارتها الشهيرة التي تحسم بها أي موقف: " أنا أمل فهمي" ولا تُضيف كلمة بعد ذلك، ولا يملك غيرها أن يُضيف!

**

لظروف عمل أمي كما أسلفت كانت إقامتي الأساسية في بيت عمتي بالمنيل تحديدًا في ٨ شارع الدكتور حلمي حسين وهو ذات البيت الذي أقام فيه أبي عند عمه د. عبد العظيم أثناء دراسته الثانوية بمدرسة الابراهيمية، وكانت إقامة موله الأساسية في بيت جدي لأُمي (الحاج محمد محمود صالح الحكيم- تاجر الجلود مغربي الأصل) بحي الغورية وتحديدًا في عطفة شمس بحارة الروم، لكن أُمي وأبي كانا يتحينان كُل الفُرص ليستردا أحدنا أو كلانا في الإجازات والمصايف والأعياد ليُغدقا علينا من فرط حنانهما، ولم يخل الأمر أيضًا من ليال كثيرة قضيتها قبل وبعد ميلاد أمل في بيت جدي بالغورية...

كُنا نتلاقى أمل وأنا إذن في بيتنا الأصلي في وسط البلد، ولكم كان اجتماعنا معًا طريفًا في تلك الفترة، حيثُ كان أشبه " بحوار الحضارات" إذ كنت أُجسد شخصية الطفل القادم من حي المنيل شديد الهدوء إلى حد كبير في ذلك الزمان، فضلًا عن النُظم والمواعيد الصارمة التي كانت تحكم بيت " بابا أحمد" ضابط الجيش شديد الكفاءة والانضباط وزوجته التي هي عمتي" ماما كوثر أو " كوثر هانم فهمي" وما أدراكم ماذا يعني هذا الاسم وما تُمثله هذه الشخصية!

بينما تأتي “موله" من الغورية بكُل ما فيها من حيوية وحياة وصخب، أيضًا كُنت أنا في المنيل في موقع الابن وسط الأبناء فأخضع لما يخضع له أبناء عمتي الأربعة الأكبر مني من نظم وضوابط وإن كان دائمًا ما يتم تمييزي في المُعاملة لكن دون إخلال بالنظم المعمول بها! في حين كانت أمل في الغورية في موقع الحفيدة التي يتسابق على تدليلها الجد والجدة والأخوال والخالات، وهذا ما خبرته بنفسي أنا أيضًا في أيام وليالي مبيتي بالغورية.

هذه كانت بعض أسباب " حوار الحضارات" الذي كان يدور بيني وبين موله وقت أن كُنت في بدايات دراستي الابتدائية في حين كانت هي دون سن المدرسة بعد، كان كلانا مثارًا لدهشة الآخر في كثير من الأمور، إسلوب الكلام، التصرفات، حتى طبيعة الأكل فبينما كنت أنا أشكو من الجبن الرومي وأرفض الخُبز البلدي لخشونته ولأنه " بيجرّح سقف بُقي" كانت أمل – دون سن الخامسة- تتساءل: "معندكوش خيار مخلل؟"

**

حق تقرير المصير

كان المُخطط، كالمُعتاد في مثل هذه الأحوال، أن تعود إقامتنا الدائمة إلى بيت أبي وأُمي ببلوغ كلا منا سن المدرسة تباعًا، لكن ماما كوثر( عمتي) ، ولفرط ما كانت تملك من أمومة تفيض حتى عن أربعة أبناء وبنات، وبحركة استباقية ألحقتني بمدرسة النيل القومية المُشتركة بالمنيل، والتي تقع في نفس شارع البيت، والتي حصل علي الشهادة الابتدائية منها العشرات من أبناء العائلة من مُختلف الأجيال، فأسقط في يد أبي وأمي، فالمدرسة مُمتازة بالفعل، فضلًا عن أن محاولة رد كلمة " ماما كوثر" هي ضرب من ضروب الخيال في ذلك الزمان، امتدت إقامتي إذن في المنيل حتي حان وقت التحاق " موله بالمرحلة الابتدائية وعادت إقامتها الأساسية لبيت أبي وأمي، كنت أنا قد وصلت للصف الثالث الابتدائي، وبدأت أتململ من كوني دخلت في مرحلة" الطفل الوحيد " ببيت عمتي بعد أن قطع عاصم أصغر أبنائها شوطًا في المرحلة الإعدادية وفارق الطفولة وتقلصت فترات لعبنا معًا، وعلي الجانب الآخر كنت أستمتع بصحبة شقيقتي الوحيدة في الإجازات واللعب معها وممارسة شعور" الأخ الأكبر"، وبدأت تظهر عليّ علامات التمرد! تُخبرني اليوم " أبله ناهد " كُبرى بنات عمتي بأنني كنت أجاهر بالقول: " أنا مش عايز اقعد في البيت الغريب اللي فيه اثنين تلفزيون ده”! كما أنها وإخوتها كانوا يتواطؤون علي في مواجهة حقيقة أنني كُنت طفلًا " رغايًا" لا أكاد أتوقف عن الكلام فيتفقون على أن يبدأ أحدهم بالحديث كلما شرعتُ أنا في الكلام، وبالفعل نجحوا في ذلك حتى اضطررت أن أقف فوق أحد المقاعد وأصرخ محتجًا:" إدوني فُرصة أتكلم يا ولاد الـ...." . تقول أبله ناهد: " والـ... نفسه قاعد سامع مُندهشًا مُغالبًا ضحكه حفظًا للوقار".

كان مبعث تمردي هذا الحقيقي والوحيد أنني أريد أن ألحق بـ " موله" في بيتنا لنلعب سويًا طيلة الوقت إن أمكن، وتزامن هذا مع رغبة أمي وأبي في جمع شمل أربعتنا خاصًة مع التحاق أمل بالمدرسة، وهو الأمر الذي كانا ينويان أن يشرعا فيه عند التحاقي أنا بالتعليم لولا " ضربة ماما كوثر الاستباقية".

جاء أبي وأمي ومعهما" موله" لزيارتنا بالمنيل، واسترابت " ماما كوثر" في نظرات هذه الطفلة المُريبة إليها وإلى البيت وساكنيه، عمومًا رحبت ماما كوثر" بالضيوف" ونادت عليّ لأحييهم وأعود إلى غرفتي!

بدأ أبي يمهد للكلام متحسسًا حروفه حريصًا على عدم إغضاب أخته الكبيرة الغالية جدًا إلى نفسه، طال التمهيد، فاندفعت أُمي ذات الخُلق الضيق كونها وليدة سبع شهور كما كان أبي دائمًا يذكر لنا- فيما بعد-  محذرًا إيانا من إغضابها، اندفعت أمي: يا أبله كوثر إحنا عايزين ناخد طارق يعيش معانا ومع أخته، والنبي ما تكسفينا، وح نبقى نجيبه لك كتير طبعًا" فأجبتها ماما كوثر بهدوء وثقة: إحنا نجيب طارق ونسأله يحب يعيش فين؟

"مثُلت" أمام الحضور، وسألتني عمتي بكُل ثقة: ماما وبابا عايزين ياخدوك تقعد عندهم، إنت إيه رأيك؟

كُنت دون الثامنة من عُمري، ورغم ذلك أجبتُ بفصاحة اشتهرت بها في تلك السن (ولا أدري أين ومتى فقدتها فيما تلا من سنوات وعقود؟):

- والله يا ماما كوثر أنا شايف إن كُل واحد يلزم بيت أهله أحسن.

صاحت بي وقد فاجأتها إجابتي:

- خلاص مبروكين عليك، أنا أصلي ما عرفتش أربى.

 ضحك أبي وأمي، وحاولت عمتي إخفاء شبح ابتسامة داهشة في حين رمقت" موله" الصغيرة بنظرة تعجب ُمحملًة إياها- فيما يبدو- مسئولية هذا التطور الخطير غير المتوقع!

وفي محاولة أخيرة للتأكيد على نفوذها (الذي لم ينكره عليها أو ينازعها فيه أحد) سألت:

-       وطارق ح يروح المدرسة ازاي؟ دي هنا في آخر الشارع.

-       ح نشترك له في أتوبيس المدرسة، وأمل كمان، ما احنا ح ندخلها نفس المدرسة مع اخوها.

عاودت" ماما كوثر" النظر نحو هذه الطفلة الصغيرة مستديرة الوجه، لكن نظرتها هذه المرة كانت تحمل المزيد من الاستغراب والتأمل! وكأن لسان حالها يقول: "أجاءت هذه التي لا تكاد تبين لتخمش جدار مملكتي؟!"

**

فلتسقط طنط مايسة!

في ٣ شارع رشدي وبعد استخدامي الجسور " لحق تقرير المصير" في إطار" لم الشمل" بدأت حقبة جديدة من عمر طفولتنا أنا وشقيقتي الصغيرة أمل، وانقلب بيت الكاتب الأديب إلى جنة للأطفال فقط يسكن في إحدى غرفها كاتب كبير وزوجته!

كُنا نتفنن أنا وأمل في مُمارسة كُل ما هو معروف من شقاوة الأطفال، بل وتجاوزنا ذلك كله إلى اختراع ألعاب ومصطلحات جديدة خاصة بنا وحدنا، فمن مألوف القفز من فوق ظهر دولاب الملابس إلى السرير العريض ذو " المُلّة ذات السوست" حتى أسقطنا قلبه تمامًا واضطر أبي وأمي إلى استبداله بسرير جديد إلى ملئ البانيو بالماء والسباحة فيه بكامل ملابسنا، ولا أستطيع أن أتخيل الآن كيف كنا نقف على حافة البانيو ذو الـ ١٧٠ سم طولًا فقط ونقفز تباعًا، لنسبح حتى " آخر البانيو" ونعود! من الواضح أننا كنا ضئيلي الحجم بشكل عجيب! كنا نفعل ذلك بالطبع في غياب والدينا في العمل، ورغم وجود خالتي مايسه (أظنها كانت طالبة بالثانوي في ذلك الوقت) إذ كانت تحضر لتجلس بنا في غياب أبي وأمي، لكنها كانت مفرطة في الرقة والطيبة على نحو لا يمكنها من التحكم في زوج من الشياطين الصغيرة مثلنا، كانت خالتي مايسه حين تحاول الدخول إلى الحمام لانتشالنا من " مسبحنا المبتكر" تواجه بخرطوم من الماء أوجهه نحو باب الحمام المفتوح  لمنعها من الدخول في حين تواصل" موله" البلبطة"  بكامل ثيابها، وحين كانت خالتي تجازف بنفسها وتتحمل ابتلال ثيابها هي الأخرى لتدخل وتمسك بي فتجففنا وتغير لنا ملابسنا لا تجد وسيلة لإيقاف كل هذه الشيطنة سوى بالفصل بيننا فتحبسني في إحدى الغرف وتجلس مع أمل لتحاول " استئناسها" لكني كنت أواجه ذلك بالطرق بكلتا قبضتي الصغيرتين علي باب الغرفة من الداخل وأتصايح بأن: الشعوب بتكافح عشان حريتها وانتي جايه تحبسي حريتي؟ فلتسقط طنط مايسه.. فلتسقط طنط مايسه...

فلا تجد خالتي المسكينة بدًا من أن تطلق سراحي وتأخذنا معها إلى المطبخ لتصنع لنا كعكًا أوبسكويتًا أو ما شابه وتُشركنا في تشكيل العجين لتشغلنا عن أفكارنا الجهنمية.

**

"الشيخوخة" ومساخر أُخرى!

ابتكرنا- أمل وأنا- ألعابنا الخاصة، أو ربما كانت ألعاب موجودة أصلًا لكننا لم نتعلمها من أحد وإنما أعدنا ابتكارها ومنحناها أسماءًا عجيبة من عندنا، فمن منكم سمع عن لعبة: عو، أو لعبة" ريو وأولدلعبة" عربيتي" وكذا لعبة" الشيخوخة”؟!

أما " ريو وأولد" فهي ببساطة منقولة من واقع مشاهدتنا للبرنامج التلفزيوني: المصارعة الحرة الذي كان يقدمه بجاذبية شديدة الراحل" فريد حسن" حتى جذبت انتباه طفلين مثلنا، فكنا نصنع حلبة على سجادة الصالون عن طريق إحاطتها بعدد من" البوفّات" وندخل إليها لنتصارع، وأقوم بدور المعلق أثناء النزال، والذي كان صوريًا بالطبع، أما الاسم المختار لهذه اللعبة فكان مصدره أسمي طرفي إحدى مباريات البرنامج، وإن كانت هذه ليست أسمائهما الدقيقة، وإنما ما وصل إلى سمعنا وفهمنا منها!

أما " عو" فكانت ببساطة أن يدخل أحدنا تحت السرير ويقبع الآخر فوق السرير، يحاول الموجود بأسفل أن يخرج متدحرجًا من تحت السرير، ويمنعه من الخروج أن يطل الموجود بأعلى برأسه صائحًا: " عو" فيحاول الموجود بأسفل الخروج من الجانب الآخر فيلاحقه الآخر:" عو" وهكذا حتى ينجح الأول في التمويه والخروج حرًا ليفوز ونتبادل المواقع!

أما لعبة" عربيتي" فجاءت بعد أن كبرنا قليلًا وأصبح من المأمون السماح لنا بالجلوس في البلكونة والتطلع إلى الشارع دون تخوف من احتمالات أن تراود أحدنا أو كلانا أحلام الطيران على غرار" فرافيرو" أحد نجوم الكارتون في زمن طفولتنا، وتتمثل اللعبة في الجلوس في البلكونة ناظرين إلى شارع رُشدي العامر بالسيارات في كلا الاتجاهين، مترقبين ومتحفزين لأنواع وألوان السيارات المارة، والذي تعجبه منا سيارة بعينها يسارع ليسبق الآخر مُشيرًا إلى السيارة المُختارة هاتفًا: " عربيتي" فتصبح السيارة ملكًا( معنويًا) لمن سبق، وفي نهاية اللعبة نُحصي عدد السيارات التي استحوذ عليها كلانا ويفوز صاحب الحصيلة الأكبر.. ومتى تنتهي اللعبة؟ حين نمّل أو نتعب بالطبع.

وأخيرًا لعبة" الشيخوخة" وأطرف ملابسات للتسمية:

كان أحدنا يقف فوق الكنبة مواجهًا الحائط، ويمسك الآخر بغطاء إحدى علب البسكويت أو البون بون المصنوعة من الصفيح متلاعبًا بانعكاس الضوء من السطح الداخلي اللامع للغطاء المعدني على الحائط، ويحاول الواقف على الكنبة ملاحقة الضوء ووضع كفه عليه ليفوز بالجولة، ربما كانت لعبة شائعة بين أطفال زمننا البسيط، لكننا انفردنا بهذه التسمية العجيبة، فمن أين أتينا بها؟ : تصادف أثناء ممارستنا لهذه اللعبة أن كان هناك برنامج تلفزيوني أو نشرة للأخبار، وأثناء لعبنا سمعنا المتحدث يذكر كلمة" الشيخوخة" فتوقفنا تمامًا عن اللعب وغرقنا في الضحك للوقع الغريب للكلمة التي تصادف أن نسمعها للمرة الأولى سألتني أمل: يعني إيه شيخوخة؟ فأجبتها: معرفش، لسه ما خدنهاش في المدرسة، كرر المتحدث التلفزيوني الكلمة أكثر من مرة وكلما سمعناها كنا نضحك من قلبينا! كلمة غريبة مضحكة، وتشبه كلمة أخري نعرفها مُقرفة ولا نتوقع سماعها في التلفزيون- في ذلك الزمان-  لذا تأكدنا أنه لا يوجد رابط بين الكلمتين وأنه لا حرج في استخدام كلمة" الشيخوخة" المضحكة هذه، فقررنا أن نطلق على لعبتنا اسم: الشيخوخة. وصار عاديًا ومفهومًا- لنا وحدنا- أن يقترح أحدنا على الآخر: تلعب (أو تلعبي) شيخوخة؟ 

**

موله في حرب الاستنزاف!

في صيف إحدى سنوات حرب الاستنزاف في نهايات الستينيات قام أبي وأُمي بإلحاقنا، ومعنا أبناء الصحفي المناضل يوسف صبري الثلاثة، بأحد مُعسكرات التدريب التي كان يُقيمها الاتحاد الاشتراكي في تلك الفترة، كان مقر المُعسكر بكُلية التربية الرياضية للبنات بالجزيرة أمام بُرج القاهرة، كانت الأُمهات يصحبننا إلى المُعسكر في الصباح الباكر، أظن نحو السابعة صباحًا، ويأتون لاصطحابنا إلى منازلنا في نهاية اليوم قبل المغرب بقليل، كان معسكرًا جميلًا ومنظمًا تلقينا فيه محاضرات عن الحرب والعدو الصهيوني و تدربنا فيه علي إجراءات الدفاع المدني والإسعافات الأولية وكيفية مواجهة الإصابة بالنابالم، كما تلقينا دروسًا نظرية عن كيفية إعداد زجاجات المولوتوف، كان اليوم يبدأ بطابور الصباح والتدريبات البدنية العنيفة نسبيًا بالنسبة لأطفال في أعمارنا، وتدريبات سباحة وچودو ورياضات أخرى يتخللها تلك المحاضرات ووجبة للغداء، كان المدربون من الشباب مفتولي العضلات وكانوا شديدي الوعي واللطف في التعامل معنا، استمر المعسكر بضعة أسابيع كانت هي أمتع فترات تلك الإجازة الصيفية من ذلك العام البعيد، وما زالت هناك صورة فوتوغرافية موجودة تحت بنورة " تسريحة " غرفة أبي وأمي تظهر فيها أمل وهي في نحو السابعة من عمرها تقف متحفزة مشدودة الكتفين مادة ذراعيها للأمام شاخصة ببصرها نحو الأرض حيث ينطرح طفل في مثل عمرها إثر إحدى الحركات التي استخدمتها أمل معه في هذا التدريب وقد وقف بينهما مراقبًا راضيًا " كابتن حمدي" مُدرب الچودو بالمعسكر!

**

البحث عن موله!

في واقعة لا أنساها حتى اليوم، وفي نهاية اليوم الدراسي حيث كنا نتجمع عند باب المدرسة من الداخل- نحن التلاميذ المشتركون في أتوبيس المدرسة فتقوم المُشرفة بعدّنا ومراجعة أسماءنا ثم نصعد للأتوبيس الذي ينقلنا إلى بيوتنا، في ذلك اليوم الذي لا أنساه لم تحضر أمل  عند الباب (وكنا قد حضرنا للمدرسة سويًا في الصباح بأتوبيس المدرسة نفسه) وجرى البحث عنها في أنحاء المدرسة فلم يتم العثور عليها وتم النداء على اسمها في ميكروفون المدرسة فلم تظهر، بعد بعض انتظار أصدرت مشرفة الأتوبيس تعليماتها للسائق ليتحرك بنا حتى لا يتأخر باقي التلاميذ علي بيوتهم! ألجمتني الدهشة والذعر وأنا في هذه السن الصغيرة، كيف سنمضي دون أُختي الوحيدة؟ حضرنا سويًا في الصباح وفي كُل صباح.. فكيف أعود وحدي؟! حاولت الاحتجاج لدى المُشرفة التي أخذت في طمأنتي بما لا معني له من كلمات في حين تحرك بنا أتوبيس المدرسة وتحركت معه دموعي منهمرة على وجهي طوال الطريق.

حين نزلت من الأتوبيس أمام البيت كانت أُمي، كعادتها اليومية، تقف في البلكونة في انتظار وصولنا، فما أن رأتني وقد نزلت وحدي وتحرك الأتوبيس حتى تعالي صياحها إلى الشارع: فين اختك؟ فين اختك؟

بمجرد وصول المصعد بي مع البواب إلى الدور الخامس حتى جذبت يد أبي القوية باب المصعد وارتفع صوت أمي أختك فين؟ حاولت شرح ما حدث فنظر لي أبي نظرة لا أنساها وبهدوء شديد، إن كانت الكلمات تخرج من بين أسنانه، سألني:" إزاي يا طارق تروح وتسيب أختك؟ كنت أصغر من أن أستوعب وأضعف من أن أحتمل فانفجرت في البكاء.

ارتدى أبي ثيابه مسرعًا واتصل بالشرطة شاكيًا ناظرة المدرسة ومشرفة الأتوبيس والسائق بالإسم ثم نزل مسرعًا متجهًا إلى المدرسة، بينما رفعت أمي سماعة التليفون ولم تضعها لساعات متصلة بكل من يمكن أن تسأله أو يعينها في البحث.. بعد ساعات عاد أبي مكفهرًا وفي لحظة دخوله دق جرس التليفون:

- مساء الخير، أنا فايق رشيد والد حنان زميلة أمل في الفصل، أمل عندنا وبخير، هي كانت في حمام المدرسة وسمعت اسمها في الميكروفون ما لحقتش تخرج وفاتها الباص، هي كويسة اتغدت ونامت شوية وقاعده بتلعب مع حنان واخواتها، إحنا في المنيل قرب المدرسة وعنواننا...

- طيب يا أستاذ فايق ربنا يطمنك بس مش كنت تتصل أول ما وصلت البيت ومعاك أمل؟ دي أمها ح تموت من ساعة ما أخوها رجع من غيرها.

- أنا من ساعتها باتصل بيكم التليفون مشغول على طول.

 - آه صحيح فعلًا، عمومًا كتر خيرك، أنا جاي حالًا آخدها.

**

القاصر ولي أمر التلميذة!

ظلت هذه الواقعة - بكل ما تحمله من ألم وفزع- محفورة في نفسي حتى اليوم، وصرت من وقتها شديد الحساسية تجاه كل ما يتعلق بشقيقتي الوحيدة التي جاءت للدنيا بطلب شخصي مني، واخترتُ وحدي اسمها، وربما كان لهذا الشعور على مدار السنين، ومع " اختلاف الحضارات والثقافات" بيننا!  كان له آثارًا سلبية، فصرتُ في سنوات الصبا والشباب المُبكر أمارس حماية مغالى فيها تجاه" موله" حتى تحول الأمر في بعض المراحل، ومنذ كنت طالبًا بالمرحلة الثانوية وهي بالإعدادي، إلى أنني صرت أنازع أبي وأمي في دور " ولي الأمر" لأمل رغم أن فارق السن بيننا لا يزيد عن الثلاث سنوات إلا قليلا!، بل أنني توليت فعليًا دور ولي أمرها في أحد الأيام حين عدت من مدرستي الثانوية فوجدت أُمي تتأهب للنزول إلى مدرسة شقيقتي الإعدادية( مدرسة فتحية بهيج الإعدادية بنات)، والتي تقع خلف البيت مباشرة ونطل عليها من بلكونة الصالون حيث أشارت أمل لأمي من "حوش المدرسة" بأن إحدى المدرسات ضربتها، فما أن علمت بذلك حتى سبقت أمي إلى المدرسة( وكان أبي خارج مصر) وطلبت مقابلة الناظرة وقدمت لها نفسي بصفتي: ولي أمر التلميذة أمل محمد فهمي حسين ومضيت "أترافع" موضحًا أن الضرب ممنوع بالمدارس وفقًا لتعليمات الوزارة وطلبت استدعاء المدرسة، وتحت تأثير المفاجأة طلبت الناظرة حضور المدرسة التي استشاطت غضبًا حين رأت صبيًا في نحو الرابعة عشر من العمر يعطيها محاضرة- وبمنتهى الأدب- في ضوابط عملها وصلاحياتها كمدرسة، كاد الموقف أن يشتعل لولا وصول أمي ونظراتها لي بأن أصمت وأنصِرف!

**

الشيخ" العجمي لا يُحب البنات"

هذه مقولة شائعة معروفة لأهل الإسكندرية وأهل العجمي بالذات، وهي مقولة يحاولون بها تفسير ارتفاع نسبة الإناث بين الغرقى في بحر العجمي!

كنا- أمل وأنا- قد تعلمنا السباحة في النادي عام ١٩٧٠ وأجدناها تمامًا بل وحصلنا على شهادات من مدرسة السباحة بالنادي تفيد بذلك وبتقدير" جيد جدًا”، لكن ذلك لم يحل دون ما كاد أن يحدث ونحن في المصيف عام ١٩٨٣.

كنا وأُسرة أُستاذ الكمان الكبير الفنان نبيل كمال نجلس تحت الشماسي على شاطئ" سيدي كرير" بمنطقة العجمي بالإسكندرية، ونزلنا أمل وأنا وأصدقاء طفولتنا وعمرنا كله إيهاب وأخته نانيس لنسبح في البحر، وتلك المنطقة معروفة بتياراتها الشديدة أو ما يُسمى بـ “السحب".. كانت نانيس أو" بوسي" وهي أصغرنا سنًا قد اكتفت من السباحة وسبقتنا للخروج من الماء، وبعد برهة وحين بدأنا أنا وأمل وإيهاب أو" هابي" في محاولة العودة للشاطئ بدأنا نعاني صعوبة في مقاومة التيار لنقترب إلى حيث نستطيع أن نضع أقدامنا على القاع ثم نكمل الخروج سائرين في الماء، كان الفارق بيننا وبين ملامسة القاع بأقدامنا خطوات قليلة جدًا ، لكن " موله" بحكم كونها أقصرنا طولًا كانت بحاجة للسباحة لمسافة أطول قليلًا لتضع قدميها على القاع، ظللنا إيهاب وأنا نحاول جذبها والخروج بها فلم نتمكن، كنت أنا وإيهاب نتمكن من السباحة مقاومين التيار حتى نضع أقدامنا علي القاع لكن منفردين، فكان الواحد منا حين يغلبه الإجهاد يسبح تلك المسافة الصغيرة ليقف على قدميه ويستريح قليلًا ثُم يعاود المحاول للعودة إلى أمل والخروج بها.. استغرق الأمر طويلًا وتمكن الإجهاد من ثلاثتنا.. كنا بحاجة فقط لفرد رابع أطول منا قليلًا ليثبت قدميه على القاع ويمسك بيد أحدنا لنصنع سلسلة بشرية تكون في نهايتها أمل، وكنا بالفعل نصادف سابح أو آخر ونطلب منه الاقتراب فكانوا جميعًا يخافون ويبتعدون.. نظرت إلينا موله نظرة يائسة وقالت ببساطة: خلاص معلش.. اخرجوا أنتم..

هذه - بحق – كانت واحدة من أكثر لحظات عمري سوادًا ولا يضاهيها سوى لحظات رحيل أبي وأمي نظرت إليها مذهولًا، ماذا تقول هذه الساذجة؟ وكيف مر بخيالها مجرد مرور أنني ناجٍ بنفسي دونها؟ دون موله؟! كنت قد غادرتُ منذ سنوات طويلة سذاجة وغفلة يوم واقعة أتوبيس المدرسة، وهي سذاجة وغفلة لم ولن أغفرها لنفسي أبدًا... تملكتني طاقة غضب شديدة وظللت أحاول رغم الإجهاد الشديد حتى انشق البحر أمامنا فجأة عن شاب طويل مد يده نحونا ببساطة قائلًا: أنا رجليا ثابتة على القاع هاتوا إيديكم.

حين وصلنا للشاطئ وجدنا أغلب الناس واقفين مبهورين الأنفاس وتوالدت الصيحات: حمد الله ع السلامة! وحتى هذه اللحظة لم يكن أهلنا تحت الشمسية مدركين لما كان يحدث في البحر علي مدار الساعة السابقة... ارتميت على الرمال وغرقت في نومٍ عميق لمدة لا أعرف مداها... كان يومًا آخر من أيام" موله".

**

ورثت أمل عن أُمي الكثير من فطنتها وإدراكها لما يدور من حولها وهي صامتة تتظاهر بعكس ذلك، لذا ففي سنوات مراهقتي وشبابي المُبكر المندفع كانت" موله" كاتمة أسراري المتطوعة دون طلب أو حتي علم مني! كانت فقط تظهر باقتراح أو مبادرة مباشرة عندما يتأزم معي موقف أو آخر ثم.. تعود لصمتها وغفلتها المُدعاة!

**

" طارق اخويا"

في سنوات فتوتي اشتهرت في النادي – لأكثر من سبب- بلقب" الخواجة" حتى أن البعض كان يظن أنه لقب عائلتي بالفعل، بل أن البعض لم يكن يعرف اسم" طارق". كنت في تلك الفترة أتمتع بقدر لا بأس به من العنف والاندفاع. كنت سريع الاشتعال أشتبك بالأيدي والأرجل والكراسي إذا لزم الأمر فكنت في نطاق أقراني بل ومن يكبرونني قليلًا " مهاب الجانب" كما يقولون، وكانت "موله" تسعد بذلك كثيرًا وتظن- ربما حتى اليوم- أن أخاها على كُل شيء قدير!!! وكانت تجد من مفردات الواقع في تلك الفترة ما يرسخ هذه الصورة لديها، فلا أحد يجرؤ مثلًا على مضايقتها بالنادي أو بالعمارة أو حتى في نطاق العائلة والأقارب، في النادي مثلًا كانت تكفي ملاحظة مخلصة من أحد الشباب لصديقه محذرًا: خلي بالك دي اخت الخواجة. فتنصرف عن ذلك الفتى أية أوهام تراود خياله!

لهذه الصورة ولسواها ظلت أمل طيلة العُمر تروي عني في كل المجالس كما يفعل شعراء السيرة الهلالية، ولا تذكر اسمي إلا ملحوقً بكلمة " أخويا”. طارق اخويا عمل كذا، طارق اخويا قال كذا، ده طارق اخويا لو عرف... إلخ

وكنت كنت دائمًا اتندر على مسألة" طارق اخويا" هذه إلى أن اكتشفت أنني أنا الآخر لا أتحدث عنها إلا واصفًا إياها بـ " أمل اختي”!!

وواقع الأمر أن هذه الهالة التي حاكتها "موله" حول شخصي الضعيف ليس لها سند كبير من الواقع ( فيما خلا حادث هنا وحماقة هناك في سني الشباب) سوى حبها العميق لي والرابط المقدس الذي يجمع بيننا والذي زاد عمقًا وقوة بعد رحيل أبوينا فلم يعد هناك بيننا حكم ولا مترجم ليحل طلاسم" حوار الحضارات"  الممتد بيننا علي مدار العُمر، فلم يعد هناك حل أمام كلينا سوى أن يتحدث كلا منا بلغته ومع ذلك يفهم كلانا الآخر جيدًا!

قد لا تعرف موله أنه على الجانب الآخر فإنني كنت على مدار العمر أباهي بها وبالكثير مما تختلف به عني، فهي – مثلًا- كانت دائمًا شديدة الأناقة فكنت" أتمنظر" بها على بنات النادي، كما أنها كائن اجتماعي "بفظاعة" في حين أنني: " مستحمل روحي بالعافية، ح استحمل غيري كمان؟!" على حد تعبير رشدي أباظة في فيلم ملاك وشيطان.  كما أنها تتمتع بخفة ظل موروثة يصعب مجاراتها فيها تمامًا حتى أنني عندما تزاملتُ لفترة مع الفنانة عبلة كامل في مسرح محمد صبحي ولينين الرملي وعرفت هي بالمصادفة أنني شقيق أمل فهمي صاحت مندهشة:

- معقولة؟! طب ده انت هادي جدًا غير أمل خالص، ده كل إيفيه بتقوله أمل بنترمي كلنا في الأرض من الضحك!

أيضًا تجيد" مولة" عدة لُغات، ففضلًا عن تخرجها من قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب حيث تخصصت في الفارسية فإجادتها تامة للإنجليزية وإلى حد ما الفرنسية فضلًا عن بعض العبري والتركي واليوناني، نعم هكذا! في حين أمتلك أنا بعض الإلمام بالعربية على استحياء!

**

كبرت أمل وتزوجت وغنى في حفل زفافها عمنا الجميل بل الرائع سيد مكاوي فشدا: يا صلاة الزين على فهمي حسين، وشدا أيضًا: حلوين من يومنا والله وأمل كويسة!

 تزوجت موله إذن وأنجبت " موله “أخرى وإن كانت أطول قامة و" أكثر بياضًا" كما أنها أسمتها" رحمة" فمنحتني بذلك لقب "خال" وهو ثاني أكثر لقب أعتز به بعد لقب: إبن فهمي حسين.. ثُم كبرت رحمة وتزوجت وأنجبت الجميل" حمزة" فمنحتني – ولو بشكل غير مباشر- لقب: جدو. وكلا اللقبين: الخال والجد وسام على صدري لم أكن لأحوزه لولا أنني طلبت- في ذلك الماضي البعيد- أن تكون لي أُخت، فيبدو لي الآن أنه كان -من حيثُ لم أكن أدري في طفولتي تلك المبكرة-  طلبٌ جلل عظيمُ النتائج والحمد لله.

أخيرًا عادت أمل لتُقيم في ٣ شارع رُشدي في تلك الشقة التي انتقلنا إليها خصيصًا من أجل استقبال: موله

عيد ميلاد سعيد يا موله، وعقبال ١٠٠ سنة صحة وسعادة وحيوية وإذا كنا في طفولتا قد لعبنا سويًا لعبة" الشيخوخة" فها أنا ذا اليوم أستحث الخطى لألعبها منفردًا هذه المرة، أما أنتِ فستظلين في نظري، ومهما امتد بنا العمر، وكما يقول الشاعر: طفلة لم تزد عن الأمس إلا إصبعا.

 

                                                                                  طارق فهمي حسين

                                                                                   ٧ أغسطس ٢٠٢٠

 

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 17 يوليو 2020

ريحانة ... الحب الأول .

ريحانة ... الحب الأول .

من قلب كل هذا الهم العام والخاص أنتزع ذاتي وأجلس إلى ذكرى غالية من سني الطفولة فأضع شريطا بعينه في جهاز الفيديو ( نعم مازلت أتعامل مع جهاز فيديو VHS ) لأشاهد للمرة التي تتجاوز الألف بالتأكيد أبدع ماقدم مسرح القاهرة للعرائس منذ نشأته من عروض ... " حمار شهاب الدين " ، ودون أدنى مبالغة يكاد ينخلع قلبي مع كل ظهور للعروس " ريحانة " بعينيها الواسعتين الكحيلتين وأنفها الدقيق وعودها الناحل وثوبها الرث ... ريحانة - التي ليست من لحم ودم - كانت دائما وستبقى حبي الأول فهي أول من خفق لها قلبي الطفل ، ومازال يفعل كلما لاح طيف ريحانة ... حتى أنني أعلق صورتها على أحد حوائط بيت الزوجية هكذا علانية وعلى مرأى من زوجتي ...وأضع على حائط آخر - علانية أيضا - قول أبي تمام : " نقل فؤادك حيث شئت من الهوى / ما الحب إلا للحبيب الأول " ...
رحم الله بكر الشرقاوي صاحب فكرة " حمار شهاب الدين " والذي أغفل إسمه لسبب لاأعرفه ، ورحم الله صلاح جاهين وسيد مكاوي وكتيبة الرعيل الأول من مسرح القاهرة للعرائس وبارك فيمن بقي منهم ، فهم جميعا صناع هذا العرض البديع ... ورحم الله المبدع ناجي شاكر فهو من أبدع "ريحانة" ومنحها هذا الوجه الخاطف للقلوب وهذا العود الرقيق وتلك الأقدام الدقيقة الحافية التي تترك آثارها على خلايا الوجدان ... ظل ناجي شاكر حتى رحيله ينازعني في حب ريحانة ويحاججني بكونه مبدعها ، وأحاججه بأنني كنت ذلك الطفل الذي خلقت من أجله ريحانة وصنع العرض كله من أجله ، نعم أنا طفل الستينيات الذي شيد من أجله مسرح القاهرة للعرائس وبنيت من أجله المدارس والمصانع والحدائق ...
وآخرا ، بل أولا ، رحم الله أمي التي كانت من مؤسسي مسرح القاهرة للعرائس فكانت سببا في لقائي بريحانة وعم شهاب الدين وحمارهما المسحور ، فوقع حب ريحانة في قلبي الصغير على ذلك النحو الهائل وباركت أمي هذا الحب طيلة العمر حتى أنها هي من أهدتني هذا البرواز الذي تطل منه ريحانتي لأزين به جداري .
طارق فهمي حسين
فبراير ٢٠١٩

الجمعة، 10 يوليو 2020

محمود رضا... عصرٌ يرحل...

محمود رضا... عصرٌ يرحل...

برحيل الفنان العظيم محمود رضا سقط حجر كريم آخر من جدارية زمن مصر الذهبي…
شاهدت  اليوم على إحدى الفضائيات فيلم غرام في الكرنك، وقد أذاعته بالتأكيد بمناسبة الخبر المحزين والمؤلم برحيل فنان مصر العظيم ، وحين بدأت  فقرة ختام الفيلم والتي هي عبارة عن عرض كامل لعدد من رقصات فرقة رضا البديعة والتي يتقدمها الثنائي المبهر فريدة فهمي ومحمود رضا، وجدتني أشاهد الاستعراضات المتتالية بعيون الأجانب من مختلف دول العالم التي كانت تجوبها فرقة رضا لترقص على مسارحها وتحصد الجوائز والميداليات وشهادات التقدير، فتخيلت مدى انبهار المشاهدين في ذلك الزمن ومن  كل الجنسيات، بكل عناصر الرقصات، موسيقى علي اسماعيل العبقرية، والأزياء والخطوات التي أمسكت بتلابيب جُل أنواع الرقص الشعبي والبيئات المختلفة في شتى ربوع مصر ، ثم التناسق الجسدي والحركي  لكل الراقصين والراقصات، ثم التتويج الأعلى لكل ذلك عبر الأداء المعجز للثنائي الموهوب بلا حساب فريدة فهمي ومحمود رضا… كل ذلك، على ما يفترض أن يجلبه على النفس من بهجة ، ولطالما فعل، إلا أنه اليوم جلب لعيني الدموع، ليس فقط بسبب رحيل البديع محمود رضا، وإنما للصور التي تداعت أمامي وأنا أتابع كل خطوة راقصة على الشاشة ،… تداعت صور قد يستغرب الكثيرين تداعيها، ويظن ان لا علاقة لها بالأمر… رأيت صور المصانع التي كنت أزورها في رحلات مدرستي الابتدائية في الستينيات، وصور سيارات وأتوبيسات نصر تجوب الشوارع، ولقطات من جريدة مصر السينمائية، وإعلان تلفزيوني يقول: أضف إلى مكتبتك هذا الكتاب الجديد!
 نعم رأيت نضارة ورشاقة الثنائي محمود رضا وفريدة فهمي، لكن أيضا طالعتني وجوه ثروت عكاشة ووجيه أباظة وعزيز صدقي وجمال عبد الناصر، رأيت عبد الحليم وفريد وأم كلثوم وفؤاد المهندس ود. النبوي المهندس ، رأيت صلاح چاهين وسيد مكاوي وصلاح السقا وراجي عنايت وزكريا الحجاوي  وفكري الجزار ومحمد مهدي شومان وكمال رفعت وسعاد حسني وعبد الرحمن الخميسي ، رأيت اسكندرية الستينيات بشواطئها الجميلة النظيفة المجانية، ومذاق الفريسكا والكلو كلو ، وبائع الفريسكا ومصور الشاطئ مُتأنقين  بالبرنيطة والشورت ، ووسط القاهرة وسينما مترو في مواجهة ثقافية مع سينما أوديون، وثُلاثية كورنيش العجوزة الثقافية الشعبية: مسرح البالون والسيرك القومي والسامر ... رأيت محال القطاع العام تتلألأ بالأضواء والنظافة والبضائع المكتوب عليها: صنع في مصر، ورأيت زيا مدرسيا تشتريه لي أمي من عمر افندي وحذاء للألعاب من باتا!
كل هذا وغيره كثير مر أمامي وحالت بيني وبينه دموعي على وقع خطوات الراحل العظيم محمود رضا وصحبه الأسطوريين…
رحم الله محمود رضا ورحم زمن لم يعش حقا من لم يعشه في هذا البلد…           
                                                                                             طارق فهمي حسين
                                                                                       ١٠ يوليو ٢٠٢٠

الجمعة، 26 يونيو 2020

النادي.

النادي.


في بدايات عام ١٩٧٠قرر أبي أن يشترك لنا كأُسرة في أحد الأندية الرياضية الاجتماعية، بدأ التشاور مع الأصدقاء والجيران حول النادي الأنسب لنشترك فيه، وقد كانت جميع الأندية في ذلك الوقت مُتاحة تمامًا للاشتراك، حيثُ لم تكُن هُناك وقتها "رسوم" بالآلاف يتم دفعها كشرط للعضوية كما حدث بعد ذلك بعقود ويحدُث الآن، لكن حتى مع تلك التيسيرات المادية الشديدة التي كانت تجعل عضوية الأندية الرياضية مُتاحة للجميع؛ فإن الإقبال أو الحرص على ذلك كان مُنحصرًا في شرائح بعينها من الطبقة الوسطى المُتعلمة، وتحديدًا في المُدن وعواصم المُحافظات فضلًا عن بعض الشروط التي كانت تضعها الإدارات" المُنتخبة" لمُعظم تلك الأندية كضرورة حصول رب الأسرة وزوجته على مؤهل عال حتى يُمكن قبول الأسرة كأعضاء في النادي، وما شابه من شروط، ومثل هذه الشروط كانت بمثابة مقاومة من فئات بعينها لروح ورياح التغيير التي هبت علي المُجتمع المصري بعد مُنتصف عام ١٩٥٢وحتى بداية السبعينيات عندما بدأت تلك " الفئات " تسترد- للأسف- زمام الأمور شيئًا فشيئًا.
لكن على أية حال كانت هُناك في تلك الفترة مراكز الشباب والساحات الشعبية التي كانت تُغطي باقي قطاعات المُجتمع طبقيًا وجغرافيًا لشغل أوقات فراغ الأطفال والشباب على أفضل ما هو مُتاح، وكذا تكتشف من بين صفوف أبناء الشعب بمُختلف طبقاته المواهب الرياضية الكبيرة. 
**
اصطحبنا أبي يومًا بعد يوم مع هذا الصديق أو ذلك الجار في زيارات استكشافية لبعض الأندية الأقرب جُغرافيًا لسكننا في "وسط البلد"، فذهبنا مع جارنا العزيز "عمو" عياد أسعد إلى نادي الصيد المصري بالدُقي، وكان عمي عياد يحمل رقمًا فريدًا لعضوية نادي الصيد، كان وأسرته العضو رقم (١٠)! لكن تلك قصةٌ أُخرى أحلم بأن أرويها قريبًا بإذن الله...
تجولنا في نادي الصيد فلاحظ أبي وأُمي معًا أن النادي يقع بين البيوت في حي سكني هو حي المُهندسين، وتُطل عليه " بعض " العمارات بشكل غير مُريح، كما أن النادي نفسه – في ذلك الوقت- كان يكاد ينحصر في المبنى الاجتماعي العريق ومنطقة" التيرو" حيثُ يُمارس الأعضاء هواية الرماية على الأطباق أو ما شابه، وبعض مرافق رياضية محدودة جدًا، وفيما عدا ذلك مساحات شاسعة “قفرا"!.. طبعًا بعد ذلك بسنوات طويلة تطور نادي الصيد على أيدي إداراته المُتتالية وصار من أجمل الأندية...
**
اصطحبنا عمي أحمد حمروش، وهو- كما هو معروف- أحد أبرز الضُباط الأحرار ومن كبار الصحفيين حيثُ كان رئيسًا لتحرير روز اليوسف، فضلًا عن كونه أحد أساتذة أبي وأصدقاءه المُقربين، كان حمروش يصف أبي بأنه" في معزّة ابني علاء" وكانت أُمي تروي لي أنه عند زواجها من أبي (وكان قد باع سيارته الأولى " البيتل السوداء" ليستعين بثمنها على إتمام الزواج مُعتمدًا على نفسه كما اعتاد) أرادا أن يُسافرا لقضاء شهر العسل، فلجأ أبي إلى أحد أشقاءه ليُعيره سيارته؛ فاعتذر! وروى أبي الواقعة مُتأثرًا أمام بعض أصدقاءه المُقربين وبينهم بالطبع أحمد حمروش، فما كان من حمروش إلا أن أخرج مفاتيح سيارته وناولها لأبي ليُسافر بها لقضاء" شهر العسل" وقد كان، لكن تلك أيضًا قصةٌ أُخرى...
اصطحبنا حمروش في جولة بنادي الجزيرة، وقد كان من أعضاءه بل كان عضوًا في مجلس إدارته في بعض الفترات، النادي شديد الاتساع والأناقة ولا يكاد المرء يجد ملحوظة سلبية واحدة تتعلق بالنادي ومرافقه وملاعبه ونظامه، لكن أبي لم يسترح إطلاقًا لنادي الجزيرة وأوضح لأُمي على مسمع مني ومن شقيقتي (كنت في سن الحادية عشر وشقيقتي أصغر بنحو أربع سنوات) أن " الوسط الاجتماعي بنادي الجزيرة غير مُناسب لما يُريد تنشئة أبناءه عليه، وأن القيم والمفاهيم التي تُعبر عنها الطبقة التي ينتمي إليها أغلب الأعضاء لا تتناسب مع قيمه وتوجهاته، فضلًا عن أن بعض السلوكيات والمعايير الأخلاقية لبعض أبناء تلك الطبقة ليست هي بالتأكيد ما يود أن يُعرّض أبناءه له خاصة وأن الأكبر( الذي هو أنا) علي أعتاب بدايات المُراهقة.
**
أيضًا رشح لنا الصحفي المعروف الأُستاذ عبد الرحمن فهمي (وهو ابن خال أبي) النادي الأهلي، وكان هو- ومازال- من أعضاءه البارزين حتى أنه ترأس تحرير مجلة الأهلي عند تأسيسها، لكننا وجدنا أن مساحة النادي الأهلي (إذا استبعدنا استاد التتش ومُلحقاته) صغيرة بشكل لافت، بل أنه لم يكُن يحتوي- في ذلك الوقت- على حمام سباحة أوليمبي رغم وجود فريق سباحة من أهم الفرق المصرية يزخر بأبطال مصر والعالم، فضلًا عن رفضي أنا وشقيقتي للفكرة بسبب زملكاويتنا الشديدة!
**
أخيرًا اصطحبنا "عمي " يوسف صبري الصحفي الكبير وتوأم نضال أبي مُنذ نهايات الأربعينيات حيثُ تزاملا في أكثر من جريدة ومجلة، وأدارا سويًا مجلة روز اليوسف قبل منتصف السبعينيات، يوسف صبري كنائب رئيس تحرير وأبي كمُدير تحرير تحت قيادة العظيم عبد الرحمن الشرقاوي، بل أن أبي ويوسف صبري حملا السلاح معًا ليقودا المُقاومة الشعبية في الإسماعيلية منذ يوم ١١ يونيو ١٩٦٧ ولمدة ٩٣ يومًا ولم يعودا إلا بعد أن أعاد الجيش تنظيم نفسه وبدأت قواته تعود بشكل واسع لخط القنال، حتى أن يوسف صبري وفهمي حسين ( أبي) أصدرا سويًا كتابًا صغيرًا عام ١٩٧٢ يتحدث عن هذه التجربة الفريدة وكتب له المُقدمة عبد الرحمن الشرقاوي... وهذه، هي الأُخرى، قصةٌ أُخرى فاعذروني للتشعُب لكنها دواعي تداعي المعاني والذكريات...

أقول: اصطحبنا عمي يوسف صبري إلى " نادي القاهرة الرياضي" وهذا النادي - لمن لا يعرفونه- يقع عند نهاية كوبري الجلاء في أول جزيرة الزمالك بجوار متحف محمود مُختار، وفي مواجهة بوابة" القُبة السماوية" وشباك تذاكرها في ذلك الوقت؛ وكانت تقع داخل أسوار أرض المعارض المُقابلة للنادي، والتي صارت فيما بعد أرض دار الأوبرا المصرية وحتى يومنا هذا.
بمُجرد دخولنا لنادي القاهرة الرياضي انشرحت صدورنا جميعًا، فهو – على خلاف ما استعرضناه من نوادٍ أُخرى- كان" يُشبهنا" تمامًا! يُشبه بيتنا.. نظيف، بسيط، أنيق دون تكلُّف، وناسه، أعني أعضاءه- في ذلك الزمن- كانوا أيضًا يُشبهوننا تقريبًا في كُل شيء.. المظهر والملبس والسلوك، عندما تدخُل من البوابة الرئيسية للنادي يستقبلك مُنحدر عميق يُمثل الطريق إلى داخل النادي لتكتشف أنه " وادي" مُنخفض عن مُستوى الشارع بل وعن مُستوى النيل نفسه، واحةٌ في قلب جزيرة! والنادي مُتاخم للنيل، وتُطل " تراساته" على النيل ليس من أحد جوانبه، وإنما" بالطول" فحين تُطل من أحد "التراسات" تجد نفسك وكأنك على سطح سفينة تمضي على صفحة النيل باتجاه المنبع.
النادي واحة حقيقية وارفة يختفي فيها صوت الشارع تمامًا وكذا تلوثه، المرافق- في ذلك الزمن- أنيقة وبسيطة، كان النادي كما عرفنا وقتها يتميز بواحد من ثلاثة حمامات سباحة أوليمبية فقط على مُستوى مصر كُلها، حتى أن سباحة مصر الأسطورية سحر منصور ابنة النادي الأهلي كانت – في إحدى الفترات- تأتي للتدرب في حمام سباحة نادي القاهرة وقت أن كان النادي الأهلي بصدد تحديث حمام سباحته ليصير أوليمبيًا- كما أن بطل العالم في الغطس" وجيه أبو السعود كان أحيانًا يحضر  للتدرب في حمّام الغطس الخاص بنادي القاهرة، والقفز من فوق بُرج الغطس الشهير الذي كان يتميز به النادي، والذي تستطيعون مُشاهدته بالرجوع إلى فيلم " النظارة السوداء" وعدد كبير من الأفلام المصرية التي تم تصوير مشاهد منها في نادي القاهرة ، فهذا البُرج قد تمت إزالته في عقود تالية " مُباركة" وتم رفع أرضية حمام الغطس نفسه لينخفض عُمقه من خمسة أمتار إلى أقل من مترين بما لم يعد يسمح باستخدامه للغطس، ففقد النادي إحدى الألعاب التي كان مُتميزًا فيها وتُحقق له بطولات!
**
 اكتشف أبي وقتها أن ابن عمه (لواء طيار صلاح التهامي حسين) من أعضاء هذا النادي، بل وكان رئيسًا لمجلس إدارته في إحدى الفترات التأسيسية، والتي تم تحويل النادي خلالها من نادٍ للعاملين بالبلدية (وكان بالفعل يحمل اسم: نادي البلدية) إلى نادي رياضي مفتوح للعضوية العامة وصار اسمه نادي القاهرة الرياضي.
**
في الفقرة السابقة تعمدت ذكر الصفة العسكرية لعمي صلاح التُهامي حسين، ليس على سبيل التفاخُر، وإنما لارتباط صفته هذه بواقعة شهيرة في أوساطنا العائلية لطالما تجنبتُ أن أرويها لشدة غرابتها (لمن لا يعرفون طبائع رجال "آل حسين") فدائمًا ما أتوقع عدم التصديق أو ظن المُبالغة، وإني لأعذُر من لا يُصدقها لشدة غرابتها بالفعل- وأُكرر- خاصة لمن لا يعرفون" الحساينة"! وإن كُنت أؤكد أن الواقعة صحيحة تمامًا بحذافيرها، وبالمُناسبة فهي ليست أغرب وقائع وحكايا هذه العائلة!!!
**
يُغريني هُنا، وبشدة، الخروج عن السياق لأروي الواقعة سريعًا:
في نهايات الخمسينيات وبدايات الستينيات، وثورة يوليو في عنفوانها، كانت "لجنة تصفية الإقطاع" تقوم بعملها لإعادة توزيع الأرض الزراعية على الفلاحين، وكذا تشجيع صغار المُستأجرين على تسجيل عقود الإيجار لدي الجمعيات الزراعية بالقُرى، وكان هذا التسجيل يعني وقتها أن يتمتع الفلاح الصغير المُستأجر بحقوقه التي أقرّها له قانون الإيجارات الزراعية الجديد مثل تحديد الإيجار بسبعة أمثال الضريبة، وعدم فسخ عقود الإيجار من طرف واحد، فضلًا عن التمتُع بخدمات الجمعيات الزراعية من بحصص البذور والأعلاف وتوجيهات ومشورة المُهندسين الزراعيين بالجمعية وكذا خدمات بنوك التسليف الزراعي التي أنشأها الوزير د. حسن عباس زكي ونشر فروعها في ربوع الريف المصري... إلخ ، هذه البنوك التي حضرت الوفود من كُل الدول الإسلامية لمصر لتدرس تجربة إنشائها، وذاك الوزير الذي قال عنه عبد الناصر- مُحقًا- أنه يستحق تمثالًا من ذهب.
كانت عائلة حسين( عائلة أبي) من متوسطي الملكيات الزراعية، لذا لم يتم تطبيق قوانين  الإصلاح الزراعي المُتتالية على أي من أفرادها حيثُ لم تتجاوز ملكية الفرد الواحد منهُم ( في حدود علمي) الحد الأقصى المسموح، لكن للأمر وجه آخر، ففي قريتنا" بني حسين" لم يتم تسجيل حالة واحدة يتقدم فيها أحد المُستأجرين لأراضي العائلة الزراعية لتسجيل عقد الإيجار لدى الجمعية الزراعية، ولفت هذا انتباه لجنة تصفية الإقطاع، وبالبحث، وبسهولة، اتضح لهم أن نفوذ العائلة لدى أهل القرية يحول دون الإقدام على هذه الخطوة، أعني تسجيل العقود والبقاء في الأرض، واستقر في يقين اللجنة أن مركز هذا النفوذ في تلك الفترة يتركز في اثنين من أشقاء أبي هُما أحمد فهمي حسين، وعبد الرحمن فهمي حسين، فصدر أمر باعتقالهما تحت بند" إقطاع النفوذ" وتم بالفعل ترحيلهما إلى مُعتقل جبل الطور، الطريف أنه حتى بعد اعتقالهما لم يتقدم أحد للجمعية الزراعية في بني حسين لتسجيل عقد إيجار! ، والأكثر طرافة، والأبعد مغزى أيضًا أن أعمامي هذين بالتحديد ، وفي عقودٍ تالية ، تعاقبا علي منصب عُمدة بني حسين وبقي كلاهما في منصبه سواء في فترات انتخاب العُمد أو فترات التعيين حتى وفاته ليتولى أخوه من بعده حتى وفاته أيضًا، ثُم الأبناء .. حتى يومنا هذا!
عاد الطيار الحربي الشاب (وقتها) صلاح التُهامي حسين إلى قريته لقضاء إجازة العيد، وفي زيارة واجبة مُعتادة لبيت عمه الملاصق لبيت والده وَجَدَ أرملة عمه حزينة باكية إذ يقضي اثنان من أولادها العيد في المُعتقل بعيدًا عن حنانها وطعامها وعن دفء" البيت الكبير"... تأثر الطيار صلاح جدًا للموقف وطلب من " نجيّة هانم" أن تُجهز كُل ما تُريد إرساله لإبنيها وتعهد أمامها أن يُسلمهما ما سوف ترسله بنفسه!
عاد الطيار صلاح التُهامي حسين إلى القاعدة الجوية التي يخدم بها مُحملًا بما حملته إياه زوجة عمه وتخير ساعةً للصفر وأقلع بطائرة حربية دون تصريح ليهبط في قاعدة جبل الطور، وبهيبة بدلة الطيار وصل إلى مكتب قائد المُعتقل، ثم التقى بابني عمه وسلمهما ما ارسلته الوالدة وأبلغهما تحياتها، وعاد إلى القاعدة ليُلقى القبض عليه بالطبع ويتم تحويله للنيابة العسكرية تمهيدًا لمُحاكمته.
وبتماسك شديد أوضح الطيار صلاح التُهامي حسين دوافع ما فعل وأكد أنه لو تكرر الموقف ألف مرة لفعل نفس ما فعل!
بعد تحقُق النيابة العسكرية من خلفيات الواقعة، والتأكد من أنه ليس وراءها "أمرٌ" آخر، فضلًا عن اعتبارات أخرى كثيرة منها انتشار أفراد هذه العائلة في شتى فروع القوات المُسلحة وفي مختلف الأسلحة والرُتب، لم يتم تحويل الطيار صلاح التُهامي حسين للمُحاكمة، بل وأكمل خدمته العسكرية وخاض حروب مصر حتى تقاعد، وبالمُناسبة فقد أخبرني " عمي صلاح" رحمه الله، حين زارني في بيتي ليُعزيني في أبي عام ٢٠٠٤، وفي معرض ذكريات كثيرة، أنه مثّل مصر في شبابه في إحدى الدورات الأوليمبية في مُسابقات "العُشاري" وهي عبارة عن منافسات في عشرة ألعاب رياضية، قبل أن يتم تقليصها لتُصبح فيما بعد " الخُماسي الحديث"، ورُبما كان هذا أيضًا أحد الاعتبارات التي أعفته من المُحاكمة !
عفوًا، فإن آفة كتابتي الإسهاب، فاعذروني؛ أو... لا تفعلوا!
**
عضوية يوسف صبري وأُسرته تحديدًا كانت عاملًا حاسمًا تمامًا لاشتراكنا في نادي القاهرة الرياضي، إذ كانت" طنط إخلاص" الفنانة التشكيلية والأُستاذة بكُلية التربية الفنية وزوجة يوسف صبري، صديقة حميمة لأُمي، كما كان أبنائهما إسماعيل ونُهى ومحمد (أو ممش كما كنا نناديه في طفولته) أصدقاء، بل إخوة لي ولشقيقتي أمل، وكيف لا وقد أقمنا سويًا إقامة كاملة في بيتهم بشارع ُهدى شعراوي -غير البعيد عن بيتنا بشارع رُشدي- على مدار الـ ٩٣ يومًا التي حمل فيها ربا الأُسرتين السلاح والأرواح على الأكُف على خط النار.
فضلًا عن ذلك فقد اكتشفت بمُجرد التحاقنا بالنادي بوجود عدد كبير من الأعضاء من زملاء ورفاق أبي سواء من أُسرة روز اليوسف وصباح الخير أو من خارجها، منهُم مثلًا: حسن فؤاد وزهدي العدوي وعبد المنعم القصاص وأمينة شفيق وشقيقتها الصحفية أيضًا بهيرة التي كانت تبرع في لعبة تنس الطاولة، والمُحامي المُناضل أحمد الرفاعي والناقد المسرحي الكبير فؤاد دوارة وأبناءه الذين من بينهم صديقيّ هشام وعمرو الذي سار فيما بعد على خُطى والده فأصبح من أهم النُقاد والمُخرجين المسرحيين أيضًا. والإذاعي عبّاس أحمد والتلفزيوني صلاح زكي والصحفيين أحمد فوزي عطا الله ومحمد سليم، وسكينة فؤاد التي كانت تجلس ليلًا وحدها في مكان محدد على حمام السباحة لتكتب مقالاتها... وغيرهم كثيرين، وكذلك الفنان محمد عوض صديق أبي وزوجته السيدة قوت القلوب صديقة أُمي، وأبنائهما الثلاثة عادل وعلاء وعاطف الذين نشأت معهم في النادي ولعبنا فيه كثيرًا سويًا خاصة كُرة القدم، والذين شق كُلً منهم فيما بعد طريقه في الفن في مجالات الإخراج والتمثيل والباليه (على الترتيب). أيضًا كان من بين أعضاء النادي فنان الكاريكاتير الكبير بهجت عُثمان ( بهاجيجو) وفي رؤية أخري له:" بهجاتوس الأعظم" صديق أبي وزميله، وزوجته فنانة العرائس العظيمة بدر حمادة أو " طنط بدر" زميلة أُمي في مسرح القاهرة للعرائس وإحدى أعز صديقاتها؛ والتي مازال عدد من عرائسها يُزين بعض أركان بيتي حتى اليوم، أما ابنيهما هشام ووليد فقد تزاملنا في المدرسة الابتدائية وفي النادي فضلًا عن الصداقة العائلية التي جمعتنا، وإن كُنت أعترف الآن بأنني كُنت أول من وشى لدى أُمي بتدخين وليد للسجائر، وهي الوشاية التي نقلتها أُمي من فورها بالتأكيد لطنط بدر ، ربما فعلتُ ذلك لأبدو في صورة" الولد المؤدب" مما يُتيح لي تمويهًا جيدًا يُتيح لي هامشًا أوسع لمُمارسة "شيطنتي" الخاصة، ورُبما فعلتُ ذلك لموقفي المُبكر جدًا الرافض لآفة التدخين رغم أن أبي كان – رغم كُل سلوكياته الصحية جدًا- مُدخنًا كبيرًا يستهلك ثلاث علب سجائر في اليوم وعلى مدار مُعظم عُمره!
كان من بين أعضاء النادي أيضًا الكاتب الرقيق، أو" الكائن النوراني" كما أحب أن أُسميه، وكما كنت أراه بالفعل: عبد الله الطوخي وزوجته الكاتبة والمناضلة فتحية العسّال، أُمي التي أرضعتني حتى الفطام، وأبنائهم: الفرسان الثلاثة إيهاب وصلاح وشريف (أخي الذي اقتسم معي حقه في الرضاع)، وآخر العنقود أُختي الجميلة صفاء التي صارت فيما بعد النجمة الموهوبة صفاء الطوخي.
كما عرفت مؤخرًا أن المُناضل زكي مُراد كان من أعضاء هذا النادي أيضًا.
كان نادي القاهرة الرياضي في ذلك الوقت، وصمد على ذات النحو لعقود، مُجتمعًا مُتجانسًا وتجسيدًا بديعًا لأجمل شرائح الطبقة الوسطى المصرية، كان " الوسط العدل" بين شرائح تلك الطبقة، كما كان مُجتمعًا محدودًا بحُكم عدد أعضاءه فكان الكُل يعرف الكُل، ولو بالشكل وتبادُل التحيات، كان التقسيم " الطائفي " لمُجتمع النادي يتمثل في الفرق الرياضية وعائلات لاعبيها، فكانت مثلًا " شلة الجُمباز" ويتمثل قلبها الأساسي في عائلتي" الجدّاوي" و" الهجرسي" واللتان ينتمي لهما معظم اللاعبين والمُدربين وبعض أعضاء اتحاد اللعبة، فعائلة الهجرسي مثلًا( والتي من أبنائها الفنان الراحل نبيل الهجرسي) كانت تضُم الكابتن عبد الرؤوف الهجرسي(شقيق نبيل رحمهما الله)  مُدرب فريق النادي ومُدرب مُنتخب مصر في ذات الوقت، والذي كان أغلب لاعبيه من فريق نادي القاهرة الذي كان دائمًا بطل الجمهورية في لعبة الجُمباز، وكذلك كانت زوجته " الكابتن" هدايات حسنين أو " كابتن دِدّه" كما نُناديها جميعًا حتي اليوم؛ مُدربة فريق البنات للنادي والمُنتخب أيضًا، والتي خرجت من تحت يديها بطلات للجمهورية وإفريقيا لعل من أبرزهم ناريمان الخطيب وغادة حسن أصغر بطلة لإفريقيا وابنة " أبلة" سنية المُدرسة بمدرسة الأورمان الابتدائية وأول مصرية تقفز بالمظلة، والتي جمعتها بأمي صداقة كبيرة من خلال النادي كما جمعتني وشقيقتي الصداقة بأبنائها غادة وأخوتها محمد وعمرو وهشام.
  وهنا أتذكر واقعة طريفة خاصة بالكابتن هدايات(دِدّه) وأراها ذات دلالة بل دلالات: 
كانت كابتن هدايات، شابة جميلة ذات شعر قصير ناعم، وفي إحدى المرات وهي في طريقها إلى النادي سار خلفها بعض الشباب الذي يسمح لنفسه بمُعاكسة الفتيات والسيدات  في الشارع، مضت هي صامتة، وما أن وصلت إلى باب النادي، وأولئك الشباب يتبعونها، حتى أومأت لموظف البوابة أن يتركهم يتبعونها، وبالفعل دخلوا ورائها إلى النادي ونزلوا المُنحدر المُفضي إلى الداخل حيث كان وقتها ملعب الجُمباز هو أول ما يواجه الداخل للنادي، وهنا نادت على زوجها كابتن عبد الرؤوف مُدرب المُنتخب الشاب مفتول العضلات ففهم الموقف واندفع نحو هؤلاء الشباب المُستهترين، وبالطبع اندفع خلفه لاعبو فريق النادي ومنتخب مصر ، ولكم أن تتخيلوا ما نال أولئك المُستهترين، وكأنما وقع فوقهم جبل أو ابتلعهم إعصار! والطريف في الأمر أن كابتن عبد الرؤوف الهجرسي رحمه الله كان معروفًا في النادي، وكذلك كُل أفراد فريق الجُمباز، بالوداعة الشديدة والتهذيب وكانوا بالفعل نموذجًا لحُسن الخُلق وطيبة القلب، لكن اتق شر الحليم إذا غضب، وليس هناك أغلى من العِرض والكرامة، ومع ذلك وبعد أن رأى كابتن عبد الرؤوف الدماء تنهمر من وجوه أولئك التُعساء؛ رق قلبه لهم وأوقف الضرب بل وأجلسهم على كراسي وأرسل من يحضر لهم العصائر والإسعافات الأولية، ولم ينس- قبل أن يصرفهم- أن يعطيهم محاضرة قصيرة في الأخلاق والنخوة والشهامة! 
**
 كان النادي أيضًا يتميز بفريق قوي وكبير العدد للسباحة، وكان مُعظم السباحين مجموعات من الأشقاء، فهُناك عائلة " إسماعيل متولي " الشهيرة والتي أمدت الفريق بأربعة سباحين أفذاذ: چيهان وأحمد وإيمان وطارق ( كان جدهم لأمهم الفيشاوي الكبير صاحب مقهى الفيشاوي الشهير)، چيهان متولي هذه هي البطلة العالمية  التي عبرت المانش فيما بعد، وعلى نفس المنوال عائلات طنطاوي ( التي كان عميدها سعيد طنطاوي أحد أعظم مُديري النادي في عصره الذهبي) وعائلات " شِرّة" والطنبولي والفولي و " نايل " وغيرها، أما أصدقائي أبناء المُحامي المُناضل أحمد الرفاعي الثلاثة: حازم والتوأم عادل وجمال، فقد التحقوا على استحياء بفريق السباحة ، وحاولوا جهدهم المواظبة علي التدريبات في " حارة ثمانية" وهي الخاصة بالمُهمشين من السباحين، لكنهُم أخفقوا إخفاقًا سُمع دويه في الفضاء الخارجي!  وكان والدهم العظيم كُلما مررتُ من أمامه في النادي يستدعيني بإعجاب ويُلقي عليهم مُحاضرة في القوام الرياضي كيف ينبغي أن يكون، كان يُداعبني بقوله أنه يكاد يظُن أن شنطة الملابس الرياضية التي لا تُفارق كتفي في غير أوقات التدريب، يكاد يظنها جزءًا من تكويني الجسدي، إذن لم يُفلح ثُلاثي الرفاعي في الرياضة بأي حال من الأحوال، فاكتفوا من الغنيمة بالإياب وقنع كُل منهم بما اختطه من طريق في الحياة، فأصبح حازم طبيبًا لامعًا لأمراض النساء والولادة بإحدى أشهر مُستشفيات إنجلترا، فضلًا عن كونه حارسًا أمينًا لأفكار وتُراث اليسار يؤلف الكُتب وينشر المقالات في أكبر الصحف، كما تستضيفه الفضائيات مُحللًا سياسيًا مُتميزًا، أما جمال فقد صار أُستاذًا ورئيسًا لقسم اللُغة العبرية بكُلية الألسُن، يُعلم الأجيال، ويُحذر بكتاباته وأبحاثه وترجماته الهامة لكتابات العدو الصهيوني، أما عادل فقد علمت أنه أصبح ناشرًا مُتميزًا... لا بأس على الإطلاق يا أبناء الرفاعي، فالفشل الرياضي ليس نهاية العالم!!!
كان النادي أيضًا يضُم فريقًا للعبة الكروكيه احتكر بطولات الجمهورية لهذه اللعبة لسنوات وعقود طويلة، وكانت ملاعب الكروكيه تقع في أقصى أطراف النادي، وكانت أيضًا تتكون من عائلات بعينها مثل عائلة" الدكتور مظهر" و عائلة الفنّان الكبير المُمثل محمود عزمي وزوجته المُمثلة صاحبة الصوت الساحر عايدة كامل وكان ابنهما هشام عزمي أحد نجوم فريق الكروكيه، وكان الشاب الوسيم " خالد زكي " واحدًا من أبطال الجمهورية في هذه اللعبة، فضلًا عن كونه بطل النادي في تنس الطاولة، كان خالد مُنذ صباه يتمتع بنجومية طاغية بين أعضاء النادي، شاب جميل الطلعة رياضي القوام، بطل في أكثر من لعبة، وشديد التهذيب يبتسم في وجه الجميع ولا تكاد تراه يأتي أي تصرف يضعه موضع اللوم، كان حلمًا للعديد من فتيات جيله وربما أجيال تالية، لذا كان منطقيًا أن يصبح خالد زكي بعد ذلك أحد نجوم فن التمثيل في السينما والتلفزيون بمجرد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية... وواقع الأمر أن نادي القاهرة الرياضي، فضلًا عن وجود بعض نجوم الفن بين أعضاءه مثل محمد عوض ويحيى شاهين وكمال ياسين ومحمود عزمي وعايده كامل ونبيل الهجرسي وفنان المسرح القومي الرائع أحمد الناغي والمخرج المسرحي أحمد راضي وغيرهم، فإن النادي أيضًا قد أمد المُجتمع المصري بالعديد من النجوم في شتى المجالات من بين أبناءه الذين نشأوا بين ربوعه، من هؤلاء مثلًا كما ذكرت: خالد زكي ، والإخوة عادل وعلاء وعاطف عوض، وفنان التصوير الفوتوغرافي الكبير شريف سنبل،  وسحر وعُلا رامي وصفاء الطوخي والمخرجة أمل أسعد والصحفية إيمان رسلان التي سارت على خُطى والدها الأُستاذ أحمد رسلان الصحفي الكبير بالمصور ،والذي اختار الاشتراك في نادي القاهرة دون النادي الأهلي أيضًا بسبب زمالكاويته الشديدة...  وكذلك زميلتي في المدرسة والنادي الصحفية منى فوزي و المُذيعة شافكي المُنيّري والتي كان والدها الأُستاذ حليم المنيري واحدًا من أنجح مُديري النادي، وكذلك الشقيقات الثلاث اللامعات إسعاد وإيمان وأحلام يونس ، واللائي كانت والدتهم صديقة لأمي من خلال النادي وكانت تضمنا جميعًا، وبشكل يومي، طاولة واحدة في رُكن محدد حول حمّام السباحة الكبير، كانت إسعاد يونس وقتها مُذيعة بالراديو، كنت أستغرب جدًا كيف تكون "أبلة إسعاد" مُذيعة؟ كيف تؤدي عملها وهي بكُل هذا الهدوء! كانت بالفعل تجلس معظم الوقت هادئة لا تكاد تسمع لها صوتًا، وعندما تضحك كانت لا تجاوز الابتسام، فيما بعد تفجّرت مواهب " أبلة إسعاد" لتصبح نجمة الكوميديا التي نعرفها في السينما والمسرح والتلفزيون، ومؤخرًا مُقدمة البرامج التلفزيونية الأكثر براعة وقبولًا في وقتنا الحاضر ،أما شقيقتيها الأصغر إيمان وأحلام فقد كنا ومعنا شقيقتي أمل نلهو معظم النهار سويًا في حمام السباحة، وأتذكر أنني عندما " تخرّجت " من مدرسة السباحة واجهتني مُشكلة وحيدة تحول بيني وبين التقدم للانضمام إلى فريق السباحة بالنادي، وهي أنني لا أعرف كيف أقفز إلى الماء وفقًا لقواعد سباقات السباحة، رغم إجادتي التي أصبحت- وقتها – تامة للسباحة نفسها، كانت إيمان يونس هي من قام بحل هذه المشكلة حين آلت على نفسها، ولأيام عدة متتالية، أن تُعلمني كيف أقفز إلى الماء بشكل صحيح، وقد كان، في قادم السنوات صارت إيمان مُطربة كبيرة ونجمة فرقة المصريين الشهيرة ، كما أصبحت أحلام نجمة ساطعة في فن الباليه حتى وصلت – علي ما أظن- إلى منصب رئيس أكاديمية الفنون، كما أن إيمان شغلت منصب عميد الكونسرفاتوار.
كانت سحر وعُلا رامي شقيقتي صديقي شريف رامي، أو شريف" بروس لي" كما كنا نُسميه للشبه الكبير والذي يكاد يصل إلى التطابق في الشكل بينه وبين " بروس لي" فضلًا عن نفس التكوين الجسماني الذي صار إليه شريف بعد أن التحق بفرق الألعاب القتالية كالكاراتيه، كانوا أيضًا أبناء خالة صديقي عُمري الراحل علاء حُسني والرائع ضياء حُسني، والذي صار صحفيًا وناقدًا سينمائيًا هامًا،  أما شقيقه الأكبر علاء فقد رحل في ريعان الشباب بعد أن تزوج أنجب وكون أسرة جميلة، كان علاء تجسيدًا عجيبًا للحياة بكُل تناقضاتها ، والواقع أن حلمًا راودني منذ بضعة أيام زارني فيه طيف علاء علي حُسني واستيقظت منه غارقًا في الدموع، هذا الحلم كان هو الدافع الأول لي كي أجلس لأكتب عن علاء، لكن تدافعت ذكريات نادي القاهرة فلم أسمح لنفسي بأن أُغرق ذكرى صديقي الذي زارني في المنام وغمرني بين أحضانه ؛ أن تغرق في بحر كل هذه الذكريات المتلاطم، فقررت أن أكتب عن" النادي" وأختص علاء علي حُسني بكتابة أخرى منفصلة تليق به وبما أحمله له من ذكريات، وأيضًا بما تفضل علّي طيفه به من زيارة ...
لكني هنا أتذكر أمرًا واحدًا طريفًا فيما يخُص علاء: كانت هناك " موضة" في جيلي بين الأطفال والصبية الأكبر قليلًا وهي أنه إذا ما جمعت صداقة قوية بين اثنين فإنهما أحيانًا ما يدعيان أمام باقي الأصحاب أن بينهما صلة قرابة! لذا فقد كنا- علاء وأنا- ندعي في النادي أننا أبناء خالة، وسار الأمر على هذا النحو طويلًا، حتى سألني يومًا أحد الأصحاب وكان دائمًا شديد الفضول: 
- هو مش انت وعلاء ولاد خالة؟
- أيوه طبعًا.. طبعًا.
- طيب يعني سحر وعُلا رامي يبقوا برضه بنات خالتك.
- طبعًا.. طبعًا.
- أمال يعني بيبقوا معديين من جنبنا وعُمري ما شفتك بتكلمهم؟!
- أصل فيه خلاف بين ماما وخالتي اللي هي والدتهم.
عندما أتذكر هذا الحوار أضحك طويلًا وأدهش من نفسي ومن هذا الكذب غير المُبرر وغير الهادف أيضًا، إذ لا يقود لأي شيء وليس من وراءه فائدة ما، كما يدهشني أيضًا أن السائل لم يُضيق عليّ أكثر فيسألني مثلًا: " طيب ما شريف أخوهم صاحبك عادي "!!!
كانت سحر وعُلا تلميذتان نجيبتان في معهد الباليه منذ الطفولة، ثم صارتا من نجوم التمثيل كما هو معروف.
قدم نادينا العتيد أيضًا في مجال الرياضة فريقًا مُتميزًا لكُرة السلة ومن بين صفوف هذا الفريق خرج نجم المُنتخب وهداف دورة لوس أنجلوس الأوليمبية محمد سيد سليمان الشهير ب " سلعوة"
 تميز النادي أيضًا في عدد آخر من الألعاب، لكن قدم- ورغم عدم وجود اللعبة في النادي- نجمًا كبيرًا في كُرة القدم وهو أيمن يونس نجم نادي الزمالك ومُنتخب مصر.
كان أيمن يصغرني ببضعة أعوام، وكان في النادي ملعبًا لكُرة اليد تم إنشائه كبداية لمشروع تأسيس فريق لهذه اللعبة في النادي لكن الفريق لم يستمر وتحول الملعب إلى سُداسيات كُرة القدم، وكُنت أنا – في غير فترات تدريبات فرق الألعاب التي كُنت أمارسها- أقضي وقتًا طويلًا في ملعب الكُرة، والتي لا أزعم أنني كُنت موهوبًا كبيرًا فيها، رغم تجربة شديدة القصر في أشبال الزمالك، لكني كنت أمارسها مستعينًا بلياقة بدنية عالية أكسبتني إياها تدريبات كرة السلة، وكذا بسرعة ركض فائقة وفطرية!
كان أيمن يلعب معنا وكان يقول أنه في أشبال نادي الزمالك، وكان مُعظم من يلعبون معنا لا يُصدقونه، بل ويتندرون حول " زعمه" هذا لكني كُنت أُصدقه ولعدة أسباب، منها أولًا أنه كان فتى مؤدب ولا يبدو من النوع الذي يميل للكذب، كما أنني كنت ألاحظ أن تمريراته للكرة تتسم بقوة أكبر من أن تتناسب وحجم الملعب والمسافات التي بينه وبين من يمرر له، وهو الأمر الذي خبرته بنفسي في فترة تدريبي القصيرة بالزمالك حيث الملعب الكبير والنجيلة التي تبطئ الكُرة فتفرض عليك أن تضيف قوة كبيرة للتمريرات على خلاف ملعب كرة اليد الصغير ذو التربة الحمراء الصلبة، كذلك كثيرًا ما كان أيمن يونس يلعب معنا مرتديًا طاقم ملابس الزمالك مطابق لما يلعب به فريق الزمالك والمختلف عن المتوفر بمحال الرياضة، كل هذه الحيثيات كنت أحاول إقناع أقراني بها ليصدقوا أيمن، وكان هو يُقدّر لي ذلك تمامًا، حتي جاء يوم كنت أشاهد فيه مباراة للزمالك في الدوري في التلفزيون، ومرت الكاميرا سريعًا على دكة الاحتياطي فلمحت أيمن جالسًا بجوار النجم الأسطوري حسن شحاتة .
في اليوم التالي في النادي ذكرت الأمر للجميع فتلقوه بين مُشكك ومُصدق على مضض! لكن في الأسبوع التالي مباشرة من الدوري العام كان لقاء القمة بين الأهلي والزمالك وشارك فيه للمرة الأولى الناشئ أيمن يونس بل وأحرز هدف المُباراة الوحيد، فانقلب الحال( أو اعتدل) وصار أيمن بين عشية وضحاها نجمًا كبيرًا في سماء الكرة، لكنه لم يكف عن التردد على ناديه الذي نشأ فيه، نادي القاهرة الرياضي، كما ظل يُقدر لي " إيماني" المُبكر به دون باقي رفاق ملعبنا الصغير، ومن الطريف أنني كنت كلما تصادفت وأيمن يونس في مكان داخل أو خارج نادي القاهرة، كان- بكُل نجوميته- يُبادرني بالتحية قائلًا: "إزيك يا كابتن" فأُجيبه- بحُكم ما تعودت وبحُكم فارق السن- : إزيك يا أيمن! مما كان يُثير دهشة المتواجدين أيًا من كانوا ويمنحني " بريستيج" كبير فأمضي بثقة وسط همهمات وتساؤلات: " مين الكابتن ده؟!"
**

دخلتُ نادي القاهرة الرياضي صبيًا غضًا مُحتميًا بصُحبة إخوتي أبناء يوسف صبري الذي – لشدة مودته وعذوبته- تنازل لأبي عن " اللوكر" أو الدولاب الصغير الذي يحوزه في غُرفة الملابس، وهذه" اللواكر" لمن يعرفون الأندية هي عُملة نادرة جدًا، ولا يحوزها إلا من سبق من قُدامى الأعضاء، وهي تُعفي العضو من أن يحمل على كاهله يوميًا العديد من الأشياء ذاهبًا وأيابًا مثل " الشبشب وفرشاة الشعر والكور والمضارب.. إلخ.. وظل هذا" اللوكر" رقم ٧٦ في حيازتي على مدار أكثر من أربعين عامًا وكم كُنت أعتز به لما يحمله من رمزية لصداقة فريدة بين فهمي حسين ويوسف صبري، فضلًا عن أن" جيراني " فيه كان من بينهم مثلًا الإذاعي الكبير عبّاس أحمد، والتلفزيوني العملاق صلاح زكي واللذان كانا يُحملاني السلام، وأحيانًا الرسائل إلى أبي كُلما التقيتهما بغُرفة الملابس وهو الأمر الذي كان يحدُث يوميًا لسنوات طويلة، ترأس صلاح زكي أيضًا مجلس إدارة نادي القاهرة في أحد عصوره الذهبية، وظل يرتاد النادي يوميًا ليُمارس رياضاته المُفضلة : لعبة الراكيت و التي يتميز بملاعبها نادي القاهرة دون مُعظم الأندية، والسباحة، حتي كان اليوم الحزين من نوڤمبر عام ١٩٩٩ الذي صرعته فيه في الشارع أمام النادي سيارةٌ مُسرعة...
**
في عام ٢٠١١ عندما رحلت أُمي عن دُنيانا، وعند التجديد السنوي للعضوية اضطررت آسفًا أن أتنازل عن الدولاب رقم ٧٦ إذ كان تابعًا للعضوية رقم ٨٩٣ التي كانت تحمل اسم أُمي من بعد أبي، واكتفيت بدولاب آخر في غُرفة أُخرى لا تحمل (لا الغُرفة ولا الدولاب) أي من الذكريات التي كان يحملها الدولاب رقم ٧٦ في غُرفة " عم عوّاد" التي صارت غُرفة" عم شعراوي" ولعلها الآن أصبحت تحمل اسم" غُرفة هاني" ابن عم شعراوي...
كان يُمكن لي بعلاقاتي ضاربة الجذور في النادي أن أحتفظ لنفسي بالدولابين، لكنني بهذا كُنت سأحجبه عن عضو آخر على قائمة الانتظار رُبما منذ سنوات، وأنا إن فعلت هذا لا أكون أنا، ولا أكون جديرًا بما أحمله من اسم ولقب، كما لا أكون جديرًا بالانتماء لذلك الجيل من أعضاء نادي القاهرة الرياضي..
**
أخيرًا، وقد أطلتُ كثيرًا دون أن أفي سوى ببعض قليل مما يمور في الذاكرة من ذكريات النادي وزمنه وناسه، أقول بأن نادي القاهرة الرياضي قد شهد لحظات مُغادرتي للطفولة، كُل سنوات صباي ومُراهقتي وشبابي، شهد كذلك صعود ووهج أنبل شرائح الطبقة الوسطى المصرية، كما شهد اضمحلالها وغروب شمسها الحزين.
في نادي القاهرة الرياضي تعلمت السباحة والكرة السلة وكرة اليد وتنس الطاولة وبعض التنس الأرضي... كما تعلمت كيف أنزل من الأتوبيس وهو يسير حتى أنزل أمام النادي مباشرة، تعلمت ذلك بعد السقطة الأولى حين نزلت بكلتا قدماي مواجهًا الرصيف فيلتف جسدي كالنحلة الخشبية وأسقط أرضًا، صرت بعدها محترفًا في النزول مهرولًا من الأتوبيس مهما كان مُسرعًا، وكذا ركوبه وهو يجري، سواء كان الأتوبيس رقم ١٠ أو ١٥ بشرطة أو ١٦٦ أو ١٦٧ بشرطتين أو أي أتوبيس يمُر بمحطة "أبو ظريفة" خلف بيتنا عابرًا ميدان التحرير فكوبري قصر النيل في طريقه إلى كوبري الجلاء حيث أقفز أنا قبل هذا الكوبري مباشرة لأعبر للجهة المقابلة حيث النادي، أما العودة في نهاية اليوم فغالبًا ما كانت سيرًا على الأقدام مع الرفاق نأكُل الممبوذيا التي حصدناها من فوق أشجار النادي وعبأنها في أكياس نتسلى بها في طريق العودة.
طالت بي السطور كثيرًا ، وفي ظني أنني فقدت الكثيرين ممن بدأوا معي رحلة قراءة هذه السطور، لكني لا أملك من الأمر شيء، أحاول التوقف وأنا لم أتحدث بعد  عن علب الطعام البلاستيكية البيضاء المضلعة ذات الأغطية الملونة التي كانت تزودني بها أُمي في بداية اليوم، والتي كنت ألتهمها في إحدى مراحل يومي الطويل في النادي، وأكمل وجباتي من البوفيه البسيط النظيف : طبق من الأرز أو المكرونة بخمسة قروش ، وطبق إسكالوب بانيه شهي مكون من قطعتين كبيرتين ومعهما بعض الخضار السوتيه وأصابع البطاطس المحمرة الشهية بخمس وعشرين قرشًا،  والكثير من علب الأيس كريم إنتاج مصر للألبان بواقع ستة قروش للعلبة ، وحين كانت تنفد نقودي في نهاية اليوم فلا حرج في استدانة قرش صاغ واحد من عم جعفر أو عم حسين أو عم صابر جرسونات النادي لزوم تذكرة الأتوبيس إذا لم تكن لدي النية في العودة ماشيًا كمُعظم الأيام، وبالطبع أُعيده في اليوم التالي بمجرد وصولي للنادي.
**
 في نادي القاهرة الرياضي تعلمت الصداقة، واكتسبت صداقات العُمر المُمتدة على مدار نصف قرن حتى اليوم، ولولا النادي لما كانت تلك الصداقات، فهو المكان الوحيد الذي وفر لي امتدادًا زمنيًا جمعني بأصدقاء كبرنا سويًا وشهدنا سويًا جُل حياتنا معًا، أقول إنه  المكان الوحيد الذي حقق لي ذلك، لأن ظروفي الشخصية الفريدة نوعًا ما لم تحقق لي الاستمرارية " الزمكانية" سوى في النادي ، فمدرستي الابتدائية كانت بالمنيل والإعدادية بعابدين والثانوية بالعجوزة والجامعية ببيروت- لبنان ثم بالإسكندرية، فبالله عليكُم أي صدفة هذه التي كان يُمكن أن تجمعني بنفس الأقران عبر هذه الرحلة السندبادية؟!

وفي نادي القاهرة الرياضي عرفتُ مذاق الحُب... ومرارة الفراق وطعم الحزن أيضًا...
                                                  **
ما زلتُ حتى اليوم، وفي ظني حتى آخر العُمر، حريص على عضوية نادي القاهرة الرياضي، وما زلت أرتاده من آن لآخر، وإن كان ذلك يُشكل على نفسي عبئًا وجدانيًا كبيرًا إذ أنني بمُجرد أن تطأ قدمي أرض تلك الواحة الرابضة في أحضان جزيرة الزمالك أُدرك بسهولة ما أصاب كلانا- النادي وأنا- من تغييرات كبيرة أغلبها غير مُحبب للنفس على الإطلاق.
فشلتُ تمامًا في الاقتضاب الذي يُحبذه القُراء، ولعلي فشلت في الاحتفاظ حتى النهاية بأحد ممن بدأوا القراءة، خاصةً ممن لا يقفزون فوق السطور أو يمرون عليها بشكل عابر، كما فشلتُ في سرد كُل ما كان من وقائع ومشاعر، لكنني رُبما أكون قد نجحت في الشعور ببعض- وليس كُل – الراحة، فاعذروني، أو... لا تفعلوا...

طارق فهمي حسين 
يونيو ٢٠٢٠