الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

مبروك للفتى الفلسطيني

الأحد، 23 يونيو، 2013
مبروك للفتى الفلسطيني .

تعليقاً على فوز الفتى العربي الفلسطيني الموهوب محمد عساف بالمركز الأول و جائزة برنامج المواهب الغنائية الذي نظمته إحدى الفضائيات قال لي أحد الأصدقاء مُعبراً عن ضيقه لعدم فوز الموهوب أيضاً أحمد جمال ( المصري ) : " هُما الفلسطينيين دول فاضيين لإيه و لا لإيه ؟ مش يروحوا " يتشطروا "على الصهاينة أحسن ؟"
فأجبته موضحاً : و مين قال لك إنهم هكذا لا " يتشطرون " على الصهاينة بل و على العالم الذي يقف ضدهم و لا يبغي لهم الحياة ، إن مُشاركة شاب مثل محمد عساف و فوزه في مثل هذه المُسابقة ، و البهجة التي أدخلها على قلوب البُسطاء من شعبنا الفلسطيني في الداخل المُحتل و الداخل المُحاصر و المنافي و الشتات لهو أكبر إنتصار لإرادة الحياة لدى هذا الشعب الذي أُريد له الفناء ، لكنه يأبى إلا أن يعيش و ينال حقه و نصيبه من الحياة بكُل ما فيها من مباهج و فنون و حُرية رغم أنف الغُزاة و أحذيتهم الثقيلة .... و من يعرف طبيعة و معدن الشعب الفلسطيني حقاً يعلم علم اليقين أن محمد عساف هذا ذاته قد تتصدر صورته غداً مُلصق مُختلف تحت عنوان " شهيد الثورة الفلسطينية " كآلاف من سابقيه من أبناء هذا الشعب الأبي و كم كان منهُم الشُعراء و الأُدباء و الفنانين ...
إن حربنا مع عدو الحياة الصهيوني ليست فقط معركة سلاح و بارود ، و إنما هي حرب الحضارة ضد الهمجية ، حرب الحياة ضد العدم ، حرب الحق و الخير و الجمال في مواجهة الباطل و الشر و القُبح ، و إنا - بإذن الله - بأمثال محمد عساف ، و على قدم المُساواة مع أمثال دلال المغربي ... لمُنتصرون .
مُلاحظة أخيرة وجهتها لصديقي : ألم يُشارك أحمد جمال و فرح يوسف بهدف الفوز رغم كُل ما يحدُث في مصر و سوريا ؟
ألف مبروك لمحمد عساف و لشعبنا الفلسطيني و لكُل العرب .

                                                                طارق فهمي حسين
                                                            ٢٣ يونيو ٢٠١٣

رحيل المدفعجي.




رحل عن دنيانا في هدوء عهدناه منه طيلة حياته كابتن مصر و نجمها حسن الشاذلي ...
و للأجيال التي ﻻ تعرف من هو حسن الشاذلي : هو واحد من أهم نجوم كرة القدم المصرية على مدار تاريخها و هو ﻻعب نادي الترسانة و نجمه اﻷول في العصر الذهبي لنادي الترسانة ( 1959 إلى 1978 ) ، هو هداف منتخب مصر اﻷول في البطوﻻت اﻹفريقية برصيد 12 هدفا في ثلاث بطوﻻت ، و بلغ عدد أهدافه مع المنتخب عموما 39 هدفا ، و هو كبير هدافي الدوري العام المصري حتى هذه اللحظة برصيد 187 هدفا ، و هو أحد طرفي واحد من أهم و أخطر ثنائيات كرة القدم المصرية في تار يخها مع زميله و رفيق عمره مصطفى رياض هداف دورة طوكيو اﻷولمبية عام 1964 ... و أهم من كل ذلك أن حسن الشاذلي كان واحدا من تلك الفئة القليلة التي حولت كرة القدم من مجرد لعبة إلى رسالة أخلاقية فكان قدوة داخل الملعب و خارجه ، و لعل اﻷجيال التي عاصرته تتذكر أنه واحد من اللاعبين الذين ﻻ نتذكر لهم أي إيقافات أو إنذارات أو إشتباكات داخل الملعب ، بل نتذكر فقط قوة تسديداته الر هيبة ، و الكرات التي تمزقت و تم تغييرها أثناء المباريات نتبجة تسديدة أو أخرى للشاذلي تصطدم بالقائم أو العارضة فتتمزق الكرة من قوتها ، أو تصيب الهدف فتمزق الشباك ، و نتذكر تسديداته الشهيرة للكرات الثابتة التي كانت تدور حول حائط المدافعين أو تمر من فوقه و تستقر في الشباك بشكل كاد أن يكو ن روتينا و علامة مسجلة بإسم الشاذلي !
لكن جيلي يتذكر أيضا أن حسن الشاذلي حين كان نادي الترسانة يمر بضائقة مالية و خزينته خاوية ، قام الشاذلي ببيع سيارته الخاصة بمبلغ ستمائة جنيها و وضع المبلغ كاملا في خزينة النادي !!!
و نتذكر أيضا أنه في الموسم الكروي التالي ﻹعتزال الشاذلي و توأمه الكروي مصطفى رياض معا عانى الترسانة من التعثر و مواجهة شبح الهبوط للمرة اﻷولى ، و كان الشاذلي و مصطفى رياض خارج مصر يعمﻻن معا في تدريب إحدى الفرق العربية ، و لم يكن قد تبقى من عمر الدوري في مصر سوى خمسة أسابيع ، فقام الشاذلي و رياض بإنهاء تعاقدهما كمدربين و عادا فورا إلى مصر  و لعبا المباريات الخمس و تبادﻻ تسجيل اﻷهداف ففاز الترسانة بالخمس مباريات كلها و نجا من شبح الهبوط ، ثم عاد الشاذلي و رياض إلى إعتزالهما ....
عاش الشاذلي عمره الكروي كله بين جدران نادي الترسانة الفقير و لم يستجب يوما ﻹغراءات الأندية الكبرى المحلية و العربية ، لكنه ( إلى جانب على أبو جريشة ) كان الﻻعب الذي أجمعت على حبه و إحترامه جماهير اﻷهلي و الزمالك و كل الجماهير المصرية و العربية في زمنه الرائع الجميل ... حسن الشاذلي لم يكن مجرد ﻻعب كرة قدم عظيم بل و إسطوري لعبا و خلقا و سيرة و مسيرة ، و إنما كان رمزا من رموز عصر من عصور مصر الذهبية و وجها عزيزا من وجوه سنوات الصعود و المجد التي عاشتها مصر في تلك الحقبة التاريخية التي شهدت ضمن ماشهدت ريعان شباب حسن الشاذلي و صوﻻته و جوﻻته على النجيل اﻷخضر .....
رحم الله كابتن مصر الغالي حسن الشاذلي الذي رحل في هدوء و نبل يليق بأمثاله من الرجال .

طارق فهمي حسين
22 إبريل 2015





طريق شيرين إلى الدراما الجميلة.

طريق شيرين إلى الدراما الجميلة


مسلسل طريقي بطولة المطربة شيرين عبد الوهاب هو واحد من أجمل اﻷعمال الدرامية التي شاهدتها في السنوات اﻷخيرة كتابة و إخراجا و أداء ممثلين ، فقط يعيبه إرتفاع صوت الموسيقى التصويرية لتطغى على الحوار في كثير من اﻷحيان رغم أن حتى الموسيقى جيدة .
شيرين ناجحة بدرجة ملفتة في أول تجربة تمثيل حقيقية لها ( إذا تجاهلنا ميدو مشاكل)  .
و كافة الممثلين تفوقوا على أنفسهم بإستثناء ممثل ظهر “على كبر ” إسمه تميم عبده يؤدي بلزوجة موحدة في كل أدواره و بنبرة صوت تعافها اﻷذن !
محمود الجندي و سوسن بد ر أساتذة كالمعتاد
أحمد فهمي و ندى موسى و محمد عادل يؤدون مباراة ممتعة في اﻵداء الصادق التلقائي .
محمد ممدوح ممثل من العيار الثقيل يؤدي ببراعة دورا بغيضا و مركبا
أما باسل خياط فيصول و يجول بل و يحلق خاصة بعد أن تجاوز تماما حاجز اللهجة ، و إن كنا نلمح في أداءه أحيانا ظل العملاق محمود حميدة ، و لعله تشابه و ليس تأثرا أو تقليدا ( وإن كان حميدة يغري بالتقليد)  .
أما المفاجأة الكبرى فهي الوجه الجديد الذي يولد عملاقا ياسمين صبري التي تذكرنا جمالا و أداءا بنجمات السينما المصرية بل و العالمية في عصرها الذهبي .
قد يعجب البعض لتقمصي – فجأة – دور الناقد الفني رغم زهدي غالبا في متابعة هيستيريا الفضائيات الرمضانية لكن الفن الجيد بالتأكيد يفرض نفسه .


                                                    طارق فهمي حســـــين
                                                       ٢٠١٥

نور الشريف يترجل.


نور الشريف يترجل 

إذن فقد غادرنا عادل إبن عائلة اﻷستاذ عوض ، و لعل الكثيرين من الأجيال الجديدة ممن لم يعاصروا المسلسل التلفزيوني العظيم “ القاهرة و الناس” لا يعرفون من هو عادل هذا و من كانوا إخوته ؟! كانت شخصية عادل هي الإطلالة الأولى لصاحب الوجه الباسم و العينان المتقدتان بالذكاء و الموهبة الفنية شديدة الغزارة محمد جابر أو “ نور الشريف “ دخل إلى بيوتنا و إلى قلوبنا نور الشريف من باب القاهرة و الناس في نهاية الستينيات و أوائل السبعينيات من القرن الماضي  فلم يخرج منها حتى يومنا هذا ، و لن تكون مغادرته دنيانا اليوم سببا لأن يغادر قلوبنا و وجداننا لا اليوم و لا غدا …
رحل اﻷمير الطائر كما عرفته خشبة مسرح القاهرة للعرائس … رحل حسن عز الرجال أو حاتم زهران أو عبد الغفور البرعي … أو كمال عبد الجواد… ….رحل أمير مملكة اﻷداء الطبيعي في السينما و التلفزيون و على خشبة المسرح … رحل نور الشريف واحدا من أعز رفاق وعينا الفني على مدار أكثر من خمسة و أربعون عاما …
تقول المواقع اﻹخبارية أن نور الشريف قدم أكثر من 170فيلما سنيمائيا فضلا عن أعماله التلفزيونية و اﻹذاعية و بعض اﻷعمال المسرحية … و أقول أنه لو لم يقدم نور الشريف على مدار حياته الفنية سوى القاهرة و الناس و لن أعيش في جلباب أبي و أيام الغضب و كتيبة اﻷعدام و زمن حاتم زهران و سواق الأتوبيس ، و دماء على الأسفلت لكان ذلك كافيا ﻷن يتبوأ قمة عالية بين أبناء جيله ، و منهم عمالقة مثله ، لكن نور الشريف لم يضع يوما واحدا على مدار ما يقرب من نصف قرن دون أن يقدم لنا عملا جديدا و فنا جيدا و يصل يوما بعد يوم إلى آفاق جديدة في فن اﻷداء التمثيلي .

من ينسى دور عمر بن عبد العزيز الذي أشيع بعد أن أدى شخصيته ببراعة أنه سوف يعتزل ، و لا ندري عله فكر وقتها فعلا في الإعتزال ، لكن إعتزال نور الشريف بالتأكيد لم يكن خيارا متاحا له يوما ، فهو و موهبته أشبه بفارس يمتطي صهوة فرس جامح قد يملك البراعة للسيطرة عليه و التحكم فيه ، لكنه لا يملك إيقافه أو إدخاله إلى حظيرة الإعتزال .
كنت كمشاهد دائما ما أجلس مشدوها أمام أداء نور الشريف متعجبا من إسلوبه الذي لا أظن أنه درسه في المعهد أو تلقاه عن مخرج ، بل نحته بنفسه و ساعدته في ذلك موهبة لا تنضب ، فقد كانت كل خلجات نور الشريف تؤدي و تبعث الحياة في الشخصية التي يؤديها ، كانت كل خلاياه تمثل ، و كان في ذات الوقت لا يمثل علي الإطلاق ، نظرته الغاضبة ، حركات يديه ، إبتسامته التي تكون خبيثة أو بريئة أو محبة حسب المشهد و حسب الشخصية ، حتى خطوات قدميه كانت تؤدي بعبقرية ، من منا لم يلاحظ خطوات حسن عز الرجال و هو يعبر الشارع محملا بكل سنوات السجن ظلما و فقدان الإعتبار و الخوف من المجتمع ؟!!!
الحديث يطول و الكلمات تعجز ، لكنها إرادة الله التي لا نملك لها إلا الصبر و الحمد …
رحل نور الشريف لترحل معه قطعة غالية من وجدان كل منا نحن الملايين الذين نهلنا من نبع موهبته على مدار ما يقرب من خمسة عقود من الزمان أمتعنا و أضحكنا و أبكانا و علمنا و طهر أرواحنا أحيانا نور الشريف الإبن و الأخ و الصديق و الحبيب و الأب للملايين من المشاهدين في كل دور أداه بل أقول “ عاشه “ و عشناه معه … سلام عليك ، و لا أقول سنفتقدك ، بل سنجلس إلى أعمالك نشاهدها مرات و مرات و نتذوقها على مهل كما لو كنا نشاهدها لأول مرة ، و قد أعفيتنا برحيلك النبيل من مواصلة اللهاث وراء موهبتك الجامحة في أعمال جديدة ، و إن كنا – بعد – لم نكتفي من تلك الموهبة ، لكنها إرادة الله و لا نملك لها ردا ، و هو أيضا حقك في أن تستريح منا و من الإحتراق لتضيء لنا بفنك و موهبتك طريقا للحق و الخير و الجمال … سلاما نور الشريف .


طارق فهمي حسين
١١ أغسطس ٢٠١٥





الجمعة، 1 ديسمبر 2017

مُهلة فؤاد حداد.

مُهلة  فؤاد حداد !


لعل إحدى المشاكل التي يُمكن أن  تواجه البعض من قليلي الإقتراب   من شعر فؤاد حداد  ، مثلي و مثل صديقي أيمن صدقي الذي لم  ألقه حتى الآن  سوى عبر أثير الإنترنت ، ممن هم خارج دائرة مُريدي و دراويش فؤاد حداد  – بعد - هي في العثور على الإيقاع الموجود فيما يقرأ ، بمعنى أنك  لو بدأت القراءة بشكل خاطئ و لم تدرك الإيقاع و الوقفات تُفلت منك  القصيدة و لا تشعر  بجمالها و لا تبوح لك بأسرارها، لذلك يكون سعيد الحظ من يبدأ بسماع  شعر فؤاد حداد مسجلا بصوته  شخصيا أو على الأقل بإلقاء واع من أحد مريديه ، عن نفسي فأنا ما زلت أحبو في تذوق و قراءة شعر فؤاد حداد رغم نشأتي في رحاب المسحراتي الذي تغنى بشعر فؤاد حداد شخصيا فقد كان الشيخ سيد مكاوي صديق طفولتي ( طفولتي أنا و ليس هو بالطبع ) و صباي و شبابي ، لكني كنت دائما من " أتباع " صلاح جاهين ( صديقي الآخر أيضا ) ،  و كنت أندهش حين أسمع صلاح جاهين لا ينفك يتحدث عن فؤاد حداد بصفته أستاذه ، فقد كنت على قناعة بأن جاهين هو سقف العامية المصرية أو سماءها السابعة ! وحتى عبقرية المسحراتي كانت مرتبطة في ذهني بعم سيد مكاوي وكأنه هو مبدعها، وإن كان بالفعل هو من بث الحياة في المسحراتي وأخرجه من سطور الديوان ليمشي على قدميه في حواري القاهرة كما أراد له بداية مبدعه الأول فؤاد حداد.

حتى كانت بدايات عام 1982 (أو 83)، حين جمعتني في بداية حياتي العملية بإحدى الشركات زمالة صارت صداقة جميلة بالإنسان الرائع محمود حميدة، والذي أصبح فيما بعد واحدا من ألمع نجوم السينما العربية ومن أعمقهم موهبة وثقافة، كان محمود حميدة ومازال من "شيوخ الطريقة الحدادية "إن جاز التعبير، رأيته بنفسي في بيته وهو يجلس بناته الصغار أمامه حين كان عُمر أكبرهن لا يجاوز ربما الرابعة و يقرأ عليهن من شعر فؤاد حداد !  فكنت أقول له في دهشة: "يا محمود مش هايفهموا حاجة “، فيجيب ببساطة: عارف، لكني أريد أن يتعودن على وقع كلمات فؤاد حداد وإيقاعه !!! فكان ضحكي – وقتها – يغلب دهشتي، لكن السنوات مرت بل العقود وأثبتت صحة رؤيته وبعد نظره، فشهدنا إحدى حوريات محمود حميدة تملأ المسارح و المحافل الثقافية بأشعار فؤاد حداد شدوا و إلقاءا  ، وظل دائماً شغف محمود حميدة بفؤاد حداد أمراً يثير إعجابي وثقتي بأنه بالتأكيد في محله وذلك لمعرفتي اليقينية بعمق إدراك وثقافة محمود، لكني في تلك الفترة، أكرر، كنت أرفع رأسي إلى أقصى ما تتحمله رقبتي فلا أرى في أفق سماء العامية المصرية أبعد من نجم صلاح جاهين وبيرم التونسي.

حتى أسعدني الحظ في حوالي عام 1987 أو ربما 88 أن أحضر أمسية مسرحية في قاعة منف الملحقة بمسرح السامر ( المغدور ) كانت بعنوان : كروان الفن ، الأمسية كانت بغرض تكريم فؤاد حداد و مبنية على أشعاره إلقاءا و غناءا حيث إكتشفت يومها الكنز الغنائي و الموسيقي المسمى وجيه عزيز الذي ربما كان وقتها في بداياته المبكرة ، رفعت لي تلك الأمسية طرف الغطاء عن " الخبيئة " او الكنز الذي يحمل ذلك الإسم الزكي : فؤاد حداد ، و لعل بعض الفضل في ذلك يرجع إلى الشدو الساحر لوجيه عزيز و ألحانه التي يناسب غموضها تماما " مزامير" فؤاد حداد ، و كذا الإلقاء الواعي لكوكبة الشباب في ذلك الوقت الذين شاركوا في العرض و كان منهم فيما أذكر ماهر سليم ( و كان مخرج العرض) و فاطمة الكاشف و حسن الديب و منير مكرم  و حسام ... عفوا لقد نفذ رصيد الذاكرة الآن ، لكن على أية حال فلست اليوم بصدد نقد أو الإشادة بعرض مسرحي  بعينه بعد إنقضاء بضع عقود من الزمان و إن كان جديرا بالإشادة -  و قد حضرته حينها بعدد ليالي عرضه  ، لكن تلك كانت محطة هامة ومبكرة  أيضا في بدايات تجلي شمس فؤاد حداد على قارئ متواضع مثلي ،إلا ان بوصلتي وقتها يممت صوب وجيه عزيز بشكل أساسي فصرت أطارد صوته و نغماته في المسارح و شرائط الكاسيت (النادرة) و ساقية الصاوي ، ثُم حديثاً  على الإنترنت ، و رغم جمال و سحر جُل أعمال وجيه عزيز إلا أن أذني كانت دائما ما تلتقط جواهر فؤاد حداد من بين بقية ما يغني و يلحن فكان وجه فؤاد حداد العربي المصري الشعبي الأرستقراطي يطل باسما من بين المقاطع ، فأجدني أهتف منتشيا ، الغنوه دي بالذات أكيد لفؤاد حداد ، و أبحث فأجدها بالفعل كذلك .

منذ بضعة أسابيع و عبر محادثة تليفونية إقترح علي محمود حميدة _ كما تعودنا معا _ إسم كتاب لأقرأه: " جزيرة الأحياء " لأمين حداد ، قرأت الكتاب ... و كان ما كان ! إذا كان الأبن يكتب على هذا النحو السحري الرائع المدهش ، فكيف كان الأب ؟ إذا كان الفرع بكل هذه الخصوبة فما بالنا بالأصل ؟ 

و في الإسبوع الماضي أصدرت جريدة القاهرة  الإسبوعية عدداً تذكارياً عن فؤاد حداد ، فلما تجولت بين صفحاته و موضوعاته التي تضافرت على تنوع الكتاب و زوايا النظر على تجميع صورة فسيفسائية  سريعة عن الرجل كانت كافية لأن أدرك أنني أرتكب خطأ جسيما في حق نفسي أساسا إذ أعيش في " أحد أزمان فؤاد حداد (ألفين سنة و يفضل كلامي جميل) و أكتفي من كنزه بأن ألمح البريق من بعيد ! 

عموما هو حددها بألفين سنة فقط  ( ربما تواضعا أو تشاؤما) ، إذن مازال هناك وقت شريطة أن يمهلني العُمر ، و لعلي أدعو كل من يصله " تحذيري " هذا لمحاولة اللحاق معي بما فاتنا من مُهلة فؤاد حداد .

                            طارق فهمي حسين
                          نوفمبر 2015






محمد مُحسن و الغناء الذي لا ينتهي .





محمد مُحسن و الغناء الذي لا ينتهي ...

ساقني حسن حظي منذ بضعة أيام لأن يقع بصري على هذا الألبوم الغنائي ، أو – للدقة – الـ Mini album ، كما كُتب على غلافه بخط صغير – في أمانة محمودة – و الذي يحمل إسم : “اللف ف شوارعك ” للمطرب الشاب محمد محسن الذي يتجه نحو القمة بخطى ثابتة ، و رغم أنني من جيل تشبع سمعا , و طرباً من فرط ما عاصر من قمم الغناء حتى لم يعد لدينا ،أو ” لدي ” حتى لا أسقط في فخ التعميم ،طموح إنتظار المزيد من جميل الأصوات ، إلا أن ما أسعدني به الزمن من أخوة و رفقة عمر مع مهندس الصوت الفنان إيهاب نبيل كان سببا في معرفتي بإسم “محمد محسن ” و الإطلاع على بعض شدوه ، و لما كنت قد لمست و توسمت خيراً كثيراً في صوته الجميل مثقف النبرة عظيم الموهبة ،فقد سعدت حين وقع بصري على هذا الألبوم و بالتالي لم أتردد في إقتناء نسخة منه ، و هو القرار الذي زاد يقيني بصحته بمجرد أن فرغت من الإستماع لأغانيه الستة المرة تلو الأخرى .
يبدأ محمد محسن شدوه بأغنية بعنوان ” أغاني تملا الحي ” و التي يعلن مؤلفها مايكل عادل في مطلعها و بثقة و حزم أنه : ” عُمر الغُنا ما بينتهي ” و هو تصريح له – في رأيي المتواضع – الكثير من الأسباب التي لها وجاهتها و لعل أهمها أن فن الغناء العربي مازال قادراً على تقديم أصوات في أصالة و سخاء صوت محمد مُحسن ذاته ، فكانت الأغنية بداية موفقة للألبوم الذي يمضي على مدار أغانيه ( الستة ) في طريق الطرب و عذوبة المعاني و الألحان في آن معاً ، و قد توزعت كتابة كلمات خمسة من الأغاني الست كلا من مايكل عادل الذي تحمل كلماته و تراكيب جمله نكهة جديدة و متميزة ، و الشاعر راسخ القدمين مُصطفى إبراهيم ، و قد يأخذ البعض – و لعلي منهم – على أغلب الأغاني الإقتضاب خاصة و أن الألبوم – تكراراً – يقتصر على ستة أغاني ، و هو ما لا يشبع نهم المستمع للمزيد من هذا الفن الجميل الذي تضافر فيه جمال الألحان ( التي تقاسمها رامي يعسوب و محمد محسن نفسه ) ، و الكلمات مع صوت محمد مُحسن الذي كلما تستمع إليه تزداد تعطشاً للمزيد .
و بمناسبة الألحان فأجدني مضطراً لمراجعة محمد محسن ( المُلحن ) و الذي لا تقل موهبته في التلحين كثيراً عن موهبته كمُطرب ، أقول أجدني مضطراً لمراجعته بخصوص الأغنية الوحيدة في الألبوم التي لم يكتبها ثنائي التأليف الجميل الذي تحدثنا عنه ، ألا و هي درة تاج الألبوم و رائعة الراحل نجيب سرور ” البحر بيضحك ليه ” حيث إرتأى مطربنا ، و ملحننا الشاب محمد محسن أن يتجاوز اللحن التاريخي للأغنية و الذي وضعه و غناه منذ عقود فنان الشعب الشيخ إمام عيسى ، و هذا الأمر ليس جديد و لا بدعة فقد تعرضت الكثير من ألحان الشيخ إمام للتجاهل و إعادة التلحين على يد الكثير من الملحنين و المطربين الصاعد منهم و الشهير ، و رغم أنه في كل مرة لم تنجح أي من هذه الألحان في ان تحل محل الحان شيخنا الراحل في سمع و وجدان المستمع المصري و العربي ، حتى و إن تفوق اللحن الجديد فنياً على لحن الشيخ إمام ، و لذلك أسباب يطول شرحها و ليست كلها فنية بحتة ، اللهم إلا إذا كان المستمع لم يسمع من قبل الأغنية موضوع إعادة التلحين بلحن الشيخ إمام ، إلا أننا هذه المرة أمام ” محاولة ” لم أتمكن من إستيعابها بشكل كامل ! فاللحن الذي وضعه مطربنا و ملحننا الشاب لأغنية ” البحر بيضحك ليه ” لم يتمكن من الخروج من أسر اللحن التاريخي للشيخ إمام ، أو هكذا ” صورت ” لي أذني المدربة على موسيقى الشيخ إمام على مدار بضعة عقود من الزمان ، و لعلي أكون مخطئاً ، خاصة مع إعترافي بأنني مجرد مستمع عادي غير متخصص ، و قد يمتلك الفنان الجميل محمد محسن من النوت الموسيقية المكتوبة ما يفند تصوري هذا ، لكنني – فيما أزعم – أمتلك كلمة جديرة بأن تُسمع بصفتي ” بعض ” من الجمهور المستمع ، و الذي هو سيد العملية الفنية الأخير فيما أعتقد ، لذا كنت أتمنى أن يلتزم مطربنا الموهوب باللحن الأصلي للشيخ إمام و أن يضع إسمه أمام الأغنية على غلاف الألبوم و لكان ذلك أكثر ” نُبلاً ” على نحو جدير به محمد مُحسن الذي يدخل إلى أسماعنا و وجداننا دخول الفاتحين عن جدارة و إستحقاق .
أخيرا فإن إختيار صورة غلاف الألبوم كان موفقا إلى أبعد الحدود حيث تمثل في صورة محمد محسن متشحا بالكوفية الفلسطينية أو “ الحطة “ ، و التي صارت منذ زمن طويل، و عن إستحقاق دُفعت فيه أنهار من الدماء الزكية ، رمزا و شعارا لكل الثوار و الأحرار في العالم ، في إشارة لا تُخطئها العين إلى ثورية الألبوم على مستوى الكلمات و معانيها ، و حتى الألحان ، و هي ثورية ذات مذاق خاص للغاية حيث لم تسقط في فخ الخطابية و لم تتخل عن أصالة التطريب .
نعم ، هو ألبوم جدير بالسمع ، و حقاً : “ عُمر الغُنا ما بينتهي “ مادام هناك مواهب من معدن موهبة محمد مُحسن .

طارق فهمي حسين

كازابلانكا و عبء الرجُل الأبيض.

كازابلانكا و عبء الرجُل الأبيض.
===


لا أدري تحديدا كم هي عدد مرات مشاهدتي على مدار السنين للفيلم الأمريكي الشهير : " كازابلانكا"  ، الفيلم من إنتاج عام 1942 و يعد واحدا من أهم كلاسيكيات السينما العالمية ، و هو من بطولة إثنان من أهم نجوم زمانهما هما همفري بوجارت و السويدية الساحرة إنجريد برجمان ، و لا يوجد من يمكن أن يشاهد هذا الفيلم و لا يستوقفه العنصر المشترك بين كلا النجمين الشهيرين ألا و هو قوة الحضور الطاغي الذي كان يتمتع به كلاهما أمام الكاميرا فضلا عن الأداء الواعي و القدرة على الإنفعال الداخلي بالشخصية .
و بعيدا عن الإستطراد في النقد الفني للفيلم الشهير ، و الذي لا أزعم إمتلاكا لأدواته ، فإنني لدى مشاهدة حديثة منذ أيام لفيلم "كازابلانكا" وجدتني أتأمل في جوانب أخرى للفيلم - و ما وراء الفيلم – أبعد ما تكون عن النواحي الفنية ، و هي جوانب لطالما لفتت نظري بدرجة أو أخرى مع كل مشاهدة للفيلم و لكن ربما هذه المرة ، و في خضم ما نحياه من أجواء لا أحبذ الخوض فيها الآن ، شاهدت الفيلم من زاوية مختلفة تماما ، و إن كانت واضحة طوال الوقت و ربما منذ اليوم الأول لعرض الفيلم قبل أن أولد أنا نفسي بسنوات طويلة !
تدور أحداث الفيلم في عاصمة المغرب االدار البيضاء أو " كازابلانكا " كما يراها الغرب و كما أسماها الأسبان و الفرنسيون من بعدهم !  لكن المدينة العربية هنا لا تذكر على مدار زمن الفيلم بوصفها مغربية أو عربية ، و إنما هي " فرنسا غير المحتلة " تمييزا لها عن فرنسا المحتلة بقوات الرايخ الثالث الألماني ! نعم هكذا ، فالفرنسيون ببساطة كانوا يعتبرون الدول التي تحتلها قواتهم العسكرية جزءا من أراضي فرنسا ، و هي فرضية تواطأ مع فرنسا فيها و أقرها عليها كل الغرب الإستعماري بما في ذلك ألمانيا النازية التي كانت تحتل فرنسا نفسها ضمن معظم أراضي أوروبا ، و بالطبع أقرتها السينما الأمريكية – صانعة الفيلم – كما لو كانت مسألة بديهية !
على مدار زمن الفيلم قد لا نرى مواطنا مغربيا واحدا ( و ما الذي يأتي بالعرب إلى فرنسا غير المحتلة ؟!) اللهم إلا في مشهد وحيد حيث نرى بائع أقمشة مغربي يحاول أن يبيع أنجريد برجمان قطعة من القماش بادئا بسعر 800 فرنك نزولا حتى مائة فرنك فقط في إيماءة إلى مستوى "أخلاقيات" هؤلاء " العرب المغاربة " ، و هناك شخص آخر يظهر في مشهد ما يضع على رأسه ما يشبه الطربوش المغربي و إن كان إسمه ) فراري ) لا يُشير إلى إحتمال كونه مغربيا ، و عموما هو شخص – حسب الفيلم – يبيع تأشيرات السفر في السوق السوداء !
فيما عدا ذلك فإننا طيلة الفيلم نعيش في " فرنسا غير المحتلة" و نعايش مباراة في النبل و التضحية بين إنجريد برجمان من ناحية و بين العاشق الأمريكي و الزوج الفرنسي من ناحية أخرى ، و ثلاثتهم بالطبع ينضوي تحت لواء الوطنية و مقاومة النازية بدرجات متفاوتة ، و ينضم إليهم في نهاية الأحداث في مباراة النبل و الوطنية هذه حتى الضابط الفرنسي الذي يعمل تحت ضغط و أمرة القوات النازية  ( يلعب دوره كلود راينز) ، و لعل من أكثر مشاهد الفيلم " إستفزازا " من وجهة نظري ذلك المشهد الذي يجري في الحانة (أو " مقهى ريك " ) حين يبدأ ضباط النازي في التغني بنشيد " وطني " ما فيستفز ذلك مشاعر رواد الحانة الفرنسيين من الضباط و فتيات الليل فينبرون جميعا  لإنشاد النشيد الوطني لفرنسا و يتبارى الطرفان في رفع أصواتهما على بعضهما البعض - و كؤوس الخمر في أيدي الجميع – حتى تتحقق الغلبة للفرنسيين مما يثير حفيظة القائد الألماني فيأمر القائد الفرنسي بإغلاق الحانة ( الأمريكية ) ....
و رغم أن الفيلم تم تصويره بالطبع في ستوديوهات هوليوود إلا أنني في ذلك المشهد تحديدا اكاد أسمع أرض الدار البيضاء و هي تئن تحت أقدام أحذية جنود الاحتلال الفرنسي الثقيلة ، ناهيك عن أحذية جنود    " إحتلال الاحتلال" الألماني !!!
هكذا أرى اليوم فيلما مثل كازابلانكا، و دون أدنى إنكار لقيمته الفنية و الرومانسية ، لكنه من زاوية أخرى يمثل تجسيدا بسيطا لنظرة المستعمر الغربي للعالم " الآخر " أو لكل ما سوى الرجل الأبيض سواء في مسقط رأسه الأوروبي أو إمتداده و تمدده الأمريكي ، و هي نظرة مستمرة سواء ماقبل " كازابلانكا" او ما بعده و حتى يومنا هذا .
و من المؤسف أن هذه النظرة التي ترى العالم كله فناءا خلفيا للرجل الأبيض و نزواته و أطماعه و إحتياجاته من المواد الخام و منافذ بيع منتجاته – اللازم منها و غير اللازم – و مدفن لنفاياته سواء النووية أو الأخلاقية و خلافه ، و التي تشمل جعل هذا "الفناء الخلفي " أيضا ساحة لصراعات الغرب الاستعماري ، الذي أستقر فيما يبدو على عدم تكرار معاناته على أرضه من ويلات الحربين الأوروبيتين الأولى و الثانية ، و المسمتان – زوراً- بالحرب العالمية سواء الأولى أو الثانية ،  فدخل في إتفاق ضمني غير معلن لقصر صراعاته الدموية على العالم " الخارجي " أو العالم " الآخر" لتبقى عواصم الغرب في أوروبا و أمريكا متلألئة بالأضواء و صداحة بالموسيقى و متشدقة بالحرية و الرخاء و حقوق الإنسان ( الناصع البياض بالتأكيد ) ، و لعل في هذا بعض التفسير للشماتة الدفينة – رغم الإدانة الصادقة - التي قد يشعر بها البعض من سكان " العالم الآخر " حين يطال عمل تخريبي ما قلب أوروبا أو الولايات المتحدة فيخمش وجهها اللامع الملطخ بالمساحيق البراقة ، و حين تنحدر دمعة أو إثنتان من دموع الفزع و الألم على وجنة أو أخرى من تلك الوجنات البيضاء الناعمة ، و هي شماتة قد ننكرها ، لكننا في ذات الوقت قد نتوسم – للأسف - بعض أسبابها !!!
قد يرى البعض أنني مدين بالإعتذار لمحبي الفيلم الشهير – و إن كنت واحدا منهم – عن السطور السابقة و التي قد يرى فيها البعض تحميلا للأمور بأكثر مما تحتمل ،لكني قد أفكر في مثل هذا الإعتذار حين " يفكر"  الرجل الأبيض  في التخلي عن " العبء" الذي حمله لنفسه دون مبرر واضح و دون طلب من أحد تجاه بقية البشرية ، بل لعلي أناشده ( في لحظة سذاجة مفرطة ) أن يترك كلٌ  يتحمل أعباءه ... حينها قد يلزمني الإعتذار  و العودة للإستمتاع بالفيلم من زاوية فنية بحتة !
طارق فهمي حسين
                                                                                                ديسمبر 2015