الأربعاء، 15 يناير 2020

ابن جمال عبد الناصر.

إبن جمال عبد الناصر…
===========
في طفولتي في تلك الستينيات الناصرية المجيدة كنت كثيرا ما أبيت أياما وليالي في بيت جدي لأمي الحاج محمد الحكيم تاجر الجلود ذو الاصول المغربية، بعطفة شمس في حارة الروم بحي الغورية العريق العظيم، كان لجدي وجدتي في ذلك الوقت أكثر من حفيد، لكني كنت ذلك الحفيد الذي يأتي من"وسط البلد" من شارع تعبره السيارات في كلا الاتجاهين فضلا عن خط الترام الذي يخترق الشارع بطوله، وبالتالي ففي شارع رشدي بوسط البلد لا يوجد اطفال ولا صبية ولا حتى شباب يلعبون بالشارع أو يقفون عند النواصي، والتزاما من جدي وجدتي ،وأخوالي أيضا، "بظروفي البيئية " كنت الحفيد الذي لا يسمح له بالنزول ليلعب في الحارة وسط جميع أطفالها، لكن كان يسمح لي بالجلوس إلى جوار جدتي الصعيدية الجميلة زينب مصطفى حسن ،والتي تمت بصلة قرابة قوية إلى عميد الأدب العربي د.طه حسين ( ابن عمتها حسبما أتذكر) ، كان يسمح لي بالجلوس إلى جوارها في البلكونة لأراقب أطفال الحارة وهم يلعبون، كان بيت جدي، وما زال يقع في نهاية الحارة ويسدها، نعم، كانت "عطفة شمس" ومازالت حارة سد، يسدها بيت الحاج محمد الحكيم.
البيت إذن، والبلكونة، متعامد على الحارة، ولما كانت شقة جدي تقع في الدور الأول بعد الأرضي( فوق شقة خالي هاشم) فكان ذلك يتيح لي مشاهدة بانورامية للعطفة بكاملها، وكذا سمعا واضحا لكل ما يدور بين الأطفال اللاهين على بلاط العطفة الفاطمي القديم النظيف دائما بفضل جهود أهل الحارة في تلك الأيام.
تعلمت بالمشاهدة الكثير من ألعاب زمن طفولتي: تريك تراك والسبع طوبات، ولمس الحمام، وكيكه ع العالي واللعب بالبلي وغيرها، لكن بقيت في ذاكرتي عبارة عظيمة الدلالة لا أظن أن لها مثيلا في ثقافات أطفال شعوب أخرى، كان أطفال الحارة يتحدون بعضهم البعض في أداء حركة صعبة ما، او في تحقيق هدف ما في لعبة البلي مثلا او غيرها، وكانت العبارة الوحيدة الشهيرة لإعلان التحدي بينهم هي : "تبقى ابن جمال عبد الناصر لو عرفت تعمل الحركة دي"
نعم، هكذا!
كان أطفال الحارة الشعبية المصرية يرددون هذه العبارة دائما، وكأن جائزة التفوق على الآخرين أو إنجاز ما لا يقدر عليه أحد تتمثل في استحقاق أبوة جمال عبد الناصر!
كانت هذه العبارة تقال على مسمع من الآباء والأمهات ، ولم أر او أسمع يوما أب أو أم من أهل الحارة ينهون أولادهم عن قولها، أو يتململون من سماع أطفالهم يستبدلونهم بجمال عبد الناصر!
هل كان الانتماء لهذا الرجل بالبنوة منتهى الأمل لأطفال حارتنا لأنه يحبهم كما يحبونه؟ أم لأنهم -في زمنه- يجلسون في الفصول في المدارس كتفا بكتف إلى جوار أبناء جميع فئات وطبقات المجتمع؟ يرتدون نفس الملابس من نفس القماش وتتاح لهم الفرصة الكاملة والعادلة للتعليم والتفوق على أبناء الزمالك ومصر الجديدة وجاردن سيتي مثلا، هل كان اطفال حارتنا يعون ذلك حقا؟ ، أم كانوا يشاهدون صور أبنائه فلا يجدون فارقا كبيرا بينهم وبين انفسهم ؟ هل هي فطرة الاطفال وفراستهم التي يولدون بها مثلا؟
لا أدري، ولا املك إجابة، ربما كان كل ذلك معا، ربما كانوا يرون مجتمعا يشبون فيه فيرون آباءهم العمال والحرفيين يمشون في الحياة مرفوعي الرؤوس موفوري الكرامة، يتعاملون بندية واحترام متبادل مع الطبيب والمهندس وأستاذ الجامعة، ربما.
عن نفسي، كنت طفلا لا يفوت خطابا لجمال عبد الناصر، أسمعه من أول "أيها الإخوة المواطنون… إلى:" والسلام عليكم ورحمة الله"
كنت أسمعه وأراقبه، وأستوعب كل حرف ينطقه، ثم أناقش ابي وأستفسر منه عن كل ما استغلق علي فهمه وأنا طفل دون العاشرة ببضع سنوات، وحتى رحيل عبد الناصر وأنا تلميذ بالإعدادي.
كنت اعرف أسماء أبنائه وبناته جميعا، وأعرف شكل كل منهم، بل وأميل بعواطفي البريئة نحو طفلته منى بشعرها الناعم وابتسامتها المضيئة وعيناها الكحيلتين كعيني أبيها!
كنت أغبط خالد الذي يظهر في الصور وهو يمشي إلى جوار أبيه مرتديا بذلة وربطة عنق صنعت في المحلة الكبرى كحال بذلة وربطة عنق أبيه، يسير إلى جواره، ويحمل بعض ملامحه وذات وقاره، يراه يوميا ويعيش معه ويتحدث إليه باستمرار، كنت أنا، بالمناسبة، طفلا أكثر تأنقا بوضوح من أبناء عبد الناصر !
كنت - على خلاف أطفال حارة جدي- لا أصل بحبي لعبد الناصر إلى التمني بان اكون "إبن جمال عبد الناصر" إذ تصادف أن لي أب لا أقايضه بكل آباء العالم، لكني بالتأكيد كنت أتمنى أن أرى جمال عبد الناصر، وكنت أختزن الكثير من الكلام والآراء، بل وأحيانا الاعتراضات التي كنت أود ان أفضي بها إليه!
**
صورة في جيبي
====
في كثير من أيام الجمعة كان جمال عبد الناصر يذهب لأداء الصلاة في الجامع الأزهر الشريف، وكثيرا ما تصادف ذلك مع ذهابي مع أمي إلى بيت جدي بحارة الروم، كان الريس يمر بسيارته المكشوفة عبر شارع الأزهر، وكان الناس يتزاحمون على جانبي الطريق ليروه ويبادلونه التحية، وكنت طفلا صغيرا قصير القامة، فكانت أمي تحملني فوق أكتافها في محاولة لتمكيني من مشاهدة عبد الناصر، ولما كانت أمي لا تتمتع بالطول الفارع، كما انها لا تملك مزاحمة الجموع وتقدم الصفوف، فلم أتمكن يوما من مشاهدة الرجل خارج شاشة التلفزيون وصوره المنشورة بالصحف، كنت عند كل محاولة فاشلة لرؤيته أبكي بالدموع وأصيح وسط الناس :كنت عايز أشوفه، كنت عايز أوريله صورته! فينظر نحوي أحد الواقفين متعاطفا ويخاطب امي: ما توديه يا ست رياسة الجمهورية، ح يخلوه يقابل الريس اكيد.
نعم، كنت أحمل في جيبي كلما خرجنا من البيت صورة لجمال عبد الناصر، ولا أدري اليوم ماذا كانت أهمية أن يرى عبد الناصر صورته التي أحملها في جيبي؟! لكنها سذاجة الطفولة، وحب جارف لرجل استحقه بكل تاكيد من طفل مثلي، ومن أطفال حارة الروم، ومن الفلاحين في قريتنا الصغيرة، والعمال في الورش والمصانع، وحتى من أصحاب المقاهي وباعة العصير الذين مازال الكثيرين منهم يزينون حوائط مقاهيهم ومحلاتهم وبيوتهم بصور جمال عبد الناصر ، وحين غادر عبد الناصر دنيانا كان واحدا من اسباب بكائي بحرقة على رحيله أن باب احتمالات لقائي به قد تم إغلاقه، في الدنيا على الأقل.
**
إلحق يا بابا…
========

كنا نسكن في ٣ شارع رشدي بوسط القاهرة، الشارع يتقاطع مع شارع محمد فريد الذي يمر بمحاذاة ميدان وقصر عابدين، بلكونة غرفة الصالون القبلية تتيح رؤية بعض من أجزاء شارع محمد فريد في الجزء القادم من ميدان الازهار حتى شارعنا، لكن بعض البيوت تحجب رؤية ميدان وقصر عابدين وبعض من أجزاء الشارع.
أما البلكونة البحرية، والتي تقع في غرفة نوم والداي فتطل على واجهة العمارة في شارع رشدي لكن العمارة المجاورة لنا تحجب تماما رؤية امتداد شارع محمد فريد من تقاطعه مع شارعنا وحتى ميدان مصطفى كامل وما بعده.
تكرر كثيرا مرور عبد الناصر بسيارته المكشوفة أيضا مخترقا شارع محمد فريد، ودائما ما كان أبي يذكرني ضاحكا بمشهد متكرر يمثل إحدى أطرف نوادر طفولتي:
أبي نائم في غرفته، تتعالى أصوات تجمهر وهتافات آتية من شارع محمد فريد، أنتبه إليها، أركض إلى بلكونة الصالون، أسمع جارتنا في البلكونة فوقنا:عبد الناصر معدي في الشارع، تتضاعف سرعة دورتي الدموية وأحاول رؤية بابا جمال من بلكونة الصالون فلا أتمكن، أركض إلى بلكونة غرفة أبي فلا أرى عبد الناصر، هنا وهناك أرى جموع الناس وأرى انعكاس مرور عبد الناصر على وجوههم المتهلله وأذرعهم الملوحة، ولا أرى الزعيم، أواصل الركض بطول الشقة مراوحا بين الشرفتين دون كلل ، وتعلوا عقيرتي الصغيرة الحادة :
" إلحق يا بابا…فلتحيا جمال عبد الناصر"، هكذا بالنص"فلتحيا"
لا يبدو لركضي ولا لهتافي من نهاية، "إلحق يا بابا، فلتحيا جمال عبد الناصر"
يستيقظ أبي غارقا في الضحك، مستفهما:"ألحق "اعمل ايه بس؟!
لا تنتهي كل تلك الجلبة التي أحدثها حتى ينتهي مرور عبد الناصر وأتحقق من ذلك برؤيتي لتفرق الجموع وعودة الهدوء إلى الشارع…
هكذا كان عبد الناصر لدى طفل من زمن عبد الناصر، أطفال ذلك الزمان كانوا غير أطفال اليوم، كانوا أطفال عبد الناصر وزمن عبد الناصر، كنا اطفالا يستطيع التاريخ ان يعول على فطرتنا وعلى بوصلتنا.
**

بابا جمال.
=====
في سبعينيات الردة، وقفت خطيبا في أحد المحافل في عاصمة النضال بيروت الأبية وقت كانت تحتضن النضال الفلسطيني، وقفت خطيبا بصفتي ممثلا لاتحاد الشباب الديموقراطي المصري في لبنان، وكانت المناسبة ذكرى ميلاد عبد الناصر، كنت في التاسعة عشر من عمري، إي أنني غادرت الطفولة وغادرتني منذ سنوات، وكان في مقدمة الحضور قيادات فلسطينية ولبنانية كبيرة، مازلت أتذكر الاخ أبو إياد المناضل الأسطوري وعيناه المحدقتين بي وهو جالس في الصف الأول، وأنا -على تواضع شأني- أعتلي المنصة ممسكا بالميكروفون لأتحدث عن جمال عبد الناصر في ذكرى ميلاده، فلم أجد ما أبدأ به حديثي أصدق وأهم من أن أقول أنني أنتمي إلى جيل عرف جمال عبد الناصر، أول ما عرفه، بصفته: "بابا جمال"…عاش جمال عبد الناصر ومات أبا للفقراء والكادحين، ولأطفال الحواري والقرى والنجوع، ولأطفال فلسطين في المخيمات والمنافي وتحت الاحتلال، عاش ومات أبا للثورة في العالم الثالث كله، عاش ومات أبا لاطفال عطفة شمس الذين كانوا يتسابقون حول من منهم يستحق الجدارة بأن يكون "إبن جمال عبد الناصر" 

طارق فهمي حسين
١٥ يناير ٢٠٢٠
-------------------------------
تم نشر هذا الموضوع بمجلة الوعي العربي:
----------------------
 http://elw3yalarabi.org/elw3y/2020/01/15/%D8%A5%D8%A8%D9%86-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1/
 

السبت، 30 نوفمبر 2019

٠٠٠ كُنتُ سادسهُم.

٠٠٠ كُنتُ سادسهُم.




#ومضة_من_الذاكرة:
مُنذ يومين قرأتُ منشوراً على الصفحة الجميلة بالفيسبوك : Classic  يُذّكر بسلسلة " المُغامرون الخمسة" الشهيرة، فومضت في ذاكرتي مشاهد:
في عام ١٩٦٩ أو ١٩٧٠، لا أتذكر علي وجه التحديد إتصل الأُستاذ مُنير حافظ مُدير مكتب وزير الإعلام بوالدي الكاتب الصحفي فهمي حسين، ودعاه لمكتبه ليُخبره بقرار الوزير محمد فائق بانتدابه من عمله  بمجلة روزاليوسف ليعمل مُستشاراًَ لتحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، وكان رئيس تحريرها الكاتب والصحفي محمود سالم مؤلف سلسلة المُغامرون الخمسة، وهي السلسلة التي لاقت نجاحاً عظيماً وشعبية كبيرة على مدار أجيال من النشء ، وربما كان جيلي هو أول تلك الأجيال بحُكم تزامُن الانطلاقة الأولى للمُغامرين الخمسة مع نشأتنا .
في أحد أيام العُطلة المدرسية اصطحبني أبي معه إلى مكتبه بمجلة الإذاعة والتلفزيون، وكعادته كان يُقدمني لزملائه وزوار مكتبه بصفتي المُستقلة أولاً: طارق - تلميذ بالابتدائية - رسام هاوي وقارىء جيد... إبني الكبير!
وكان من حظي في ذلك اليوم أن التقيت بالأُستاذ محمود سالم الذي استقبلني ببشاشة وود كبير، وسألني إن كُنت أقرأ " المُغامرون الخمسة" ؟ فأجبت بالنفي وبأنني أسمع الإسم للمرة الأولى، فمد يده في حقيبة جلدية وأخرج كتاباً صغيراً وأمسك بقلمه وكتب لي إهداءاً رقيقاً قبل أن يناولني الكتاب ، حين أمسكت بالكتاب ذو الغُلاف الجذاب والقطع المُحبب في اليد لاحظت أن هذا هو العدد الثالث من السلسلة، فظهر على وجهي الإحباط وسألته عن العددين السابقين، ومن أين يُمكن أن أحصل عليهما؟ فتهلل وجهه لاهتمامي ووعدني بأن يُرسل لي مع أبي العددين ،كما وعدني أبي بالمُداومة على تزويدي بقادم الأعداد، والتي كانت تصدر شهرياً.
حين عُدت إلى البيت لم أشرع فوراً- كعادتي - في قراءة الكتاب، وذلك انتظاراً لوصول العددين السابقين أولاً، فتلك كانت- ومازالت - عادتي في القراءة، الالتزام بالترتيب حتى في نفس الكتاب: دواوين الشعر ، ومجموعات القصص القصيرة...إلخ ، لا أسمح لنفسي بمُخالفة الترتيب الذي اختاره المُبدع وارتضاه لكتابه، حتى وإن سمحت طبيعة الشعر والقَصص القصير بذلك، فيقيني مُنذ الصِغر أن الكاتب بذل جهداً ما، ويملك حكمةً ما في ترتيب ما يكتُب، وأنني إذا خالفت هذا الترتيب في قراءتي، فسينطوي هذا،أولاً، على عدم احترام للكاتب، وهذا أمرٌ لا يليق ، وثانياً سأكون أنا - كقارىء- الخاسر الأساسي إذ ستفوتني الحكمة التي انطوى عليها هذا الترتيب.
ظللتُ بقية اليوم أتحرّقُ شوقاً لقراءة اللُغز، أروح وأجىء لأُمسك بالكتاب، أتفحص غلافه، والغُلاف الخلفي مُتفحصاً رسوم الشخصيات والأسماء المكتوبة تحتها، وأفتح الغُلاف لأقرأ الإهداء الرقيق الذي خصّني به الأُستاذ محمود سالم، ولا أجرؤ على أكثر من ذلك...
لم يطل انتظاري إذا عاد أبي من "المجلة" في اليوم التالي مُباشرة ومعه العدد الأول والثاني مصحوبان بتحية من الأُستاذ محمود ، وإهداء جديد أكثر رقة ووداً على العدد الأول: لُغز الكوخ المُحترق" حسب ما أتذكر...

انكببت على قراءة اللُغز تلو الآخر الأمر الذي سحبني إلى داخل عالم الصبية الخمسة أبطال المُغامرات حتى صرتُ سادسهم، أو هكذا ظننت في ذلك الوقت، وعشت مع عالم "المُغامرون الخمسة" على مدار سنوات صدور السلسلة.
***
في سنوات الثمانينيات والتسعينيات جذبني حُب فن التمثيل، والتحقتُ بالقسم الحُر بالمعهد العالي للفنون المسرحية- قسم التمثيل ، وخُضت بعض تجارُب التمثيل على مُستوى الهواية والاحتراف معاً، وفي إطار طرق أبواب البحث عن فُرص لمُمارسة هوايتي الجميلة علمت أن المُخرج أشرف سالم ( وكان وقتها مُساعداً للإخراج) هو إبن الأُستاذ محمود سالم صديق طفولتي وكاتبي المُفضل لسنوات، فطلبت من أبي أن يتصل بالأُستاذ محمود سالم ليُعرفني بإبنه، وكالعادة تململ أبي من طلبي مُستنكراً لجوئي للوساطة، حتى لوكانت وساطته الشخصية لدى صديق وزميل له.
- ماتكلمه انت، هو مش كان صاحبك انت كمان؟
- يا بابا الكلام ده من ميت سنة، وبعدين أنا ما عنديش وسيلة اتصال به.
 - خلاص إكتب رقم تليفونه:......
اتصلت بالأُستاذ محمود سالم، وما أن ذكرت له اسمي ثُلاثياً حتي انطلق مُرحباً بحرارة:
- أهلاً أهلاً أهلاً
- ...
- طبعاً فاكرك ، حد ينسى واحد من قُرائه الأوائل ؟!
.....
ضرب لي الأُستاذ محمود سالم موعداً في اليوم التالي مُباشرةً في مكتبه الشخصي في ٢ - أ -شارع طه حسين بالزمالك( حسب ما أتذكر )
وصلت في الموعد لأجده في انتظاري بنفس بشاشته ووده القديم، استقبلني بالأحضان رغم أن كُل ما جمعني به من قبل كان ذلك اللقاء الوحيد القديم ، رسم الزمن الكثير من الخطوط على ملامحه الطيبة، كما لم يترُك في شعر رأسه مجالاً لغير اللون الأبيض، لكن تلك النظرة الطفولية المُفعمة بالحياة لم تُفارق عينيه.
جلستُ إليه طويلاً، وأشعرني كما لو أنه قد خصص يومه بالكامل فقط للقائي!
أسرّ لي في ذلك اليوم أنه حين شرع في كتابة المُغامرون الخمسة، واختار حي المعادي الهادىء مقراً لسُكناهُم، وساحةً لمُغامراتهم بسبب طبيعة الحي وشوارعه ومُناسبتها لجولات خمسة من الصبية المُستمرة بالدراجات ، قرر اختيار المعادي رغم أنه لم يكُن من سُكان هذا الحي أبداً ، بل لم يكُن حتى قد زاره من قبل !!!
لكنه ظل شهوراً قبل الشروع في الكتابة يركب " قطر حلوان " يومياً وينزل في محطة المعادي أو محطة ثكنات المعادي ، ويتجول بالساعات يقرأ أرقام الشوارع ويتعرف علي المعالم الرئيسية ويتحدث مع الباعة في المحلات والأكشاك ويُدون كُل ذلك  فجاءت المُغامرات بكُل هذا النجاح في نقل أجواء المعادي على هذا النحو المُبهر والذي يعرفه جيداً الملايين من جمهور المُغامرون الخمسة!
فاجأني أيضاً في ذلك اليوم بمعلومة أنه - إحصائياً- الكاتب العربي الأكثر مبيعاً في العالم مُتجاوزاً نجيب محفوظ نفسه وذلك بفضل هذه السلسلة!
كما حكى لي أن الرئيس القذافي دعاه لزيارة ليبيا واستقبله وطلب منه أن يكتُب سلسلة مُغامرات للأطفال تدور أحداثها في ليبيا وتكون شخصياتها من الأطفال الليبيين، فأوضح له الأُستاذ محمود سالم أن هذا يستدعي أن يُقيم في ليبيا على الأقل لعدة شهور يكون خلالها حُر الحركة تماماً بعيداً عن القيود الرسمية حتى يُلم بالأجواء ويستطيع الكتابة، فوافق القذافي علي الفور.
تتداعى الذكريات علي نحو لايبدو له من نهاية، وألمح قارئاً يتململ، فلا بُد إذاً من خاتمة ... بعد المُغامرون الخمسة أبدع الأُستاذ محمود سالم سلسلة أُخرى ناجحة أيضاً بعنوان " الشياطين الـ ١٣ " ، لكنّي كُنتُ قد غادرتُ الطفولة فلم أكُن يوماً " الشيطان الرابع عشر"...
طارق فهمي حسين
نوفمبر ٢٠١٩

الجمعة، 1 نوفمبر 2019

عزاء واجب ، و ربنا يتمم بخير !!!

                          عزاء واجب ، و ربنا يتمم بخير !!!
                            =================
ذهبت لأداء واجب العزاء في إحدى قاعات المناسبات الملحقة بأحد المساجد الجديدة ، و الذي أذهب إليه للمرة الأولى ، علي الطريق ظهرت عن بُعد أسوار عالية ظننتها أسواراً لقلعة أو حصن ما ، و حين أقتربت بنا السيارة أكثر هالني حجم بوابات ضخمة عالية و مكتوب أعلاها بالأضواء الإلكترونية إسم المسجد ، دخلت بنا السيارة عبر البوابة الضخمة ، إستوقفنا حاجز أمني حيثُ فتح لهم السائق صندوق السيارة و دار رجل الأمن حولها ثم سمح لنا بالدخول ، و بعد مسافة إستوقفتنا بوابة أخرى داخلية يتوسطها كُشك " تحصيل لرسوم الإنتظار" بباحة المسجد ! و للتيسير على رواد المكان وُضِعت أعلى الكُشك شاشة " شريطية " توضح قيمة الرسوم : ( العسكريين ٢ جنيه / المدنيين ٥ جنيه / الميكروباص ١٠ جنيه ) .
كلا من رجل الامن و محصل الرسوم يتعاملان بأدب فندقي من فئة النجوم الخمس !
بعد عبور بوابة الرسوم تظهر مساحات شاسعة من أماكن الإنتظار و مسجد كبير و مآذن تنبثق من الأرض مباشرةً مُستقلة عن جسد المسجد و مًشيدة على طراز فرعوني سابق علي ظهور الإسلام ، تحديداً تنتهي بتيجان على شكل زهرة اللوتس !!!
و مجموعة من المباني الضخمة المُستقلة و التي تحوي عدد من قاعات المُناسبات لم أستطع تحديد عددها ، إذ يتطلب الأمر الكثير من المشي و الدوران حول المباني للوصول إلى بوابة كُل قاعة لقراءة إسم كُل منها، و المكتوب أعلي البوابة بالإضاءة الكهربائية ، و بالتالي حصر عددها .
علب المناديل الورقية الموضوعة على الموائد الصغيرة الموزعة بين مقاعد المُعزين مطبوع عليها إسم المسجد .
للمسجد و " دور مُناسباته " المتعددة صفحات على " الفيسبوك " منشور عليها أرقام التليفونات و " أسعار " الحجز ، الإعلان بشكل دوري عن " فتح باب الحجز لشهري كذا و كذا " ، هذا طبعاً بالنسبة لمناسبات عقد القران ، فهي التي يمكن تحديدها مُسبقاً ، على عكس حالات الوفاة و مايتبعها من عزاء .
لا أعرف تحديداً إذا كان هذا المسجد و قاعاته مسجلين في موسوعة جينس أم لا ، لكنه في كُل الأحوال مشروع تجاري ضخم يدر بالتأكيد الكثير من الأرباح علي " أصحابه " ، و أظنه الأضخم في مجاله ( في حدود ما رأيت ) مقارنة بأقرانه في سلسلة مشروعات المساجد و دور المُناسبات الناجحة المُربحة التي انتشرت في السنوات الأخيرة .
رحم الله موتانا ، و ألف مبروك للعروسين !
طارق فهمي حسين
أكتوبر ٢٠١٩

الخميس، 26 سبتمبر 2019

فاطمة عادل يا جماعة !

فاطمة عادل يا جماعة !
==========
عندما تذهب للإستمتاع بفريق غنائي جميل إسمه " رترو " تجد فاطمة عادل نجمة مُنألقة في قلبه ، و عندما تسمع عن فريق غنائي إسمه " إتنين من شُبرا" تجد أن " فاطمة عادل" هي واحدة من هذين الإثنين ، و عندما يُسعدك الحظ بسماع و مُشاهدة فرقة " حبايبنا " تجد " فاطمة عادل " أيضاً جوهرة مُتلألئة في هذه الفرقة الجميلة !
أمرٌ مُثير للدهشة و التساؤل : لماذا و كيف تتقاطع كُل هذه الفرق عبر صوت فاطمة عادل و طلتها الجميلة و أدائها العذب ؟! لكنك مع تكرار السمع و التعمُق في ملامح هذا الصوت تكتشف ، و بسهولة ، أن فاطمة عادل تمتلكُ فائضاً من موهبة و جزالة في الصوت ، يفيض عن أن يستوعبه نشاطٌ موسمي أو دوري لفريق غنائي واحد ، أو حتى حفلاتٌ مُتباعدة تُغني فيها بشكل فردي ، حين أتأملُها علي المسرح و هي تهيم مع الغناء و تغيب في عالمها الطربي أكاد أظُن أنها لا تُدرك أين هي أو أن هُناك جمهوراً يستمعُ إليها ، بل أظُن أن فاطمة عادل تُغني في طريقها للذهاب إلى المسرح الذي ستُغني عليه ، و تُغني في طريق عودتها ، و تُغني لأطفالها حين توقظهم و حين تُهدهدهم ليناموا ، تُغني حين تفرح و تُغني حين يمسها حُزنٌ ما ، و رُبما تتسلل إلى طابور الصباح في إحدى مدارس البنات مُستغلةً وجهها الطفولي لتذوب بين التلميذات و تُغني معهن في طابور الصباح ! أغلبُ ظني أن هذه الشابة المصرية الجميلة " ممسوسة " بالغناء علي نحو ما ، لذا فمن البديهي ألاتخلوا ساعة من يومها من الغناء ، و ألا يخلو الغناء من فاطمة عادل !
و لعل السطور السابقة توحي بأن هذه المُطربة الموهوبة كثيفة الحضور واسعة الإنتشار ، في حين أن الواقع هو على العكس من ذلك تماماً ، فرغم كُل ما ذكرت فإن الساحة الفنية الغنائية تشهد " نُدرة " ظهور فاطمة عادل ، و تلك مُفارقة عجيبة لا أجد لها تفسيراً !!!
أما فاطمة عادل المُمثلة الموهوبة ، فقصةٌ أُخرى و مُعضلةٌ من نوعٍ آخر ، و إن تشابهت مع لُغز " المُطربة " ،إذ أنه رغم ما حققته فاطمة عادل من إسم و مكانة فنية كمُطربة و مُمثلة موهوبة و قديرة ، إلا أن الفجوة بين ما حققت و ما تستحق مازلت كبيرة حتي الآن.

طارق فهمي حسين
سبتمبر ٢٠١٩
=======
الصورة بعدسة شاعر مصر الكبير : زين العابدين فؤاد .

د. جلال أمين .


أعزي وطني العربي وأعزي الفكر الإنساني وأعزي نفسي في واحد من أعز الكتاب والمفكرين إلى عقلي وقلبي د. جلال أمين .
كان لقائي الأول معه عبر كتابه الرائع "ماذا حدث للمصريين" وهو الكتاب الذي لم يكتبه من برج عاجي كأكاديمي وأستاذ بالجامعة الأمريكية ، وإنما بعين مصرية راصدة وغارقة في واقعنا الإجتماعي حتى الثمالة ، وما أن فرغت من القراءة الثانية لهذا الكتاب حتى صرت كالمندوه أسعى وراء كل مانشر له من كتب فأقرأه .
ولما كان من حظي أنني أسكن في ذات الحي الذي يقطنه هذا المفكر الكبير ، بل وعلى بعد شارعين فقط من بيته ، فقد أسعدني الحظ غير مرة بمصادفته في الطريق يسير بجسده الضخم المهيب بخطى النساك والزهاد ، وفي إحدى المرات إستوقفته لأثني على أحد كتبه و أقول له - صادقا - أنني من شدة إعجابي بالكتاب أشتريت عددا من النسخ وصرت أهديها لمن يهمني أمرهم وأمر وعيهم ، فلمعت عيناه واتسعت إبتسامته الودودة وأجابني مداعبا : " يبقى إنت السبب في زيادة توزيع الكتاب " .
بدأت هذه السطور ساعيا إلى رثاء الراحل العظيم ، لكن إبتسامته الطيبة الواسعة وعيناه النافذتان المطمئنتان بالعلم والوعي والرضا وروح الدعابة عنده والتي لمستها بشدة في المرتين اللتين أسعدني الحظ بالتحدث معه فيهما ، فرضت نفسها على الموقف فوجدتني أبتسم ، كما أن تداعيات ذكريات حياته الشخصية على مدار عمره والتي أشركنا فيها جميعا بكل رحابة صدر ونقاء سريرة عبر أكثر من كتاب مثل "ماذا علمتني الحياة ، ورحيق العمر ، بعض هذه الذكريات وتلك المواقف التي رواها بتلقائية وصدق شديدين في تلك الكتب ، بعضها يجعلني في هذه اللحظة أقهقه عاليا حتى تغرورق عيناي بالدموع !
لكني أعود فأستشعر فداحة الخسارة التي وقعت علينا برحيله فيثقل الحزن العميق قلبي ، ثم أسأل نفسي : أليس الموت حق ؟ بلى ، أليس هو المحطة الأخيرة والأكيدة لنا جميعا في هذه الدنيا قبل بدء رحلة الأبدية ؟ بلى .
ففيم إذن كل هذا الحزن ؟ و أين هي الخسارة ؟
الواقع أن الخسارة الحقيقية والفادحة بحق ليست في رحيل رجل عظيم مثل د. جلال أمين ، وما أكثر من رحلوا من عظماء ، وإنما في أن مثل هذا الرجل كان حتى الأمس يعيش بين ظهرانينا - وغيره من العظماء في شتى المجالات - لكنهم يهمشون ويتم التعتيم عليهم وتجاهل علمهم ودراساتهم و طرحهم للحلول فلا تستفيد الأمة من نعمة وجودهم بيننا .
يوما قرأت مقولة فحواها أنه : "من الصعب على ذوي العقول الكبيرة أن يدركوا مدى ما يثيرونه من فزع في نفوس غير الموهوبين "
وقد كان د. جلال أمين عقلا كبيرا بحق ، وأظنه قد أثار الكثير الكثير من الفزع في تلك النفوس الضئيلة .
واليوم يرحل جلال أمين كما رحل عبد الوهاب المسيري وجمال حمدان ورشدي سعيد وأحمد مستجير وسرب طويل من الطيور البيضاء الناصعة لتبقى مصر وأمة العرب أسيرة ضفادع المستنقع حتى إشعار آخر ...

طارق فهمي حسين
٢٥ سبتمبر ٢٠١٨
في عشق ماجده ...
==========

هذا البوست بمُناسبة جدل مرح و ضاحك بيني و بين صديقات و أصدقاء أعزاء حول الفنانة ميرفت أمين إتسع ليشمل أسماء بعض جميلات السينما حتي ذكرتُ أنا إسم الجميلة ماجده الصبّاحي فتحفظ البعض على جمال ماجده و مُقارنته بالجميلات سُعاد حُسني و ناديه لُطفي و ميرفت أمين ، و كُلهن في رأيي كمُراهق قديم في السبعينيات عاصر سطوعن جميعاً ، كُلهن جميلات بل جميلات جداً ، و محاولة ترتيبهن من حيثُ الأكثر و الأقل جمالاً تصطدم بالضرورة بعائق اختلاف الأذواق ، أما محاولة إستبعاد " ماجده الصبّاحي " من بينهن ، أو حتى إزاحتها لمسافة ، فتصطدم بالتأكيد و بالضرورة بشخصي الضعيف العنيد ... القديم ، لذا لزم عليّ أن أمتشق قلمي أو - للدقة - " كي بوردي " مُدافعاً عن بعض " ثوابتي :
====================
أختلف مع كثيرين سواء حول جمال الفنّانة ماجده الصبّاحي ، و التي أراها من أجمل الوجوه في تاريخ السينما المصرية ، أو حول أدائها التمثيلي الذي يرى فيه الكثيرون مُبالغة لا يستسيغونها ، في حين أرى في أداء ماجدة و ارتعاشة صوتها ما يُناسب ما أدته من أدوار ، و من يُريد أن يتأمل عبقرية الأداء عند ماجده الصبّاحي فليُراقب تطور أدائها في فيلم " أين عُمري " مثلاً و كيفية فهمها للتحول من التلميذة البريئة الساذجة إلى الزوجة المُعذبة لرجُل كهل شديد القسوة ، و ترجمتها لهذا التحول في كُل تفاصيل الأداء للشخصية .، و لُنشاهد أيضاً دورها في فيلم الغريب أمام العملاق يحيى شاهين ( المُتهم هو الآخر بالمُبالغة ) حيثُ أن كلاهُما - في رأيي المتواضع - جسد ببراعة معنى الأداء الكلاسيكي كما ينبغي ، و هو الإسلوب الوحيد الذي يُناسب تجسيد مثل هذه الأعمال الروائية الكلاسيكية كمُرتفعات وذرينج المأخوذ عنها الفيلم ، و قد شاهدتُ الفيلم الإنجليزي المأخوذ عن نفس الرواية و تابعت أداء أبطاله فتأكدت لي عظمة أداء و موهبة ماجده الصبّاحي و يحيى شاهين .
ناهيك عن الدور الذي أدته ماجده الصبّاحي كُممثلة و مُنتجة في تاريخ السينما العربية ، و بل و في تاريخنا الإجتماعي أيضاً ، و هو دورٌ أزعُم أنه لا يوجد من يطاول قامتها فيه سوى رُبما المُنتجة آسيا ، لكن تبقى ماجدة متفوقةً عليها بفارق تفوقها عن آسيا في الأداء التمثيلي ، فضلاً عن الجمال الظاهر و الكامن والذي ليس بالضرورة أن يفهمه الكثيرون .

                                                                                                    طارق فهمي حسين
                                                            سبتمبر ٢٠١٩
 

بوح المُبدعين / أُسامة الرحيمي .

#هذا_الكتاب #بوح_المُبدعين #أُسامة_الرحيمي



و كأن الكاتب الصحفي أُسامة الرحيمي واحدٌ من كتيبة الجيل الذهبي للصحافة المصرية ، و كأنما إدخره الزمان و "أجّل " ظهوره عن ذلك الجيل لنُعاصره الآن فتسقُط حُجة بعضنا في الترحُم علي الصحافة المصرية والشكوى من اختفاء الموهوبين المُلتزمين مهنياً و أخلاقياً المتمكنين من أدواتهم و المُدركين لدور الصحافة الأوسع و الأشمل من " الخبرية " و المتجاوز حدود الخبر إلى الثقافة و التثقيف .
عن كتابه الهام " بوح المُبدعين " أتحدث ، حيثُ يضُم الكتاب ثلاثين حواراً صحفياً مع ثلاثين من المُبدعين و المُفكرين في مُختلف المجالات .
المُقدمة التي وضعها الكاتب أُسامة الرحيمي للكتاب جديرةٌ في حد ذاتها بأن تشملها مناهج التدريس بكُليات الإعلام و أقسام الصحافة ، فهي دليلٌ حقيقي لكُل صحفي أو طالب صحافة يأخُذ هذه المهنة على محمل الجد و الاحترام للمهنة و للقاريء و لنفسه ، فلم يبخل أُسامة الرحيمي في مُقدمته بأي من أسرار و حرفيات و آداب الحوار الصحفي كما يلتزم هو بها ، و كما ينبغي أن تكون ، ذلك علي عكس ما يفعله الكثير من الكبار - ليس في مجال الصحافة وحده - من الإحتفاظ بأسرار النجاح لأنفسهم بُخلاً بها و حرصاً على الإحتفاظ بما يظنونه " سر تميزهم " ، لم يفعل أُسامة الرحيمي مثلهم ، و إنما فتح خزانة أسرار تميزه الكبير في إجراء الحوارات الصحفية لكُل قاريء للكتاب ، و لا أظنه فعل ذلك عن " سذاجة " ، بل رُبما يتهمه البعض " بالدهاء " إذ يفعل ذلك ليتلقى المديح و الثناء ، و هو مُدرك و مُطمئن تماماً أن " بوحه " بكُل أسرار " الصنعة " ليس كافٍ وحده لمطاولة ذيل ثوب نجاح أُسامة الرحيمي ، فإرشاداته في المُقدمة مسكونة بتوافر شروط قد تكون " تعجيزية " للكثيرين ، من ذلك التمتُع بالدأب و الصبر على قراءة او مشاهدة  كُل أعمال الشخصية التي سيُجرى معها الحوار، و أن يتمتع الصحفي بمخزون ثقافي كالذي بناه لنفسه أُسامة الرحيمي على مدار عقود ، فضلاً عن الحس الإنساني و الالتزام الأخلاقي الذي يتمتع به أُسامة الرحيمي ، و الذي لايتوافر إلا لقلة نادرة من البشر فما بالنا بالصحافيين ؟!
إنتقاء ضيوف حوارات أُسامة الرحيمي في هذا الكتاب إنتقاءٌ عجيب و مُثير للدهشة و الإعجاب معاً ، فكأنما شكل أُسامة الرحيمي داخل ذاته لجنة مُحايدة متنوعة الآراء و الاهتمامات و الانحيازات أيضاً فلا نجد الأسماء المُختارة تحكُمها الشُهرة مثلاً ( بالمعنى الجماهيري الواسع ) و هذا لا ينفي أن أغلبهم من المشاهير بل من الأوسع شُهرة و في مُختلف مجالات الإبداع ، من نجيب محفوظ إلى محمود حميدة ، لكننا نجد أيضاً بين الأسماء من هُم من ذوي القيمة الكبيرة و الهامة و إن لم ينلهم بريق الشُهرة الجماهيرية العريضة ربما لطبيعة إهتماماتهم و تخصصاتهم حيناً ، أو لزهدهم و ترفعهم أحياناً ، فيأتي حوار أُسامة الرحيمي ليُسلط الضوء و يُزيح الظل عن شموس جديرة بالسطوع .
كما أننا لانجد أن أُسامة الرحيمي يقتصر على التحاور مع شخصيات يؤمن بها و ينحازُ إليها مُسبقاً ، بل تتسع دائرة حواراته لتشمل البعض ممن له تحفظ أو آخر عليهم - كما يُفصح في بعض مُقدمات الحوارات ، و لعل بعضنا كقُراء يُشاركه هذا التحفُظ أو ذاك تجاه هذه الشخصية أو تلك ، و هُنا تظهر - و على مدار الحوار - التركيبة أو الوصفة السحرية لحوارات أُسامة الرحيمي الذي يأتي لمحاوره حاملاً " تحفظاته و محولاً إياها إلى " تساؤلات " محُملة بكُل التهذيب و الانفتاح علي كُل الإجابات- مُفسحاً بنعومة شديدة - المجال لضيفه لتفسير نفسه و شرح دوافعه ، و قد لمستُ كقاريء أن انفتاح المحاور أُسامة الرحيمي و استعداده لتفهُم الدوافع لدى ضيفه ، هو انفتاح حقيقي مُفعم بالإنسانية خالي من الأحكام القاسية و المثالية المزعومة ، و ليس مُجرد حيلة صحفية أو فخ منصوب للضيف ، حتي أن ذلك جعلني أنا كقاريء لديه أحياناً ذات التحفُظات تجاه هذه الشخصية أو تلك ، جعلني أخرُج من بعض الحوارات بنظرة مُختلفة للضيف عما كانت لدي تجاهه قبل قراءة الحوار !
الكلام عن هذا الكتاب / المرجع الهام يُمكن أن يطول بل و أن يُقارب عدد صفحات الكتاب ذاته ، و ذلك لشدة أهميته و لتعددُ مستويات الفهم و المعاني التي تشملها دفتي هذا الكتاب " بوح المُبدعين ".
ثلاثون حواراً مُتميزاً مع ثلاثين مُبدعاً في مُختلف مجالات الإبداع الفني و الأدبي و الإنساني ، من الشيخ أبو العنين شعيشع و د. محمود حافظ إلى سعيد شيمي و محمود حميدة و داوود عبد السيد و المُخرج المسرحي أحمد إسماعيل ، و من محمد سلماوي و أحمد عبد المُعطي حجازي إلى إبراهيم عبد المجيد و محمد المخزنجي و منى الشيمي و حتى بطرس غالي ، ثلاثون حواراً لن تجد فيها أسئلة مما عهدناه أحياناً كثيرة ، جميع أسئلة هذه الحوارات ، و بالتالي إجاباتها " منزوعة السطحية " لذا لزم التنويه .
حوارات أُسامة الرحيمي في هذا الكتاب تُعرفنا من جديد على بعض من ظننا أننا عرفناهم طويلاً و جيداً من المُبدعين ، و تُقدم لنا بعض ممن لم نعرفهم و كان يجدر بنا أن نعرفهم ، حوارات هذا الكتاب تستفزنا و تحفزنا للإطلاع علي ما لم يسبق لنا الإطلاع عليه من أعمال هؤلاء المُبدعين ، بل و إعادة الإطلاع على ماسبق لنا الإطلاع عليه من جديد ، و هاأناذا مثلاً أسعى وراء كُل ما تصل إليه يدي من إبداعات د. محمد المخزنجي ، و كذا إعادة الإستماع لكُل ما يُمكنني من قراءات الشيخ أبو العنين شعيشع للقُرآن الكريم...
            
                                                                                                   طارق فهمي حسين
                                                                                                     سبتمبر ٢٠١٩