السبت، 8 فبراير 2020

فنان المسرح السوري: فرحان بُلبُل.

 فنان المسرح السوري: فرحان بُلبُل.

حضرت بالأمس الندوة التي استضاف فيها أتيليه القاهرة المسرحي السوري الكبير الأُستاذ/ فرحان بُلبل، وهذه هي الندوة الثاية التي أحضرها له خلال اليومين الماضيين؛ حيثُ كانت الأولى بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وهذه كانت المرة الأولى التي أتشرف فيها بالتعرُف على هذا المسرحي الكبير، وبلقائه شخصياً.
في كلتا الندوتين أدهشني وسحرني حديثه وتجربته الفريدة والطويلة في التأليف والإخراج، وأيضاً النقد المسرحي. خمسٌ وأربعون عاماً قاد خلالها هذا الرجُل فرقته المسرحية المُستقلة في مدينة حمص السورية الغالية، صنع مسرحاً للناس وبالناس،وبأقل الإمكانيات مُبتعدًا عن البهرجة المسرحية والديكورات الفخمة، ومعتمدًا على قوة النص والإخراج والأداء المسرحي وحدهم؛ فضلًا عن التماهي مع واقع مجتمعه وقضايا مواطنيه، وجاب بعروضه أنحاء سوريا الشقيقة طولًا وعرضًا؛ حتى عام ٢٠١١؛ فأجبر تفجر الأوضاع فرحان بلبل وفرقته على التوقف.
وخيرًا فعل من استضافوا هذا العملاق المسرحي العربي الفريد؛ والذي لم أسمع عن تجربة جادة وثرية مثل تجربته سوى تجربة قرينه المصري الكبير المُخرج المسرحي الرائع الأُستاذ أحمد اسماعيل مع فرقة مسرح شُبرا باخوم في مسرح الجُرن عبر عقود طويلة، لذا فقد كان من الطبيعي أن يلمس كُل الحاضرين في الندوتين التآخي والتفاهم بين الرجلين اللذين يتحدثان لُغة واحدة هي لغة الفن الصادق المتلاحم مع بيئته وجماهيره، حيث جلس كلا من مخرجنا الكبير أحمد اسماعيل وزميله الكبير الشقيق فرحان بلبل يتبادلان الحديث عن تجربتيهما، ويشيد كلاهما بتجربة الآخر.
ندوة الأمس في أتيليه القاهرة كانت بحق مُمتعة وثرية، أدارها بوعي وثقافة وتميز الفنان التشكيلي أحمد الجنايني رئيس مجلس إدارة الأتيليه، وازدانت القاعة بحضور متنوع ومُتميز من الفنانين والُمثقفين، وثارت حوارات وقضايا هامة عبر مداخلات متميزة لعدد منهم مثل الشاعر الجميل الأستاذ رجب الصاوي، وفنانة المسرح الأستاذة نهاد أبو العينين وغيرهم، وأضاءت الندوة بحضور أساتذة كبار مثل الأستاذ الصحفي والمثقف الكبير أسامة الرحيمي الذي عزف بذكاء عن المشاركة في الحوار حين دُعي لذلك مُعلنًا تنازله عن الوقت المُخصص له ليضاف إلى الوقت المتاح للفنان فرحان بلبل لنستزيد من حديثه وثقافته وتجربته المتميزة.
حضرت أيضًا الروائية الكبيرة الأُستاذة مُنى الشيمي،والشاعر الفلسطيني الأُستاذ خالد الجبور، والذي تستضىء القاهرة بحضوره للمرة الأولى؛ والذي نتمنى أن يتكرر مرات ومرات بإذن الله، والطبيبة الفنانة د. فاطمة قمر؛ والتي مارست هوايتها المُعتادة في التصوير الحصري للأُستاذ أحمد اسماعيل !
أُثيرت في الندوة أيضًا قضية الفُصحى والعامية ( الأزلية، والسرمدية فيما يبدو) وشارك في النقاش حولها الشاعر رجب الصاوي، والفنان أحمد الجنايني، والأستاذ عبد الرحيم الحجراوي؛ والفنانة نهاد أبو العينين وغيرهم، وصل البعض إلى أن عاميتنا المصرية " لُغة" وليست " لهجة" وأبحر البعض بعيدًا في الاتجاه الآخر، لكن النقاش كله شاء هذا الطرف أو ذاك أم أبى كان محكومًا بالـ ٢٨ حرفاً للأبجدية العربية.
سائلتُ نفسي: لم لا تستضيف وزارة الثقافة المصرية فرقة حمص المسرحية وربانها فرحان بلبل ليستأنفوا ما قطعته الأحداث في سوريا الشقيقة ويقدموا عروضهم في مسارح مصر؛ خاصة وأنني قد تأثرت( وتنبهت ) بشدة حين قال فرحان بلبل أن فرقته بدأت عروضها منذ خمس وأربعين عامًا بعرض مسرحية " مأساة الحلّاج" للشاعر المصري صلاح عبد الصبور.
فاتحت الأستاذ أسامة الرحيمي في هذا الاقتراح؛ فأجابني ببداهة: مش لما " يستضيفوا" أحمد اسماعيل وفرقة الجرن الأول؟!
ابتلعت سؤالي وسذاجتي وانصرفت إلى بعض شجوني، عفوًا، شئوني!!!

طارق فهمي حسين
فبراير ٢٠٢٠

الأحد، 2 فبراير 2020

مئوية القديس.

تشرفت بإلقاء هذه الكلمة في احتفالية مئوية القديس عبد الرحمن الخميسي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٠:
--------------------------------------------

مئوية القديس.
قبل أن أبدأ كلمتي؛ أُحب أن أقول: أنها بادرة خير أن يحتفي معرض القاهرة الدولي للكتاب بمئوية الرحل الكبير عبد الرحمن الخميسي، وعلها تكون أول الغيث...
===
في البداية أدهشني أن أُدعى للحديث عن القديس عبد الرحمن الخميسي، ذلك أن هُناك الكثيرين ممن يعرفونه ويملكون القدرة على الحديث عنه سواء على المستوى الإبداعي، أو على المستوى الإنساني بأفضل مما يستطيع شخصي المتواضع أن يفعل، فعلى مستوى الإبداع نجد أن الأجدر بالحديث عن الرجل نقاد الأدب، ونقاد المسرح والفن عموماً سينمائياً كان أم إذاعيا، بل ونقاد الموسيقى أيضاً، فعبد الرحمن الخميسي كما عرفته مصر وأمة العرب، كان شاعراً وقصاصا وكاتب مسرح وممثل ومخرج مسرحي وإذاعي وسينمائي، بل وكان كاتبا وملحنا للأغنية، فضلا عن كونه كشافا للمواهب في شتى مجالات الإبداع، أما على المُستوى الإنساني، فللراحل الكبير ثلاثة عشر ابنا وابنة، يعيش بيننا منهم اثنا عشر بعد رحيل الأبن الأكبر عبد الملك الخميسي رحمة الله عليه، فضلاً عمن مازالوا يعيشون بيننا من أصدقاءه وتلاميذه .
هذا ما دار بخاطري في البداية، فضلاً عن استهوالي لفكرة أن يتحدث مثلي عن هذا العملاق، لكني حين راجعتُ نفسي، وجدتني أستريح لفكرة أن تتاح لي الفرصة لأبث بعضاً من حُبي الشديد لهذا الرجل الذي لا أظن أنني قابلت له مثيلاً في حياتي، علماً بأن ظروف نشأتي أتاحت لي لقاء بل وصحبة الكثيرين من أعلام هذا الوطن العربي ومبدعيه، لكن يبقى عبد الرحمن الخميسي حالة مختلفة وتكاد تكون متفردة.
ورثت عن أبي حُب وصداقة عبد الرحمن الخميسي، ثم أورثتني محبتي للخميسي حب وصداقة أبناءه فصرتُ أتحرى من استطعت منهم وأسعى لصداقتهم بل ومؤاخاتهم.
كُل من على هذه المنصة بالتأكيد هم أجدر مني كما أسلفت بالحديث عن عبد الرحمن الخميسي المُثقف والمُناضل السياسي والمبدع متعدد المواهب، لكني أزعم أنني أمتلك بعضاً من الذكريات التي لن يستطيعوا أن يُباروني فيها في الحديث عن عبد الرحمن الخميسي الإنسان، رغم أن هناك ربما مئات الكتب والمقالات التي كتبها بكل الحب أصدقاءه وزملاءه وأبنائه وتلاميذه وعشرات القصص والنوادر التي تصنع صورة تقترب من حقيقة هذا الإنسان الحساس الرقيق والجدير بذلك اللقب الذي أجمع عليه كل من عرفوه ونودي به على مدار عقود: القديس، لكني أُباهي الأساتذة الكبار الذين أتاحوا لي مكانا إلى جوارهم على هذه المنصة بأنني عرفت عبد الرحمن الخميسي أبا وصديقا وجارا، بل ورفيقا أيضا.
بدأت علاقتي به قبل أن أولد، بل وقبل أن يتزوج أبي وأمي، كان أبي طالباً في كلية الحقوق حين بدأ العمل في الصحافة عام ١٩٥١، وكان الأستاذ عبد الرحمن الخميسي واحداً ممن تلقفوه في جريدة المصري وعلموه الصحافة حرفياً ( علموه) كما ذكر أبي في أكثر من موضع في كتاباته، لكن الخميسي بالذات ، إلى جانب أحمد أبو الفتح الذي كان أبي يعتبره أخاه الأكبر، في حين كان يعتبر عبد الرحمن الخميسي أباه الذي في الصحافة، علمه الخميسي ومرسي الشافعي وأحمد أبو الفتح الصحافة، وتولى الخميسي و الشافعي موهبته الأدبية في القصص القصير، ومنذ ذلك الوقت جمعت أبي والخميسي صداقة وأخوة، كان أبي يتعامل معه بإجلال وحب شديدين، في طفولتي كنت أرى الخميسي في بيتنا رجلاً طويلا بشوشاً لا يكف عن الابتسام والضحك وإضحاك من حوله، وكان يصعب أن ترى وجهاً عابساً أو حتى محايدا في حضرة عبد الرحمن الخميسي!
جمعتنا به أيضاً جيرة، أو شبه جيرة حين تزوج من جارتنا في العمارة الفنانة الشابة الجميلة فاتن الشوباشي، والتي غادرت دنيانا مبكرة جدا وفي ريعان الشباب بعد أن أنجبت له خالد وهند آخر عنقود قبيلة عبد الرحمن الخميسي الذي كان سعيدا بكثرة أبناءه وبناته (١٣) وكان يتمنى أن يعوض افتقاده لأخ حيث كان ولدا وحيدا ليس له سوى أخت واحدة، فكان يقول أنه يتمنى أن يسير في الشوارع فيقرأ لافتات الدكتور الخميسي والمحامي الخميسي إلخ حتى يخلد لقب الخميسي، والحقيقة أنه من حيث يدري ومن حيث لا يدري، تحقق له ما تمنى ، ليس فقط بكثرة الأبناء والبنات، وإنما لأن جُلهم صاروا من المُبدعين الحقيقيين في مختلف مجالات الإبداع، بل وأيضاً بعض الأحفاد مثل الفنانة لقاء عبد الملك عبد الرحمن الخميسي، كما تحقق له الخلود عبر عدد لا يحصى من التلاميذ ، والموهوبين الذين اكتشفهم، فنقرأ مثلا مذكرات الفنانة الجميلة سعاد حسني فنراها في جانب كبير منها كما لو كانت تكتب سيرة الخميسي، نكتشف مثلا أن عبد الرحمن الخميسي هو من اكتشف الفنان محمود شكوكو وقت أن كان نجارا لفرقة أحمد المسيري والتي كان عبد الرحمن الخميسي واحدا من أهم أفرادها، بل وأن الخميسي هو الذي صمم لشكوكو زيه الشهير، وهو من طلب من أحد المثالين في قرية قرب الأقصر أن يصنع تمثالا لشكوكو، ليصبح فيما بعد التمثال الشهير ( شكوكو بقزازة) ، لكن هذه المعلومات المتناثرة متاحة في العديد من المقالات والكتب، وكان يمكن لغيري أن يجلس هنا ويذكرها ، وبشكل أكثر تنظيما مما أفعل الآن، لذا أعود فأقول : أنا عرفت عبد الرحمن الخميسي ، عاصرته في سبعينيات القرن العشرين في بيروت حين كان يأتينا ويقيم ببيروت فترات طويلة يمارس فيها كل ما يستطيعه من مساهمات حقيقية في خدمة قضية فلسطين، وقضايا الاشتراكية والحرية والتقدم، وهو كان بالفعل مستطيعا بمواهبه وإرادته وتلك الشعلة المتقدة في صدره، في فترة من الفترات حل ضيفا علينا في شقتنا الصغيرة المكونة من غرفة واحدة وصالة حيث كنت أقيم مع أبي، في هذه الحيز شديد الضيق كان يحل علينا القديس ، ولتصدقوني ، كان المكان يتسع وتبلغ به الرحابة حتى أن سهرات يومية في شقة لا تتجاوز الخمسين أو الستين مترا تضم مثلا: الخميسي و فاروق القاضي ومعين بسيسو و سيد خميس وبراء الخطيب وزياد عبد الفتاح وحيدر حيدر وغانم زريقات وشوقي عبد الحكيم وحسن نشأت، وأحيانا محمود درويش ود. عبد القادر القط ، وفؤاد التهامي، ومحمد حمام حينا، وعدلي فخري أحيانا وغيرهم، يأتي فوج ويذهب فوج، وكلهم في الأساس وكأنما يحجون إلى الخميسي، كانت كل هذه المجالس المشتعلة بالنقاشات السياسية والقضايا الفكرية والثقافية و أيضا أحاديث الأصدقاء وذكرياتهم تدور في دائرة مركزها الأوحد عبد الرحمن الخميسي، كان ذلك يحدث دون سعي منه، فلم يكن أحد يسمح له بالسكوت ولم يكن هناك من يتململ أبدا من حديثه، كنت في السادسة عشر من عمري وحتى العشرين أتواجد بشكل يومي في هذه المجالس، وأتدخل بغلاظة سن المراهقة في الحوارات معترضا على ما يقوله هذا أو ذاك من قامات نضالية وثقافية، متسلحاً بكاتب أو كتابين قرأتهما، ولعلي لم أفهم ما قرأت تماماً، وبفضل عبد الرحمن الخميسي، وبفضل أخذه لكلامي مهما كان وزنه، على محمل الجد، كان الآخرون يحذون حذوه.
في صيف ١٩٧٥ كنت قد انتهيت من امتحانات الثانوية العامة، وسافرت مع والدتي وشقيقتي لنلحق بأبي في بيروت، وكان الخميسي يقيم في شقة صغيرة ببناية الجمال غير البعيدة عن بيتنا، وصلتنا نتيجة الثانوية العامة، وعدم نجاحي في اجتياز” مضيق “الثانوية العامة الشهير في ذلك العام.
في المساء حضر إلى بيتنا كالمعتاد الشاعر و الكاتب الكبير و السينمائي و الموسيقي و المناضل العملاق عبد الرحمن الخميسي فوجدنا و قد خيم علينا جميعاً الحُزن ، و أنا بالذات يُخالط حُزني خجل شديد من أُمي و أبي ، فاستنكر القديس عبد الرحمن الخميسي هذه الأجواء و أجلسني أمامه و مال بقامته المهيبة إلى الأمام ليواجهني عن قُرب مُحدقاً بعينيه العميقتين الطفوليتين في ذات الوقت في عينيَّ و قال لي : إن ما وتسي تونج زعيم الصين حين جهز جيشاً للمرة الخامسة محاولاً أن يُحرر بلاده من الاستعمار الياباني و هُزم قال : هذا مُجرد فشلي الخامس ! وعاود الكرة مرات ومرات حتى دان له النصر وحرر بلاده التي صارت من أعظم دول العالم بعد ذلك، ثُم أردف: إذن يا طارق هذا مُجرد فشلك الأول! فإذا بي أشعُر بالدماء تسري من جديد في عروقي وبشعور بالإصرار والاعتزاز بالنفس يحل محل شعور الخزي والخجل الذي كان مُسيطراً علىَّ قبل قليل، ثُم نهض القديس واقفاً آخذاً بيدي و أعلن: “ح ا ننزل أنا و طارق نتمشى شويه في الحمرا، و لم يعرض على أي من الموجودين النزول معنا …
وبالفعل نزلنا إلى شارع الحمرا وأخذنا نتمشى ونتبادل الحديث - ذلك العملاق الخميسي وأنا - كأي صديقين من ذات الجيل! وأخذ القديس يروي لي من حكاياته وطرائفه التي لا تنضب وأنا مع كُل خطوة وكُل كلمة أشعُر بقامتي تزداد طولاً وهامتي تطاول عنان السماء وأنا أسير مع صديقي عبد الرحمن الخميسي! و الذي على الرغم من قدم علاقة أسرتي به رفيقاً و صديقاً بل و جار أيضاً في القاهرة، و برغم أن حظي من الجلوس إليه والاستماع إلى حديثه كان كبيراً لكنها كانت المرة الأولى التي يختصني منفرداً بحديثه و صحبته … حتى وصلنا في شارع الحمراء إلى هذه الصيدلية التي تظهر في الصورة: صيدلية ج. شاكر، و لما كان القديس عبد الرحمن الخميسي في تلك المرحلة من العُمر مولعاً بتشخيص الأمراض لنفسه و وصف الدواء بالتبعية ، حتى أنه في إحدى المرات شخص لنفسه نوبة قلبية فضحك أبي و قال له بل عله انتفاخ بالمعدة إثر وجبة لبنانية دسمة أدى إلى أن ضغط الحجاب الحاجز على صدره فسبب ألماً توهمه الخميسي نوبة قلبية ، و قدم له أبي حبتين من دواء للهضم اسمه “ فستال “ و بالفعل بعد وقت بسيط زال الألم فهلل الخميسي مُشيداً “ بعبقرية أبي الطبية “ و أقسم أن يفتح له عيادة يُمارس فيها “ هواية “ الطب !!!
استطراداً: لما كان الأمر كذلك بالنسبة للقديس عبد الرحمن الخميسي كما أسلفت: يُشخص لنفسه الأمراض ويصف الدواء، فما أن وقع بصره على هذه الصيدلية حتى أخذني من يدي ودلفنا إلى داخل الصيدلية حيثُ أخذ “يتسوق “تشكيلة متنوعة من الأدوية باهتمام واستمتاع بالغين، وقبل أن يدفع الحساب لنخرج من الصيدلية توقف فجأة وكأنما تذكر شيئاً هاماً ونظر إلى وجهي مُتفحصاً (وكُنت في سن السادسة عشر) ثُم انتقى من فوق أحد الأرفف فُرشاة حلاقة من ماركة أوميجا الفاخرة وأهداها لي فكانت أول عهدي بأدوات حلاقة الذقن! و حتى يومنا هذا ، و على مدار أربعة عقود كاملة من الزمان ما زلت أستخدم ذات الفُرشاة بعينها و لا أتصور لها بديلاً رغم ما وضع عليها الزمان من بصمات و ما أصاب شُعيراتها من شيخوخة و جفاف ، لكني لا أملك ترف الاستغناء عن هدية صديقي الكبير عبد الرحمن الخميسي الذي لا أنسى يوم كُنت عائداً في أجازة إلى القاهرة وحدي فجلس يُحملني بالرسائل الشفوية و الوصايا العاطفية حتى بكى بالدموع و هو يُعبر عن افتقاده للعودة إلى مصر قائلاً : أنا عبد الرحمن الخميسي إسمي محفور على كُل حجر في مصر و لا أستطيع أن أعود إلى أحضانها و أن أسير في شوارعها و أجلس في مقاهيها ، لاعناً من تسبب في هذا الوضع …
بعد توقيع الرئيس السادات لاتفاقية سيناء الثانية قام عدد من المثقفين والكتاب والمناضلين المصريين بالخارج بإصدار بيان إدانة شديد اللهجة، وبالطبع كان الخميسي في طليعة الموقعين، وفوجئت بعدم توقيع أبي على البيان، وكان وقتها مديرا لمكتب روز اليوسف بلبنان إلى جانب رئاسته لتحرير وكالة الأنباء الفلسطينية، وعمله كمستشار صحفي لأبو عمار، غضبت جدا وشعرت بالمهانة ، وكانت السهرة في تلك الليلة أشبه بمعركة بيني وبين أبي، وحاول الحاضرين إفهامي فلم أكن أستمع لأحد، حتى تحدث الخميسي بصوته العميق فصمت الجميع فقال لي يا طارق أبوك الوحيد فينا اللي لسه بيقدر يروح مصر ويرجع، وده مفيد لينا كلنا سياسيا وعائليا كمان ( طبعا هذا الوضع تغير بعد المبادرة وفصل أبي من روز اليوسف و اتهم ضمن ١٩ شخص في قضية لقلب نظام الحكم كان على رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي، وضمنهم بالطبع عبد الرحمن الخميسي......) واحنا اللي رفضنا إنه يوقع عشان هذا السبب، هنا فقط اقتنعت، رغم أن نفس هذا المضمون سبق ذكره على لسان آخرين أكن لهم جميعا كل الاحترام، لكن كون الخميسي يقوله له وقع آخر، لأني كنت أعرف إن الخميسي بالذات كتلة واحدة، بمعنى أنه لا هوادة عنده في الأمور المبدئية، فلا يُمكن أن يُصاحبك على المستوى الإنساني فيبتلع لك مواقف غير مبدئية، هو الخميسي نفسه اللي أطلق اسم أحمد أبو الفتح على ثاني أبناءه الذكور حبا وعرفانا لأحمد أبو الفتح رغم أن انحيازاتهما السياسية والطبقية على طرفي نقيض، لكن كلاهما كان يعلم مبدئية ونزاهة الآخر.
في إحدى ندوات المعرض منذ أيام تحدث شاعرنا الكبير زين العابدين فؤاد عن العلاقة، أو بمعنى أصح، الأزمة بين المثقفين والسلطة، والقديس الخميسي هو واحد من أكثر النماذج وضوحا لهذه الأزمة، فنراه في الخمسينيات يعتقل تارة، ويفصل تارة، وينقل في إحدى المرات من جريدة الجمهورية إلى شركة باتا للأحذية، وتنشر الجريدة في نفس اليوم وفي نفس المكان المخصص لكتاباته؛ إعلانا لـ باتا!
ويحضرني هنا أحد المواقف التي تفسر، ضمن مواقف أخرى كثيرة، استحقاق الخميسي للقب القديس دون منازع:
فحين تم فصل عددا من الصحفيين من صحفهم في الخمسينيات، ذهبوا إلى مقر نقابة الصحفيين وجلسوا يتدارسون أمرهم وأحوالهم المعيشية وحضر الخميسي ليجد حالة عامة من الحزن، فخرج من النقابة متجها إلى مكتب وزير الثقافة مباشرة، وتجاوز السكرتارية وفتح الباب علي الوزير الذي قام منتفضا ومرحبا إذ كان يعرف الخميسي ويعرف قدره، فعاجله القديس قائلاً : أنا يا إبني عبد الرحمن الخميسي اللي بكتب شعر و"كلام فارغ" في الجرايد، ومحتاج شوية ورق عشان بـ اعمل كتاب( وكان وقتها صرف ورق الطباعة مدعوماً يتم بإذن صرف، فرحب الوزير ووقع له "إذن ورق" أخذه الخميسي وذهب إلى حيث باعه بمبلغ كبير وعاد إلى حديقة النقابة ليوزع المبلغ كاملاً وبالتساوي على الصحفيين الموجودين في المكان، ثم اقترض ربع جنيه من أحدهم ليركب تاكسي ويعود إلى بيته.
أكاد أسمع البعض يسر لنفسه قائلً: ما هذه الأساطير العاطفية التي يرويها، فأجيب، هذه "الأساطير" حقائق بديهية عاشها ومارسها رجل لم يستحق أن يلقب بالقديس دون سبب.
أما في عهد الرئيس السادات، ولسنوات بعد رحيله، فقد كان ذكر اسم عبد الرحمن الخميسي منطوقاً أو مكتوباً من المُحرّمات، حتى أننا شاهدنا في تلك الفترة فيلم الأرض يعرض على شاشات التلفزيون مراراً وقد تمت " منتچة" اسم الخميسي من التتر، رغم أنه يظهر طوال الفيلم في دور رئيسي هو دور الشيخ يوسف البقال، وكان حذف الاسم سهلاً لأنه كان يظهر وحده علي الشاشة بحجم ضخم: بالاشتراك مع الفنان الكبير عبد الرحمن الخميسي، هكذا كان قدره الذي عرفه وحفظه صناع الفيلم.
في إحدى العواصم العربية التي عاش بها الخميسي لفترة وبمناسبة مغادرته لها، أقيم حفل لتكريمه قبيل الذهاب للمطار، ولأنه الخميسي، ولأنه لا يسكت على ما لا يعجبه ولو على سبيل المجاملة فد أنشد في الاحتفال الأبيات التالية:
وعشتُ في مدينة الزُجاج والعلب
مدينةُ الرياء والنفاق والكذب
حيثُ كل شيء تشتريه بالذهب
المرأةُ الحسناء، والحذاء، والشنب.
سكت البعض وكأن على رؤوسهم الطير، وكتم البعض ضحكاتُ الرضا عن مضمون كلامه بمن فيهم بعض من أهل البلد!
في إحدى سفراتي من بيروت إلى القاهرة في الأجازة الصيفية جلسنا القديس وأنا وحدنا في شقته ببناية الجمال ليحملني ببعض الرسائل الشفهية لبعض الناس في القاهرة، استرسل في حديث الذكريات ثم انهمرت من عينيه الدموع وقال لي : وحشتني مصر، وحشتني القاهرة، أنا عبد الرحمن الخميسي إسمي محفور عى كُل حجر في القاهرة ، ولا أستطيع العودة إليها والمشي في شوارعها وحواريها، وأخذ يصب لعناته علي من تسبب في ذلك.
في إحدى الجلسات غنى لنا الخميسي مقطع قصيرا جدا كان قد ألفه ولحنه في المعتقل في الخمسينيات، كنت أصغر الموجودين كالعادة ورغم ذلك أحضرت كاسيت أبي استأذنت القديس أن يعيد الغناء ففعل وسجلت المقطع لأحتفظ به لأكثر من أربعة عقود، ثم تجمعني صداقة وأخوة مع نجله الكاتب الكبير د. أحمد الخميسي لأهديه التسجيل فيخرجه في فيديو قصير ويضعه على صفحة عبد الرحمن الخميسي على فيسبوك، وعلى يوتيوب، وكأنما استجاب لي القديس في ذلك اليوم البعيد ليصل صوته إلى أجيال جديدة من المصريين.
أتمنى على أبناء القديس وعلى الهيئة المصرية العامة للكتاب أن يتعاونوا لإعادة طبع الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الخميسي، كما أتمنى على أصحاب حقوق النشر لكتاب الراحل الكبير يوسف الشريف عن الخميسي وعنوانه: القديس الصعلوك أن يعملوا على إعادة نشره فتتعرف أجيال جديدة على القديس؛ وأيضا على قلم الراحل الكبير يوسف الشريف.
كما أتمنى على دار الأوبرا المصرية، والتي يجلس على رأسها فنان كبير ينتمي لواحد من أرقى أنواع الفنون، أن يبادروا إلى حل مشكلة إغفال اسم الخميسي من على أوبريت الأرملة الطروب الذي قام بتعريبه، وكذا حفظ الحق الأدبي والمادي لورثة القديس.
وأخيرا أتمنى على الجهات المعنية أن تضع اسم الخميسي على شارع في مدينة المنصورة وشارع في القاهرة، أو، وهذا أضعف الإيمان، تضع اسمه على بيت سكن فيه في إطار التقليد الجميل المتبع حاليا والذي تقوم به على ما أظن هيئة التنسيق الحضاري: هنا عاش عبد الرحمن الخميسي.
فإن لم تفعل فيقيني أنه في زاوية ما من قلب مصر محفور بحروف من نور عبارة: هنا عاش ويعيش عبد الرحمن الخميسي.
وشكرا.
------------
طارق فهمي حسين.
مئوية القديس عبد الرحمن الخميسي.
معرض القاهرة الدولي للكتاب.
٢ فبراير ٢٠٢٠




الثلاثاء، 21 يناير 2020

ماجدة الصبّاحي.


تم عرض فيلم أين عُمري عام ١٩٥٦ وظهرت في أحد مشاهده الفنّانة الجميلة ماجدة، بطلة الفيلم، وهي ترتدي فُستان الفرح ويُزين رأسها الجميل "بونيه" وطرحة الزفاف.
روت لي أُمي( رحمها الله) أنها كانت في ذلك الوقت في فترة التحضير لحفل زفافها إلى أبي( رحمه الله) والذي تم في ١٥ نوفمبر ١٩٥٧ ، فلما شاهدت الفيلم انبهرت بجمال ماجدة وأُعجبت بالفُستان والبونيه، وكانت مجلة الكواكب في ذلك الوقت تنشُر عناوين مشاهير النجوم لهواة المُراسلة، فقامت أُمي بكتابة خطاب إلى الفنّانة ماجدة الصبّاحي تُخبرها فيه بأنها أُعجبت جداً بالفُستان والبونيه، وأنها عروس تستعد للزفاف، وطلبت منها إسم وعنوان الخيّاطة التي صنعت لها فُستان الزفاف في فيلم أين عُمري، فما كان من الفنانة ماجدة إلا أن أرسلت لأُمي خطاب رقيق تُهنئها فيه على الزواج وتتمنى لها حياة سعيدة وتُبلغها بإسم وعنوان الخياطة ( وكانت خياطة شهيرة في ذلك الوقت تمتلك أتيليه ومعروفة للفنّانين، على ما أتذكر كان إسمها " أمنس"حسب ما روت لي أُمي ، لكن، وهذا هو الأهم والأجمل: كان مع الخطاب " طرد" صغير يحتوي على البونيه نفسه الذي وضعته ماجدة في الفيلم، ومعه باترون الفُستان لتستخدمه أُمي لتنفيذ الفُستان في حال لم تتمكن من تفصيله عند الخيّاطة الشهيرة!
وبالفعل ذهبت أُمي إلى "أمنس " وفصّلت عندها فُستان الزفاف مع تعديلات بسيطة تُناسبها، ووضعت البونيه على رأسها الجميل يوم الزفاف مع الطرحة.
هذا ملّمح روته لي أُمي عن الفنّانة الجميلة بالغة الرقة والعذوبة ماجدة الصبّاحي، ورُبما كانت هذه الواقعة أحد أسباب عشقي الشديد لهذه الفنّانة مُنذ الطفولة.
                                                                                                       طارق فهمي حسين
                                                                                                                            القاهرة- ١٧ يناير ٢٠٢٠

-------------------------
قامت مجلة "هُنَّ" بنشر موضوع حول هذه الواقعة:
 https://honna.elwatannews.com/news/details/2046548/%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%87-%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%B3%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84%D8%A9?fbclid=IwAR2iMQ2T3cd7XN6uW1whIj_v7jj07sq0gzkt30cMZttXJeQ48iIkOgA5fSE
------------------------
كما قامت قناة صدى البلد٢ بإجراء مُداخلة تليفونية معي بخصوص نفس الواقعة عبر برنامج: In Box:
 https://www.youtube.com/watch?v=QpS8_fbVP-8&feature=share&fbclid=IwAR1mpWp0OvB9HKpP2YeEnIjXRbc9qjdqXnDRGxWSpbjkp-2l4jlq5bA5YXs
-------------
وبوابة أخبار اليوم:
------
 https://honna.elwatannews.com/news/details/2046548/%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%87-%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%B3%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84%D8%A9?fbclid=IwAR2iMQ2T3cd7XN6uW1whIj_v7jj07sq0gzkt30cMZttXJeQ48iIkOgA5fSE

الأربعاء، 15 يناير 2020

ابن جمال عبد الناصر.

إبن جمال عبد الناصر…
===========
في طفولتي في تلك الستينيات الناصرية المجيدة كنت كثيرا ما أبيت أياما وليالي في بيت جدي لأمي الحاج محمد الحكيم تاجر الجلود ذو الاصول المغربية، بعطفة شمس في حارة الروم بحي الغورية العريق العظيم، كان لجدي وجدتي في ذلك الوقت أكثر من حفيد، لكني كنت ذلك الحفيد الذي يأتي من"وسط البلد" من شارع تعبره السيارات في كلا الاتجاهين فضلا عن خط الترام الذي يخترق الشارع بطوله، وبالتالي ففي شارع رشدي بوسط البلد لا يوجد اطفال ولا صبية ولا حتى شباب يلعبون بالشارع أو يقفون عند النواصي، والتزاما من جدي وجدتي ،وأخوالي أيضا، "بظروفي البيئية " كنت الحفيد الذي لا يسمح له بالنزول ليلعب في الحارة وسط جميع أطفالها، لكن كان يسمح لي بالجلوس إلى جوار جدتي الصعيدية الجميلة زينب مصطفى حسن ،والتي تمت بصلة قرابة قوية إلى عميد الأدب العربي د.طه حسين ( ابن عمتها حسبما أتذكر) ، كان يسمح لي بالجلوس إلى جوارها في البلكونة لأراقب أطفال الحارة وهم يلعبون، كان بيت جدي، وما زال يقع في نهاية الحارة ويسدها، نعم، كانت "عطفة شمس" ومازالت حارة سد، يسدها بيت الحاج محمد الحكيم.
البيت إذن، والبلكونة، متعامد على الحارة، ولما كانت شقة جدي تقع في الدور الأول بعد الأرضي( فوق شقة خالي هاشم) فكان ذلك يتيح لي مشاهدة بانورامية للعطفة بكاملها، وكذا سمعا واضحا لكل ما يدور بين الأطفال اللاهين على بلاط العطفة الفاطمي القديم النظيف دائما بفضل جهود أهل الحارة في تلك الأيام.
تعلمت بالمشاهدة الكثير من ألعاب زمن طفولتي: تريك تراك والسبع طوبات، ولمس الحمام، وكيكه ع العالي واللعب بالبلي وغيرها، لكن بقيت في ذاكرتي عبارة عظيمة الدلالة لا أظن أن لها مثيلا في ثقافات أطفال شعوب أخرى، كان أطفال الحارة يتحدون بعضهم البعض في أداء حركة صعبة ما، او في تحقيق هدف ما في لعبة البلي مثلا او غيرها، وكانت العبارة الوحيدة الشهيرة لإعلان التحدي بينهم هي : "تبقى ابن جمال عبد الناصر لو عرفت تعمل الحركة دي"
نعم، هكذا!
كان أطفال الحارة الشعبية المصرية يرددون هذه العبارة دائما، وكأن جائزة التفوق على الآخرين أو إنجاز ما لا يقدر عليه أحد تتمثل في استحقاق أبوة جمال عبد الناصر!
كانت هذه العبارة تقال على مسمع من الآباء والأمهات ، ولم أر او أسمع يوما أب أو أم من أهل الحارة ينهون أولادهم عن قولها، أو يتململون من سماع أطفالهم يستبدلونهم بجمال عبد الناصر!
هل كان الانتماء لهذا الرجل بالبنوة منتهى الأمل لأطفال حارتنا لأنه يحبهم كما يحبونه؟ أم لأنهم -في زمنه- يجلسون في الفصول في المدارس كتفا بكتف إلى جوار أبناء جميع فئات وطبقات المجتمع؟ يرتدون نفس الملابس من نفس القماش وتتاح لهم الفرصة الكاملة والعادلة للتعليم والتفوق على أبناء الزمالك ومصر الجديدة وجاردن سيتي مثلا، هل كان اطفال حارتنا يعون ذلك حقا؟ ، أم كانوا يشاهدون صور أبنائه فلا يجدون فارقا كبيرا بينهم وبين انفسهم ؟ هل هي فطرة الاطفال وفراستهم التي يولدون بها مثلا؟
لا أدري، ولا املك إجابة، ربما كان كل ذلك معا، ربما كانوا يرون مجتمعا يشبون فيه فيرون آباءهم العمال والحرفيين يمشون في الحياة مرفوعي الرؤوس موفوري الكرامة، يتعاملون بندية واحترام متبادل مع الطبيب والمهندس وأستاذ الجامعة، ربما.
عن نفسي، كنت طفلا لا يفوت خطابا لجمال عبد الناصر، أسمعه من أول "أيها الإخوة المواطنون… إلى:" والسلام عليكم ورحمة الله"
كنت أسمعه وأراقبه، وأستوعب كل حرف ينطقه، ثم أناقش ابي وأستفسر منه عن كل ما استغلق علي فهمه وأنا طفل دون العاشرة ببضع سنوات، وحتى رحيل عبد الناصر وأنا تلميذ بالإعدادي.
كنت اعرف أسماء أبنائه وبناته جميعا، وأعرف شكل كل منهم، بل وأميل بعواطفي البريئة نحو طفلته منى بشعرها الناعم وابتسامتها المضيئة وعيناها الكحيلتين كعيني أبيها!
كنت أغبط خالد الذي يظهر في الصور وهو يمشي إلى جوار أبيه مرتديا بذلة وربطة عنق صنعت في المحلة الكبرى كحال بذلة وربطة عنق أبيه، يسير إلى جواره، ويحمل بعض ملامحه وذات وقاره، يراه يوميا ويعيش معه ويتحدث إليه باستمرار، كنت أنا، بالمناسبة، طفلا أكثر تأنقا بوضوح من أبناء عبد الناصر !
كنت - على خلاف أطفال حارة جدي- لا أصل بحبي لعبد الناصر إلى التمني بان اكون "إبن جمال عبد الناصر" إذ تصادف أن لي أب لا أقايضه بكل آباء العالم، لكني بالتأكيد كنت أتمنى أن أرى جمال عبد الناصر، وكنت أختزن الكثير من الكلام والآراء، بل وأحيانا الاعتراضات التي كنت أود ان أفضي بها إليه!
**
صورة في جيبي
====
في كثير من أيام الجمعة كان جمال عبد الناصر يذهب لأداء الصلاة في الجامع الأزهر الشريف، وكثيرا ما تصادف ذلك مع ذهابي مع أمي إلى بيت جدي بحارة الروم، كان الريس يمر بسيارته المكشوفة عبر شارع الأزهر، وكان الناس يتزاحمون على جانبي الطريق ليروه ويبادلونه التحية، وكنت طفلا صغيرا قصير القامة، فكانت أمي تحملني فوق أكتافها في محاولة لتمكيني من مشاهدة عبد الناصر، ولما كانت أمي لا تتمتع بالطول الفارع، كما انها لا تملك مزاحمة الجموع وتقدم الصفوف، فلم أتمكن يوما من مشاهدة الرجل خارج شاشة التلفزيون وصوره المنشورة بالصحف، كنت عند كل محاولة فاشلة لرؤيته أبكي بالدموع وأصيح وسط الناس :كنت عايز أشوفه، كنت عايز أوريله صورته! فينظر نحوي أحد الواقفين متعاطفا ويخاطب امي: ما توديه يا ست رياسة الجمهورية، ح يخلوه يقابل الريس اكيد.
نعم، كنت أحمل في جيبي كلما خرجنا من البيت صورة لجمال عبد الناصر، ولا أدري اليوم ماذا كانت أهمية أن يرى عبد الناصر صورته التي أحملها في جيبي؟! لكنها سذاجة الطفولة، وحب جارف لرجل استحقه بكل تاكيد من طفل مثلي، ومن أطفال حارة الروم، ومن الفلاحين في قريتنا الصغيرة، والعمال في الورش والمصانع، وحتى من أصحاب المقاهي وباعة العصير الذين مازال الكثيرين منهم يزينون حوائط مقاهيهم ومحلاتهم وبيوتهم بصور جمال عبد الناصر ، وحين غادر عبد الناصر دنيانا كان واحدا من اسباب بكائي بحرقة على رحيله أن باب احتمالات لقائي به قد تم إغلاقه، في الدنيا على الأقل.
**
إلحق يا بابا…
========

كنا نسكن في ٣ شارع رشدي بوسط القاهرة، الشارع يتقاطع مع شارع محمد فريد الذي يمر بمحاذاة ميدان وقصر عابدين، بلكونة غرفة الصالون القبلية تتيح رؤية بعض من أجزاء شارع محمد فريد في الجزء القادم من ميدان الازهار حتى شارعنا، لكن بعض البيوت تحجب رؤية ميدان وقصر عابدين وبعض من أجزاء الشارع.
أما البلكونة البحرية، والتي تقع في غرفة نوم والداي فتطل على واجهة العمارة في شارع رشدي لكن العمارة المجاورة لنا تحجب تماما رؤية امتداد شارع محمد فريد من تقاطعه مع شارعنا وحتى ميدان مصطفى كامل وما بعده.
تكرر كثيرا مرور عبد الناصر بسيارته المكشوفة أيضا مخترقا شارع محمد فريد، ودائما ما كان أبي يذكرني ضاحكا بمشهد متكرر يمثل إحدى أطرف نوادر طفولتي:
أبي نائم في غرفته، تتعالى أصوات تجمهر وهتافات آتية من شارع محمد فريد، أنتبه إليها، أركض إلى بلكونة الصالون، أسمع جارتنا في البلكونة فوقنا:عبد الناصر معدي في الشارع، تتضاعف سرعة دورتي الدموية وأحاول رؤية بابا جمال من بلكونة الصالون فلا أتمكن، أركض إلى بلكونة غرفة أبي فلا أرى عبد الناصر، هنا وهناك أرى جموع الناس وأرى انعكاس مرور عبد الناصر على وجوههم المتهلله وأذرعهم الملوحة، ولا أرى الزعيم، أواصل الركض بطول الشقة مراوحا بين الشرفتين دون كلل ، وتعلوا عقيرتي الصغيرة الحادة :
" إلحق يا بابا…فلتحيا جمال عبد الناصر"، هكذا بالنص"فلتحيا"
لا يبدو لركضي ولا لهتافي من نهاية، "إلحق يا بابا، فلتحيا جمال عبد الناصر"
يستيقظ أبي غارقا في الضحك، مستفهما:"ألحق "اعمل ايه بس؟!
لا تنتهي كل تلك الجلبة التي أحدثها حتى ينتهي مرور عبد الناصر وأتحقق من ذلك برؤيتي لتفرق الجموع وعودة الهدوء إلى الشارع…
هكذا كان عبد الناصر لدى طفل من زمن عبد الناصر، أطفال ذلك الزمان كانوا غير أطفال اليوم، كانوا أطفال عبد الناصر وزمن عبد الناصر، كنا اطفالا يستطيع التاريخ ان يعول على فطرتنا وعلى بوصلتنا.
**

بابا جمال.
=====
في سبعينيات الردة، وقفت خطيبا في أحد المحافل في عاصمة النضال بيروت الأبية وقت كانت تحتضن النضال الفلسطيني، وقفت خطيبا بصفتي ممثلا لاتحاد الشباب الديموقراطي المصري في لبنان، وكانت المناسبة ذكرى ميلاد عبد الناصر، كنت في التاسعة عشر من عمري، إي أنني غادرت الطفولة وغادرتني منذ سنوات، وكان في مقدمة الحضور قيادات فلسطينية ولبنانية كبيرة، مازلت أتذكر الاخ أبو إياد المناضل الأسطوري وعيناه المحدقتين بي وهو جالس في الصف الأول، وأنا -على تواضع شأني- أعتلي المنصة ممسكا بالميكروفون لأتحدث عن جمال عبد الناصر في ذكرى ميلاده، فلم أجد ما أبدأ به حديثي أصدق وأهم من أن أقول أنني أنتمي إلى جيل عرف جمال عبد الناصر، أول ما عرفه، بصفته: "بابا جمال"…عاش جمال عبد الناصر ومات أبا للفقراء والكادحين، ولأطفال الحواري والقرى والنجوع، ولأطفال فلسطين في المخيمات والمنافي وتحت الاحتلال، عاش ومات أبا للثورة في العالم الثالث كله، عاش ومات أبا لاطفال عطفة شمس الذين كانوا يتسابقون حول من منهم يستحق الجدارة بأن يكون "إبن جمال عبد الناصر" 

طارق فهمي حسين
١٥ يناير ٢٠٢٠
-------------------------------
تم نشر هذا الموضوع بمجلة الوعي العربي:
----------------------
 http://elw3yalarabi.org/elw3y/2020/01/15/%D8%A5%D8%A8%D9%86-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1/
 

السبت، 30 نوفمبر 2019

٠٠٠ كُنتُ سادسهُم.

٠٠٠ كُنتُ سادسهُم.




#ومضة_من_الذاكرة:
مُنذ يومين قرأتُ منشوراً على الصفحة الجميلة بالفيسبوك : Classic  يُذّكر بسلسلة " المُغامرون الخمسة" الشهيرة، فومضت في ذاكرتي مشاهد:
في عام ١٩٦٩ أو ١٩٧٠، لا أتذكر علي وجه التحديد إتصل الأُستاذ مُنير حافظ مُدير مكتب وزير الإعلام بوالدي الكاتب الصحفي فهمي حسين، ودعاه لمكتبه ليُخبره بقرار الوزير محمد فائق بانتدابه من عمله  بمجلة روزاليوسف ليعمل مُستشاراًَ لتحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، وكان رئيس تحريرها الكاتب والصحفي محمود سالم مؤلف سلسلة المُغامرون الخمسة، وهي السلسلة التي لاقت نجاحاً عظيماً وشعبية كبيرة على مدار أجيال من النشء ، وربما كان جيلي هو أول تلك الأجيال بحُكم تزامُن الانطلاقة الأولى للمُغامرين الخمسة مع نشأتنا .
في أحد أيام العُطلة المدرسية اصطحبني أبي معه إلى مكتبه بمجلة الإذاعة والتلفزيون، وكعادته كان يُقدمني لزملائه وزوار مكتبه بصفتي المُستقلة أولاً: طارق - تلميذ بالابتدائية - رسام هاوي وقارىء جيد... إبني الكبير!
وكان من حظي في ذلك اليوم أن التقيت بالأُستاذ محمود سالم الذي استقبلني ببشاشة وود كبير، وسألني إن كُنت أقرأ " المُغامرون الخمسة" ؟ فأجبت بالنفي وبأنني أسمع الإسم للمرة الأولى، فمد يده في حقيبة جلدية وأخرج كتاباً صغيراً وأمسك بقلمه وكتب لي إهداءاً رقيقاً قبل أن يناولني الكتاب ، حين أمسكت بالكتاب ذو الغُلاف الجذاب والقطع المُحبب في اليد لاحظت أن هذا هو العدد الثالث من السلسلة، فظهر على وجهي الإحباط وسألته عن العددين السابقين، ومن أين يُمكن أن أحصل عليهما؟ فتهلل وجهه لاهتمامي ووعدني بأن يُرسل لي مع أبي العددين ،كما وعدني أبي بالمُداومة على تزويدي بقادم الأعداد، والتي كانت تصدر شهرياً.
حين عُدت إلى البيت لم أشرع فوراً- كعادتي - في قراءة الكتاب، وذلك انتظاراً لوصول العددين السابقين أولاً، فتلك كانت- ومازالت - عادتي في القراءة، الالتزام بالترتيب حتى في نفس الكتاب: دواوين الشعر ، ومجموعات القصص القصيرة...إلخ ، لا أسمح لنفسي بمُخالفة الترتيب الذي اختاره المُبدع وارتضاه لكتابه، حتى وإن سمحت طبيعة الشعر والقَصص القصير بذلك، فيقيني مُنذ الصِغر أن الكاتب بذل جهداً ما، ويملك حكمةً ما في ترتيب ما يكتُب، وأنني إذا خالفت هذا الترتيب في قراءتي، فسينطوي هذا،أولاً، على عدم احترام للكاتب، وهذا أمرٌ لا يليق ، وثانياً سأكون أنا - كقارىء- الخاسر الأساسي إذ ستفوتني الحكمة التي انطوى عليها هذا الترتيب.
ظللتُ بقية اليوم أتحرّقُ شوقاً لقراءة اللُغز، أروح وأجىء لأُمسك بالكتاب، أتفحص غلافه، والغُلاف الخلفي مُتفحصاً رسوم الشخصيات والأسماء المكتوبة تحتها، وأفتح الغُلاف لأقرأ الإهداء الرقيق الذي خصّني به الأُستاذ محمود سالم، ولا أجرؤ على أكثر من ذلك...
لم يطل انتظاري إذا عاد أبي من "المجلة" في اليوم التالي مُباشرة ومعه العدد الأول والثاني مصحوبان بتحية من الأُستاذ محمود ، وإهداء جديد أكثر رقة ووداً على العدد الأول: لُغز الكوخ المُحترق" حسب ما أتذكر...

انكببت على قراءة اللُغز تلو الآخر الأمر الذي سحبني إلى داخل عالم الصبية الخمسة أبطال المُغامرات حتى صرتُ سادسهم، أو هكذا ظننت في ذلك الوقت، وعشت مع عالم "المُغامرون الخمسة" على مدار سنوات صدور السلسلة.
***
في سنوات الثمانينيات والتسعينيات جذبني حُب فن التمثيل، والتحقتُ بالقسم الحُر بالمعهد العالي للفنون المسرحية- قسم التمثيل ، وخُضت بعض تجارُب التمثيل على مُستوى الهواية والاحتراف معاً، وفي إطار طرق أبواب البحث عن فُرص لمُمارسة هوايتي الجميلة علمت أن المُخرج أشرف سالم ( وكان وقتها مُساعداً للإخراج) هو إبن الأُستاذ محمود سالم صديق طفولتي وكاتبي المُفضل لسنوات، فطلبت من أبي أن يتصل بالأُستاذ محمود سالم ليُعرفني بإبنه، وكالعادة تململ أبي من طلبي مُستنكراً لجوئي للوساطة، حتى لوكانت وساطته الشخصية لدى صديق وزميل له.
- ماتكلمه انت، هو مش كان صاحبك انت كمان؟
- يا بابا الكلام ده من ميت سنة، وبعدين أنا ما عنديش وسيلة اتصال به.
 - خلاص إكتب رقم تليفونه:......
اتصلت بالأُستاذ محمود سالم، وما أن ذكرت له اسمي ثُلاثياً حتي انطلق مُرحباً بحرارة:
- أهلاً أهلاً أهلاً
- ...
- طبعاً فاكرك ، حد ينسى واحد من قُرائه الأوائل ؟!
.....
ضرب لي الأُستاذ محمود سالم موعداً في اليوم التالي مُباشرةً في مكتبه الشخصي في ٢ - أ -شارع طه حسين بالزمالك( حسب ما أتذكر )
وصلت في الموعد لأجده في انتظاري بنفس بشاشته ووده القديم، استقبلني بالأحضان رغم أن كُل ما جمعني به من قبل كان ذلك اللقاء الوحيد القديم ، رسم الزمن الكثير من الخطوط على ملامحه الطيبة، كما لم يترُك في شعر رأسه مجالاً لغير اللون الأبيض، لكن تلك النظرة الطفولية المُفعمة بالحياة لم تُفارق عينيه.
جلستُ إليه طويلاً، وأشعرني كما لو أنه قد خصص يومه بالكامل فقط للقائي!
أسرّ لي في ذلك اليوم أنه حين شرع في كتابة المُغامرون الخمسة، واختار حي المعادي الهادىء مقراً لسُكناهُم، وساحةً لمُغامراتهم بسبب طبيعة الحي وشوارعه ومُناسبتها لجولات خمسة من الصبية المُستمرة بالدراجات ، قرر اختيار المعادي رغم أنه لم يكُن من سُكان هذا الحي أبداً ، بل لم يكُن حتى قد زاره من قبل !!!
لكنه ظل شهوراً قبل الشروع في الكتابة يركب " قطر حلوان " يومياً وينزل في محطة المعادي أو محطة ثكنات المعادي ، ويتجول بالساعات يقرأ أرقام الشوارع ويتعرف علي المعالم الرئيسية ويتحدث مع الباعة في المحلات والأكشاك ويُدون كُل ذلك  فجاءت المُغامرات بكُل هذا النجاح في نقل أجواء المعادي على هذا النحو المُبهر والذي يعرفه جيداً الملايين من جمهور المُغامرون الخمسة!
فاجأني أيضاً في ذلك اليوم بمعلومة أنه - إحصائياً- الكاتب العربي الأكثر مبيعاً في العالم مُتجاوزاً نجيب محفوظ نفسه وذلك بفضل هذه السلسلة!
كما حكى لي أن الرئيس القذافي دعاه لزيارة ليبيا واستقبله وطلب منه أن يكتُب سلسلة مُغامرات للأطفال تدور أحداثها في ليبيا وتكون شخصياتها من الأطفال الليبيين، فأوضح له الأُستاذ محمود سالم أن هذا يستدعي أن يُقيم في ليبيا على الأقل لعدة شهور يكون خلالها حُر الحركة تماماً بعيداً عن القيود الرسمية حتى يُلم بالأجواء ويستطيع الكتابة، فوافق القذافي علي الفور.
تتداعى الذكريات علي نحو لايبدو له من نهاية، وألمح قارئاً يتململ، فلا بُد إذاً من خاتمة ... بعد المُغامرون الخمسة أبدع الأُستاذ محمود سالم سلسلة أُخرى ناجحة أيضاً بعنوان " الشياطين الـ ١٣ " ، لكنّي كُنتُ قد غادرتُ الطفولة فلم أكُن يوماً " الشيطان الرابع عشر"...
طارق فهمي حسين
نوفمبر ٢٠١٩

الجمعة، 1 نوفمبر 2019

عزاء واجب ، و ربنا يتمم بخير !!!

                          عزاء واجب ، و ربنا يتمم بخير !!!
                            =================
ذهبت لأداء واجب العزاء في إحدى قاعات المناسبات الملحقة بأحد المساجد الجديدة ، و الذي أذهب إليه للمرة الأولى ، علي الطريق ظهرت عن بُعد أسوار عالية ظننتها أسواراً لقلعة أو حصن ما ، و حين أقتربت بنا السيارة أكثر هالني حجم بوابات ضخمة عالية و مكتوب أعلاها بالأضواء الإلكترونية إسم المسجد ، دخلت بنا السيارة عبر البوابة الضخمة ، إستوقفنا حاجز أمني حيثُ فتح لهم السائق صندوق السيارة و دار رجل الأمن حولها ثم سمح لنا بالدخول ، و بعد مسافة إستوقفتنا بوابة أخرى داخلية يتوسطها كُشك " تحصيل لرسوم الإنتظار" بباحة المسجد ! و للتيسير على رواد المكان وُضِعت أعلى الكُشك شاشة " شريطية " توضح قيمة الرسوم : ( العسكريين ٢ جنيه / المدنيين ٥ جنيه / الميكروباص ١٠ جنيه ) .
كلا من رجل الامن و محصل الرسوم يتعاملان بأدب فندقي من فئة النجوم الخمس !
بعد عبور بوابة الرسوم تظهر مساحات شاسعة من أماكن الإنتظار و مسجد كبير و مآذن تنبثق من الأرض مباشرةً مُستقلة عن جسد المسجد و مًشيدة على طراز فرعوني سابق علي ظهور الإسلام ، تحديداً تنتهي بتيجان على شكل زهرة اللوتس !!!
و مجموعة من المباني الضخمة المُستقلة و التي تحوي عدد من قاعات المُناسبات لم أستطع تحديد عددها ، إذ يتطلب الأمر الكثير من المشي و الدوران حول المباني للوصول إلى بوابة كُل قاعة لقراءة إسم كُل منها، و المكتوب أعلي البوابة بالإضاءة الكهربائية ، و بالتالي حصر عددها .
علب المناديل الورقية الموضوعة على الموائد الصغيرة الموزعة بين مقاعد المُعزين مطبوع عليها إسم المسجد .
للمسجد و " دور مُناسباته " المتعددة صفحات على " الفيسبوك " منشور عليها أرقام التليفونات و " أسعار " الحجز ، الإعلان بشكل دوري عن " فتح باب الحجز لشهري كذا و كذا " ، هذا طبعاً بالنسبة لمناسبات عقد القران ، فهي التي يمكن تحديدها مُسبقاً ، على عكس حالات الوفاة و مايتبعها من عزاء .
لا أعرف تحديداً إذا كان هذا المسجد و قاعاته مسجلين في موسوعة جينس أم لا ، لكنه في كُل الأحوال مشروع تجاري ضخم يدر بالتأكيد الكثير من الأرباح علي " أصحابه " ، و أظنه الأضخم في مجاله ( في حدود ما رأيت ) مقارنة بأقرانه في سلسلة مشروعات المساجد و دور المُناسبات الناجحة المُربحة التي انتشرت في السنوات الأخيرة .
رحم الله موتانا ، و ألف مبروك للعروسين !
طارق فهمي حسين
أكتوبر ٢٠١٩

الخميس، 26 سبتمبر 2019

فاطمة عادل يا جماعة !

فاطمة عادل يا جماعة !
==========
عندما تذهب للإستمتاع بفريق غنائي جميل إسمه " رترو " تجد فاطمة عادل نجمة مُنألقة في قلبه ، و عندما تسمع عن فريق غنائي إسمه " إتنين من شُبرا" تجد أن " فاطمة عادل" هي واحدة من هذين الإثنين ، و عندما يُسعدك الحظ بسماع و مُشاهدة فرقة " حبايبنا " تجد " فاطمة عادل " أيضاً جوهرة مُتلألئة في هذه الفرقة الجميلة !
أمرٌ مُثير للدهشة و التساؤل : لماذا و كيف تتقاطع كُل هذه الفرق عبر صوت فاطمة عادل و طلتها الجميلة و أدائها العذب ؟! لكنك مع تكرار السمع و التعمُق في ملامح هذا الصوت تكتشف ، و بسهولة ، أن فاطمة عادل تمتلكُ فائضاً من موهبة و جزالة في الصوت ، يفيض عن أن يستوعبه نشاطٌ موسمي أو دوري لفريق غنائي واحد ، أو حتى حفلاتٌ مُتباعدة تُغني فيها بشكل فردي ، حين أتأملُها علي المسرح و هي تهيم مع الغناء و تغيب في عالمها الطربي أكاد أظُن أنها لا تُدرك أين هي أو أن هُناك جمهوراً يستمعُ إليها ، بل أظُن أن فاطمة عادل تُغني في طريقها للذهاب إلى المسرح الذي ستُغني عليه ، و تُغني في طريق عودتها ، و تُغني لأطفالها حين توقظهم و حين تُهدهدهم ليناموا ، تُغني حين تفرح و تُغني حين يمسها حُزنٌ ما ، و رُبما تتسلل إلى طابور الصباح في إحدى مدارس البنات مُستغلةً وجهها الطفولي لتذوب بين التلميذات و تُغني معهن في طابور الصباح ! أغلبُ ظني أن هذه الشابة المصرية الجميلة " ممسوسة " بالغناء علي نحو ما ، لذا فمن البديهي ألاتخلوا ساعة من يومها من الغناء ، و ألا يخلو الغناء من فاطمة عادل !
و لعل السطور السابقة توحي بأن هذه المُطربة الموهوبة كثيفة الحضور واسعة الإنتشار ، في حين أن الواقع هو على العكس من ذلك تماماً ، فرغم كُل ما ذكرت فإن الساحة الفنية الغنائية تشهد " نُدرة " ظهور فاطمة عادل ، و تلك مُفارقة عجيبة لا أجد لها تفسيراً !!!
أما فاطمة عادل المُمثلة الموهوبة ، فقصةٌ أُخرى و مُعضلةٌ من نوعٍ آخر ، و إن تشابهت مع لُغز " المُطربة " ،إذ أنه رغم ما حققته فاطمة عادل من إسم و مكانة فنية كمُطربة و مُمثلة موهوبة و قديرة ، إلا أن الفجوة بين ما حققت و ما تستحق مازلت كبيرة حتي الآن.

طارق فهمي حسين
سبتمبر ٢٠١٩
=======
الصورة بعدسة شاعر مصر الكبير : زين العابدين فؤاد .