الجمعة، 23 ديسمبر 2022
#سقوط_البطل_التراجيدي
#عيد_ميلاد_أحمد_حدّاد #_الفنّان
عيد ميلاد أحمد حدّاد - الإنسان- الصديق
السبت، 8 يناير 2022
تعطيل الدراسة بدعوى سوء الأحوال الجوية ونزع قيمة" الالتزام" من نفوس الأطفال.
=======
أتذكر حين كنت وشقيقتي تلاميذ في المرحلة الابتدائية أن أبي رحمه الله لم يكن يتساهل أبدًا في مسألة التغيب عن المدرسة تحت أي مُبرر.
أحيانًا كان أتوبيس المدرسة يتأخر عن الحضور ليقلنا إلى حد يلوح معه في الأفق احتمال التأخر عن طابور الصباح، فكانت أُمي تتوتر وتوقظ أبي ( الذي بدأ نومه بعد الفجر) لتبلغه بعدم وصول أتوبيس المدرسة،؛ فيهب مغادرا الفراش وينتهي من حمامه وارتداء ثيابه في وقت قياسي ثم يجري مكالمة اعتاد عليها في مثل هذا الموقف - نادر التكرار- كان يتصل بـ ( شرطة النجدة) ١٢٢ مسجلًا بلاغًا ضد ناظرة وسائق أتوبيس مدرسة النيل القومية المشتركة بالمنيل، ثم يأخذني وشقيقتي في سيارته حتى المدرسة، حيث يتركنا لنحضر الطابور إذا أدركناه أو لنسارع إلى اللحاق بفصلينا ويتوجه هو إلى مكتب ناظرة المدرسة ليستوضح الأمر!
أتذكر صباح يوم الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ١٩٧٠ حين استيقظت فزعًا حيث اكتشفت أن النهار انتصف وأنا بعد في فراشي ولم توقظني أمي بالصخب المعتاد في السادسة والربع صباحًا لأذهب إلى مدرستي الإعدادية؛ جلست في فراشي فزعًا بمعنى الكلمة وأخذت أنادي على أُمي التي دخلت عليّ باكية فاستفسرت منها: " ليه يا ماما ما صحيتينيش؟ المدرسة! المدرسة!" وفجائني صوتها من بين النشيج" عبد الناصر مات والمدرسة أجازة ثلاثة أيام"...
عشتُ في بيروت جانبًا من سبعينيات الحرب الأهلية، كنا ننام الليل علي أصوات القصف المتبادل وصفير الصواريخ، وفي تمام السادسة صباحًا تمر سيارة البلدية لجمع أكياس القمامة السوداء " النظيفة" محكمة الغلق من أمام البيوت، وبعد ذلك بقليل يبدأ دبيب الحياة في الشوارع والكل يسعى إلى مدرسته وجامعته وعمله، فقط على الجميع تجنب مناطق التماس حيث القنص علي مدار الساعة، وعلى السيارات تجنب الطرق التي تقطعها حواجز " القتل على الهوية" لا أكثر!!! وحين يأتي الشتاء يحمل الجميع " الشماسي"حتى في أكثر أيام الشمس سطوعًا وإشراقًا، ففي بيروت ينقلب الجو في لحظة وتتساقط الأمطار بلا حساب. وأهل لبنان يسمون الشمسية" مطرية" وهو إسم أنسب لأجواء الشتاء هناك حيث تستمر الأمطار الغزيرة على مدار اليوم ولعدة أيام متصلة، ويستمر معها العمل والدراسة... والقصف أيضًا!
في أحد أيام امتحانات نهاية العام بجامعة بيروت العربية ، وأثناء انعقاد الامتحانات اخترقت طائرتان للعدو الصهيوني حاجز الصوت فوق بيروت محدثتين صوتًا إنفجاريًا هائلًا مما أثار الفزع في المدينة كلها وهرع الطلاب مغادرين لجان الإمتحان فارين بأرواحهم مما ظنه الجميع هجومًا ربما " نوويًا" لشدة الصوت، وبعد أن انجلى الأمر وعُرف السبب أعلنت إدارة الجامعة أن جدول الامتحانات مستمر كما هو دون تغيير، أما عن موقف الامتحان الذي انفضت لجانه وقت الحدث فقد قررت إدارة الجامعة التفريق بين حالتين: الأولى الطلاب الذين كانوا قد انتهوا من الإجابة وسلموا أوراقهم وانصرفوا قبل الواقعة فهؤلاء يتم تصحيح أوراقهم كالمعتاد، أما الطلاب الذين غادروا فزعين قبل الانتهاء من الامتحان فقد تحدد لهم يوم آخر في نهاية جدول الامتحانات لإعادة الامتحان ( طبعًا بورقة أسئلة مختلفة)!!!
في سنتي الدراسية النهائية ، والتي قضيتها طالبًا بجامعة الإسكندرية، كنت أعيش وحدي تمامًا في المدينة الجميلة، وكنت أضبط المنبه ليوقظني في الوقت المناسب لألحق بمحاضرات اليوم، كُل يوم، كنت أستيقظ مبكرًا جدًا حيث يكون أمامي نحو سبعة عشر كيلو مترًا أقود عبرها سيارتي الصغيرة من العصافرة إلى الشاطبي حيثُ تقع الكُلية. لم أُفوت محاضرة واحدة؛ وكان مشهد أبي وهو " يبلغ الشرطة" عن تأخر أتوبيس المدرسة وأنا بعد تلميذ في المرحلة الابتدائية؛ كان هذا المشهد دائمًا يمثل أمامي حين توسوس لي نفسي أن أفوت محاضرة أو يغريني المكوث تحت الأغطية في برد شتاء الإسكندرية القارس والقارص خاصًة أثناء النوّات التي حضرتها جميعًا في ذلك العام، فأهب من فراشي بكل نشاط معتبرًا أن فكرة التغيب خيار غير مطروح من الأصل.
أتذكر أنني في أول نوة حضرتها بالإسكندرية في ذلك العام ركبت سيارتي تحت الأمطار الهائلة واتخذت طريقي المعتاد عبر الكورنيش فكان الأمر شديد الهول. أمطار شديدة الغزارة، ولأمواج تقفز قفزًا من البحر لترتطم بجانب السيارة، والرياح شديدة العنف والسرعة تتلاعب بالسيارة الصغيرة فتطوحها ذات اليمين وذات الشمال بينما ترتفع المياه التي تحركها عجلات السيارة من على الأسفلت على الجانبين حتى أراها من نافذتي السيارة كما لو كنت أقود زورق سريع في البحر!، أما مساحات الزجاج الأمامي فكان تأثيرها علي صعيد إزاحة المياه لإتاحة الرؤية لا يتجاوز تأثير ملعقة صغيرة تقلب سائلًا في كوب!!!
لم أتوقف ، ولم أحاول أن أقفل راجعًا، بل أكملت مستسلمًا لمصيري - فالغياب ليس خيارًا مطروحًا منذ المرحلة الابتدائية كما تعلم جيلي- حتى وصلت إلى الكلية التي اختفت الحركة تمامًا من باحتها، لكن مبانيها وقاعات الدرس كانت تنبض بالحياة والعلم وتعج بالطلاب والأساتذة الذين لم يتغيب واحد منهم ولم تلغ محاضرة واحدة.
أما محافظة الإسكندرية- في ذلك الزمان- فكانت تكتفي، إذا اشتدت النوة - بإغلاق طريق الكورنيش وتحويل المرور إلى طريق جمال عبد الناصر وشارع بور سعيد والطرق البديلة عمومًا.
في بعض سنوات عملي الأولى وقبل أن أتزوج تصادف أكثر من مرة أن تواجد أبي وأمي وشقيقتي جميعًا خارج مصر وبقيت وحدي في القاهرة أذهب إلى عملي بانتظام مستعينًا بالمنبه تارة، وبمكالمة لطيفة من إحدى زميلات العمل يوميًا لتوقظني تارة أخرى.
أعترف أنه في بعض المرات كنت ألجأ إلى استخدام حقي المشروع في الحصول على أجازة" عارضة" من رصيد أجازاتي ، لكني كنت أذهب في اليوم التالي وأنا أكاد أذوب خجلًا من مواجهة رئيسي المباشر حين يسألني: " خير؟ ما جيتش امبارح ليه؟" كان السؤال يأتي لطيفًا أو مؤنبًا حسب شخصية الرئيس المباشر وحسب طبيعة العلاقة بيننا، لكني في كل الأحوال لم أكن أراه في الأساس وإنما أرى أبي وهو ينتفض من فراشه ثم وهو يبلغ الشرطة ضد الذين " كادوا" يتسببون في غيابي عن يوم دراسي واحد. بل أنني كنت غالبًا ما ألحق يوم الأجازة العارضة بيوم ثان حتى وإن زال سبب الغياب فقط كمحاولة لتأجيل المواجهة ، لا مع رئيسي، ولكن مع حقيقة أنني " تغيبت" عن يوم عمل، ذلك رغم أنني كنت دائمًا المرؤوس صعب المراس حتى أنني أزعم أن بعض رؤسائي المباشرين كانوا يتجنبون أي مواجهة أو خلاف معي!
هذه التداعيات من الذاكرة التي سردتها لتوي لم تأت على سبيل الذكريات أو - لا سمح الله - السيرة الذاتية؛ وإنما استدعتها تلك القرارات العجيبة التي أصبحت تهبط عينا مثل قرارات تعطيل الدراسة أو العمل بسبب " سوء الأحوال الجوية"، ولا يدرك مصدروها- أو ربما يدركون ويعمدون- ما ترسخه في نفوس الأطفال والشباب وحتى أولياء الأمورمن استخفاف وضعف الإلتزام، فضلًا عن تأثيرها السلبي على التعليم- إذا كان ثمة تعليم- وعلى عجلة الإنتاج... إذا كان ثمة إنتاج!!!
طارق فهمي حسين
ديسمبر ٢٠٢١
الأربعاء، 15 سبتمبر 2021
ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...
“ما بدا" لـ أمين حدّاد... وما خفيَ كان أعظم...
في إهداٍء رقيق كصاحبه كتب الشاعر أمين حداد لأحد أصدقائه على نسخة من أحدث دواوينه" ما بدا لك"؛ يقول: " هذا ما بدا لي وما خفي كان أعظم"!
وعلامة التعجب في نهاية الجُملة لم يضعها أمين حدّاد وإنما هي من عندي، إذ كلما قرأت ما يكتُب هذا الشاعر أجد علامات التعجُّب تُسيطر على الأجواء من حولي بل تدور حول رأسي في فضاء المكان كما في أفلام الكارتون! ولعجبي هذا أكثر من سبب، منها عجبي من قُدرة هذا الشاعر أولًا على الاحتفاظ بكُل هذا القدر من " دهشة الطفولة" التي نولد بها جميعا وتنمو معنا في سنوات الاستكشاف والتساؤل الأولى ثم تذوي شيئًا فشيئًا مع تقدم العمر والاصطدام بحقائق الحياة، أما أمين حدّاد، ديوان بعد آخر، فيحتفظ بكُل تلك الدهشة فنراه يقول:
الضفدعة ما بتستغربش طعم الحشرات
والزهرة ما بتستغربش عطرها
وانا باستغرب كُل حاجة حواليا
كما يُصرح أو يعترف في نفس القصيدة:
بارتوي بالاندهاش
كما يُفصح أيضًا في قصيدة أُخرى من الديوان:
" والمتعة إنك تندهش
وكل دهشة اكتشاف
وكل رعشة اتصال
واكتمال بالتاني"
ولا يكف عن التساؤل ومحاولة طرح إجابات أيضًا، مُتحريًا في محاولاته للإجابة خبرات الحياة التي عاشها وثقافته الواسعة وتأملاته العميقة، لكن كل ذلك تقوده بوصلة من المشاعر والحس الإنساني العميق. وهو اليوم إذ يخطو برضا واتساق نحو العام الرابع من عقده السابع يتكئ على سبيكة نفيسة من موهبة عميقة وعقل مسكون بالتأمل والفلسفة ومخزون لا ينضب من التفاصيل الصغيرة التي لا ترصدها سوى عين كعين أمين حدّاد ولا تختزنها سوى ذاكرة ووجدان كذاكرته ووجدانه، فضلًا عن حب عميق للبشر والشجر والوطن والناس الذين هُم حقًا " ناس“ فهو القائل من قبل: " من أحب الناس عاش" وتكتمل سبيكة أمين حدّاد النفيسة بالجمع بين الانسجام التام مع حقائق الحياة ومرور الزمن ورحيل الأحبة وحتي الموت، وبين الثورة التي لا تعرف مهادنة ضد الظُلم والقُبح والعدوان علي جمال الحياة وبساطتها، كل ذلك دون أن يحيد عن القيمة الجمالية للشِعر كشعِر ولا عن موسيقاه الداخلية، والذي يقرأ أشعار أمين حدّاد يدرك ما أعني.
**
إذا أردتُ أن أحصي ما قرأت للشاعر أمين حدّاد من كُتب مستندًا إلى عدد" العناوين" يكون ديوان " ما بدا لك" هو الديوان الشعري الثامن بالإضافة إلى كتابه البديع" جزيرة الأحياء" والذي يجمع بين الشعر والنثر" وقصة للأطفال بعنوان" الجو جميل" عامرة بالشعر والغناء والدهشة اللامحدودة، فضلًا عن مسرحية بديعة بعنوان" إيزيس وأوزوريس".
أما إذا استندت في الإحصاء إلى عدد مرات تكرار قراءة كُل تلك الدواوين والكُتب فأكون قد قرأتُ مئات الدواوين للشاعر أمين حدّاد، ولا أكون في هذا مُبالغًا، فكُل من يقرأ أشعاره سيفهم ما أقصد؛ إذ أن إعادة قراءة نفس الديوان لهذا الشاعر لمرة ثانية تُعادل قراءة ديوانين من الشعر، والقراءة الثالثة تُشبه قراءة ديوان جديد، وهكذا... أما تفسير ذلك عندي فهو المستويات والجماليات المُتعددة التي تتجاذب القارئ في أشعار أمين حدّاد، فقد تأخُذك القراءة الأولى مثلًا في اتجاه اللُغة والمُفردات التي يكتب بها أشعاره، فتجد نفسك مسحوبًا معها مسحورًا ببساطتها وبلاغتها معًا، وبمزجه أحيانًا للعامية والفُصحى في عبارة واحدة على نحو يزيد كلاهما- العامية والفصحى- جمالًا وألقًا! كما يتنقل بين المذاق الكلاسيكي للشعر بأوزانه وقوافيه، وبين التجريب ومُمارسة" الألعاب" الشعرية ويصرح هو نفسه بذلك في قصيدة " تمرين" حين يقول:
".. وأغراضي في الشعر معروفة، بس باحاول أغيّر في الأشكال المألوفة، وباغرف من الأسرار"
بل ويعمد أحيانًا إلى كسر القوافي مُحذرًا نفسه، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان، من الجري واراء القوافي والأوزان على حساب المعنى (وهو ما لا يسمح به أمين حدّاد لنفسه في كل أشعاره) فيقول:
"لأ.. كده فيه قافية بتتسرسب
والوزن بيكدب
ويشدك من أصل الحالة"
وهكذا قد تكتفي بالاستمتاع بهذه اللُغة الشاعرة التي ينفرد بها أمين حدّاد. ثُم حين تقرأ نفس الديوان لمرة ثانية وبعد أن تآلفت مع اللغة وبساطتها وجمالها، تلتفت إلى الصور والمشاهد التي يرصدها بدقة وجمال، وإلى تفاصيل الحياة اليومية التي لا تفوته – وقد تفوت معظمنا- ويرى فيها جمالًا لا يراه سواه، بل يرى في بعض ما نراه نحن عاديًا، يرى هو فيه "مُعجزة حقيقية" فهو، وكما يقول في إحدى قصائد هذا الديوان:
" ما باتنظرش المُعجزات
العادي هو المُعجزة"
ثُم يجوز أن تقرأ ذات الديوان لمرة ثالثة فتنتبه للفخاخ الفلسفية والأسئلة الوجودية التي لا يكُف أمين حدّاد عن أن " يُلغّم" بها أشعاره:
" الدنيا بتتحسّن وتسوء
والعالم سكران فايق
مبسوط متضايق
وكمان مخنوق
واحنا
ح نعيش في الدنيا دقايق
يتغير حوالينا المشهد
مليون مرة
ونموت"
ولا تفوتنا في كُل القراءات السابقة، أو إن شئتم في قراءة رابعة، متعة السباحة في عوالم الفانتازيا والخيال التي تسري في كثير من الصور داخل قصائده:
فمثلًا نجده يسأل في قصيدة" دوامات الحسن":
" لو انت ماشي على طرف عين حبيبتك، وشربت دموعها المالحة، وشرقت، يبقى الحل إيه لو ما بتعرفش تعوم"
ويقول في قصيدة" غريب":
"قال لزراير الأسانسير: مساء الخير، عايز أروح السطوح
قالت له: حنزّلك على السحاب وابقى انزل دورين
قال لجرس الباب: إمتى بقيت عصفورة؟
قال للحيطة: مين العجوز اللي في الصورة؟
قالت له: دي مراية"...
ولعلي جانبت الصواب أو جانبني، حين وصفت هذه الأبيات- ومثلها كثير- بالفانتازيا، لكني قصدت ذلك على مستوى الصورة الخارجية، لكن الواقعية والعمق فيها لا يخطئهما وجدان.
**
في مُقدمة الديوان، والتي كتبها الشاعر بنفسه، وخيرًا فعل، يبدأ بطرح واحد من تساؤلاته الفلسفية التي لا تنتهي عبر كُل ما نشر من دواوين:
" أقدم لكم نفسي ولمن يهمه الأمر لعلكم تجيبون معي على سؤالي: لماذا أنا هنا وأنتم هنا؟"
ويختم مقدمته البديعة بإجابة السؤال الذي طرحه:
"أنا مثلكم. أنتم هنا لأنكم تعلمون أني أريد أن أكون معكم. وأنا هنا لأني جئت إليكم.
فاقبلوني بينكم."
وما بين طرح السؤال وإجابته يمضي أمين حدّاد في التعريف بنفسه بالفعل بدءًا من تاريخ الميلاد ومكان الولادة والاسم بالكامل وأين نشأ وإلى أين وأين تنقل والمؤهل الدراسي... لكنه لا يعرض هذه" المعلومات" على النحو الذي يمكن أن يوضع على الغلاف الخلفي لأي كتاب، لكنه يُحملّها بما هي مُحملة به بالفعل من أعماق وخلفيات ساهمت في تكوين هذا الإنسان والشاعر الماثل بيننا عبر ديوانه الجديد “ما بدا لك" طالبًا – في تواضع عهدناه منه- أن نقبله بيننا! فنراه يذكر تاريخ ميلاده إيماءا إلى الجيل الذي ينتمي له ويمثله، وأي زمن نشأ فيه وتأثر به وبتحولاته، وأي ناس قابل وعاشر وعاش بينهم من أهل وأصدقاء وجيران وسواهم ممن قابل في حياته وتأثر بهم بل وممن قرأ عنهم أو لهم فتركوا في نفسه وفي شعره أثرًا ما، ونجده يحرص في هذه المقدمة علي ذكر العديد من أسماء هؤلاء ، وكثيرًا ما يفعل ذلك أيضًا في الكثير من قصائده في هذا الديوان وما سبقه من دواوين ، فـ أمين حدّاد – فيما يبدو- يملك إدراكًا عميقًا للمكونات التي صنعت منه هذا الشاعر ولا يحيل كل هذا الإبداع الذي يقدمه إلى موهبته الكبيرة وحدها، وهذا أيضًا يندرج تحت بند محبته وعرفانه العميقين للناس والأرض والحياة كلها، وهنيئًا لكل من يمر في حياة هذا الشاعر مرورًا حقيقيًا يترك أثرًا في وجدانه، فلسوف يذكره أمين حدّاد عند قُرّاء أشعاره.
**
في هذا الديوان، وسابقيه، يواصل أمين حدّاد، وبشكل متصاعد دائمًا، الإفصاح عن موهبته الكبيرة كشاعر وكإنسان، نعم " فالإنسانية" أيضًا موهبة كبرى لا يملكها كُل" البشر"، كما يواصل مسيرته كشاعر مسكون بكُل تراث الشعر في العالم وبأرواح كُل الشُعراء، وكباحث مجدد دومًا على مستوى الشكل والمضمون، ولا يحكمه في ذلك- كما أسلفت- سوى الموسيقى الداخلية (دون غنائية مفتعلة)، وكذا الصدق التام المُصفى:
بتمانية وعشرين حرف اعمل ما بدا لك
وافهم إنّ ما حدش ينفع يكتب شعرك في الدنيا بدالك
وبمناسبة الـ " تمانية وعشرين حرف" فمن ملامح هذا الديوان أيضًا أن الشاعر شاء أن يقسم ديوانه الجديد" ما بدا لك" إلى جزئين. أولهما بعنوان" سيبك من اللي فات" ويضّم قصائد بالعامية المصرية، وثانيهما بعنوان" سرٌّ في العَلَن" ويضّم قصائد بالفصحى، ولولا هذا التقسيم الذي عمد إليه الشاعر، ربما للمرة الأولى، لما تنبه القارئ أو – للدقة – العائش مع قصائد الديوان للحظة الانتقال بين العامية والفصحى إذ أن عامية أمين حدّاد لا تقل رقيًا وجمالًا عن فصحاه، كما أن فصحاه لا تقل سلاسة وبساطة عن عاميته، ولعل هذا الديوان يأتي كجسر مفروش بأجمل الورود بين لغتنا العربية الجميلة و" لهجتنا" العامية المحببة، رادًا ببساطة على تلك المعركة المفتعلة والمستمرة منذ عقود طويلة بين العامية والفصحى.
**
لعلّي أطلتُ كثيرًا ولم أنجح في التعبير عن القيم الجمالية والشعرية والإنسانية في هذا الديوان وفي أشعار أمين حدّاد بشكل عام، لكنى أخيرًا اهتديتُ لخاتمة لهذا المقال يستطيع من يقرأها أن يستغني عن المقال كله (فيما عدا المقاطع التي استشهدت بها من الديوان)، ألا وهي- الخاتمة المرجوة- هذه الأبيات التي يختم بها الشاعر قصيدة من قصائد الديوان بعنوان" روحي تهجرني ليلًا"
إذ تلخص هذه الأبيات بكل جمال وبساطة ما ظللتُ أحاول على " مدار" كل السطور السابقة أن أعبر عنه حول هذا الديوان وهذا الشاعر، وهذا هو بالتحديد أحد الفروق الجوهرية بين شاعر كـ أمين حدّاد وبين أي " كتابة أخرى"
يقول أمين حدّاد:
من أين جئت بالشاعر يا أمين؟
أرسله لي فؤادي
ليُسمعني اللغة والإيقاع
ويُريني الصدق لا سواه فيما أراه
وأعطاني سنارة الشعر
فاصطدتُ دهشة الحياة وتفاصيلها
أنا أزيدُ إنسانٍا كلّما عرفتُ إنسانًا
أنقسمُ كلّما كتبتُ قصيدًة تعيش
أنادي القصيدة كما ناديتُ أمّي في الظلام
والصدقُ فقط يجعلها تقول " نعم"
ما اجتمع أمينٌ ونفسُه إلا وثالثهما شاعر
رابعهما مسكين
خامسهما ثائر
عاشرهما خائفٌ على عتبة الستين
من حكايات الستّين
أنني لا أحلم ولكني أزور أحلام الآخرين
من رآني في الحلم فليخبرني
من رآني في الحلم فليتبعني
من رآني في الحلم فليقترب ويخبرني باسمه
وباسمي.
***
هكذا! وبكُل بساطة ووضوح!
وأخيرًا فإن كان هذا " ما بدا” لـ أمين حدّاد، وما خفي – وفقًا لإهدائه الرقيق- كان أعظم، فأنا أيضًا أقول أن هذا " ما بدا لنا" حتى الآن ، وعبر كل دواوين أمين حدّاد السابقة، من موهبته العظيمة وشاعريته الساحرة ، وما خفي منهما - بعد- بالتأكيد أعظم ونحن في انتظار المزيد والمزيد.
طارق فهمي حسين
١٦ سبتمبر ٢٠٢١
الثلاثاء، 22 يونيو 2021
خالد الخميسي
خالد الخميسي
الأربعاء، 24 مارس 2021
١١٠٠
١١٠٠
في الفترة الناصرية
كان عندنا عربية
ماركة نصر ألف ومية
كان لونها رمادي مع إن المرحلة
كانت غير رمادية!
كُنا ف شقة إيجار.. شبابيكها بحرية
وبنت جيراننا جميلة وعيونها عسلية
التعليم مجانًا.. والمريلة بُنّية
وف إعدادي كاروه والمدرسة..
كان إسمها " فتحية"
كانت جنب البيت وكان جنبها جمعية
في الجمعية دواجن وزيوت وصابون
كل حاجات الستر..
كانت في الجمعية
والمدرسة.. كانت قومية
والأحلام.. وردية
في الفترة الناصرية
كان عندنا عربية
ماركة نصر.. ألف ومية
وبنت جيراني جميلة
والأحلام.. كانت وردية.
في الفترة .. الناصرية..
طارق فهمي حسين
١٠ مارس ٢٠٢١




