الخميس، 6 يونيو 2019

يا ااااا جييييمي ...

يا ااااا جييييمي ...
====



#سيد_موستا                             هاتوحشنا يااا جيمي ي ي
 
هو الإسم الذي اختاره لنفسه ليشتهر به ، ولعله قد اكتشف الآن أنه قد تسرع وربما تورط في حرمان إسمه الحقيقي من أن يشتهر بعد أول دور كبير له .
رغم أنني لم أتابع - كدأبي منذ سنوات - مهرجان الدراما الرمضانية ، إلا أنني صادفت منذ حوالي إسبوع إحدى حلقات مسلسل "بدل الحدوتة تلاته " للرائعة متفجرة المواهب دنيا سمير غانم ، وبالطبع لم أتوقف عن متابعة الأسبوع الأخير من هذا العمل اللطيف مستمتعا بجمال وتلقائية أداء دنيا وهشام ماجد فضلا عن جاذبية الجميلة سلوى محمد علي وعمرو وهبة ومعظم فريق العمل وكذا العودة المعقولة لسماح أنور ، لكن فرض نفسه وبشدة هذا الممثل المفاجأة " أوتاكا " في دور سيد موستا : حضور وخفة دم طبيعية دون مبالغة في الإستظراف ( كما يفعل ممثل آخر في نفس العمل مثلا ) ، فضلا عن صوته المميز واختياره الذكي لنمط الكراكتر الذي أداه بسهولة ودون أن يحيد عنه طيلة العمل .
ذكرتني هذه البداية الناجحة بل المبهرة ببداية الراحل الجميل محمد شرف في مسلسل أرابيسك في دور سامبو حيث أبهرني تماما وقتها وتساءلت : وماذا بعد ؟ متصورا أن شكل محمد شرف وتكوينه العام ، فضلا عن براعته في تقمص شخصية "سامبو" ، كل ذلك سوف يحصره في خانة محددة ومحدودة من الأدوار ، لكن محمد شرف ، وعلى مدار مشواره الفني ، أثبت أنه موهبة حقيقية وقدم عشرات الأدوار الناجحة والمتنوعة رحمة الله عليه .
والآن أعود لنفس السؤال القديم وأوجهه بكل إعجاب وامتنان كمشاهد إلى " أوتاكا " كما أسمى نفسه : وماذا بعد ؟
وبكل التمنيات الطيبة أتطلع إلى إجابة - عملية - تكون على نفس مستوى بلاغة إجابة الراحل الجميل محمد شرف ، وبعيدة عن سكة الاستسهال "السبكية " .
إتفقنا ياااا جيمي ي ي ي ؟
طارق فهمي حسين
٣٠ رمضان ١٤٤٠

الجمعة، 1 فبراير 2019

المُباراة النهائية

المُباراة النهائية 

رأيتُ فيما يرى اليقظان ملعباً لكُرة القدم و قد إمتلأت مُدرجاته بشباب تضيء وجوههم بالعزة و الكرامة و الجسارة ، بينهم ٧٢ من مُشجعي كُرة القدم ، جميعهم يرتدي ثياباً بيضاء تُخضبها الدماء و تملأها الثقوب ، عدا مُشجعي كُرة القدم الــ ٧٢ إذ تخلوا ثيابهم من الثقوب و إن كان بينهم من مزقت جسده طعنات في أكثر من موضع ، و بعضهم الآخر يجلس و قد تهشمت عظامه و إن بدت أجسادهم من الخارج متماسكة كشرائح البسكويت المُهشمة داخل غُلافها الورقي السليم اللامع فيما يبدو أنه من أثر السقوط من إرتفاع كبير ! لكن وجوه الجميع باسمة يعلوها الرضا ، في حين تمتليء دائرة مُنتصف الملعب و ما حولها بشرذمة من أشباه البشر مُكفهري الوجوه زاغي النظرات ، من بينهم تسعة عشر يرتدون زياً موحداً حائل اللون و يعلو وجوههم كبر بغيض يحاول أن يُغالب ما هُم فيه من فزع !
و في مكان لوحة الإستاد الكبيرة كان هُناك تمثال رمز العدالة الشهير لسيدة ترفع إحد ذراعيها عالياً حاملة ميزان العدالة ، لكنها هذه المرة لم تكُن معصوبة العينين بل كانت عيناها شديدة الإتساع و سوادهما شديد اللمعان بما ينم عن حدة إبصار غير عادية ، و بياض العينين ناصعاً خالياً من أي شائبة ! ألقت بنظرة حانية نحو المُدرجات و إبتسمت فتساقطت من العيون دموع فرحة و جفت كُل الدماء و إلتأمت كُل الجراح و تبادل جمهور المُدرجات التهاني و الأحضان و تعالت أصوات الزغاريد ...
ثُم ألقت بنظرة ساخطة إلى أرض الملعب فأضرمت النيران في دائرة المُنتصف و بدأت شرذمة الأشقياء في تبادُل الإتهامات و التشابك بالأيدي ، و أخرج بعض الـتسعة عشر ذوي الزي الموحد أسلحة نارية و بدأوا في إطلاق النار على بقيتهم ، في حين حاول البعض الآخر أن يلوذ بالفرار لكن النار تعالت بشدة و بدأت جلود وجوههم في التساقط ، و إنصهرت الأسلحة في أيديهم فإختلط الحديد باللحم و ذابت العظام و تعالت صرخاتهم لكنها - للعجب - لم تكن صرخات بشرية و إنما كانت أشبه بنهيق الحمير و نعيق الغربان ، و مع تعالي النيران و إستعارها أكثر فأكثر ذابوا جميعاً و لم يتبق لهم من أثر سوى ما يُشبه روث البهائم فيما عدا أن رائحته كانت كريهة بأكثر مما يمكن تصوره على نحو تبدو رائحة روث البهائم مُقارنة به أشبه بروائح العطور الفاخرة !!!
سكنت النيران في أرض الملعب ، و سادت لحظات من الصمت المهيب ثم رفعت سيدة العدالة عينيها إلى السماء و نزلت على ركبتيها فحذا جميع أهل المُدرجات حذوها و تساقطت من العيون دموع الرضا و الإمتنان ، وتصاعدت في الجو رائحة كالمسك بل أطيب كثيراً ، و تقدم فتى صغير مليح الوجه يجر عربة بطاطا بين المُدرجات حتى إجتاز بها جميع الصفوف بعد أن لقم كُل واحد في فمه قطعة من البطاطا شديدة الحلاوة معسولة المذاق ، فوضع عربة البطاطا في أحد الأجناب و تركت له سيدة العدالة مكانها العالي و تراجعت إلى آخر الصفوف و وقف بائع البطاطا الصغير مُنتصب القامة رغم ضآلة حجمه و رقة جسده ليؤم الجميع في صلاة خاشعة
و ما أن إنتهت الصلاة حتى إنتظم الجميع في صفوف طويلة خارجين من الإستاد الكبير صاعدين في هدوء و جلال إلى السماء ......
إستيقظت من " صحوتي " و وجهي غارق في الدموع مُتمتماً : اللهم اجعله خير ... هو خير ... هو خير ....
                                                                                                               طارق فهمي حسين    
١ فبراير ٢٠١٧

الاثنين، 14 يناير 2019

الشمندر وحيلة خالد الخميسي !

                                                      الشمندر وحيلة خالد الخميسي   !                                                       
============ 

إنتهيتُ بالأمس من قراءة رواية "الشمندر " وكُنتُ أتصور أنني سوف أجلسُ فوراً لكتابة رأيي ، لكن الرواية - بحق - أجهدتني تماماً حتى أنني إحتجتُ لبعض الوقت لاستعادة نفسي واسترداد وجداني من أجواء الرواية وعالم شهاب الشمندر.
الرواية كما يستدرجنا مؤلفها تزعُم أنها تتعلق بالسيرة الذاتية للفنان التشكيلي شهاب الشمندر ، لكن بعد أن يتوغل القاريء في عالم الشمندر يجد أنه يلتقي في كُل رُكن وذكرى بشخص يعرفه ،أو شخص قابله ولو مرة في الواقع ، كما يلتقي الواحد منا داخل هذه الرواية أكثر من مرة بنفسه وجهاً لوجه ، وفي مراحل مُختلفة من العُمر !
لعبةٌ ماكرة مارسها خالد الخميسي في هذه الرواية ، وأفلحت أيما فلاح ، ، أيضاً المستوى غير المحدود للبوح والتصريح لا التلميح في هذه الرواية قد يصدم القاريء المُتحفظ ، لكنه يتسق تماماً مع تفاصيل شخصية بطل الرواية سواء لكونه فناناً تشكيلياً جانحاً سيرياليُ النزعة ، أو على مستوى نشأته إجتماعياً وثقافياً وتعليمياً ، كما يتسق مع دائرة الشخصيات المُحيطة بها وجذورها متنوعة الأعراق والثقافات.
القارىء المُتحفظ ( وهذا ليس وصفاً سلبياً بالمُناسبة) قد يستهجن الكثير من سلوكيات بطل الرواية ، ويتخذ منه موقفاً سلبياً ، لكننا حين نصدقُ أكثر مع أنفُسنا ، خاصة حين تتقاطع ذكرى أو أُخرى من ذكريات شهاب الشمندر مع بعض المسكوت عنه من ذكرياتنا وتجاربنا الحياتية الشخصية ، نجد أنفُسنا مُضطرين لابتلاع حُكمنا الأخلاقي على بطل الرواية إلتزاماً بتوجيه السيد المسيح عليه السلام : " من كان منكُم بلا خطيئة فليرجُمها بحجر "
أعجبني جداً - على مستوى السرد - التنقُل في الزمن بحُرية تامة للأمام وللخلف دون تقيُد بتسلسُل وتوالي أوراق الأيام المُتساقطة من نتيجة الحائط ، وهو الأمر الذي يتسق تماماً مع تداعي ذكريات بطل الرواية وهو يُراجع حياته و آثامه ومُنجزاته الفنية أيضاً وهو يتأهب للرحيل
فقط أتحفظ على أن هذه الرواية رُبما تكون مكتوبة للقاريء المُثقف بأكثر من كونها موجهة للقاريء العادي ، لكنها تظلُ في مُتناول كُل مُحب للرواية بشكل عام حيثُ تتمتع رواية الشمندر بالعناصر الأساسية من قُدرة على "التسلية " والتشويق " والتعاطُف أيضاً مع الشخصيات في أكثر من موضع .
الكاتب خالد الخميسي في هذه الرواية ينتقل - مُجرباً - إلى مرحلة جديدة ومستوى جديد أيضاً كروائي ، وأظنه قد نجح في ذلك إلى حدٍ بعيد ، وإن كُنت أتمنى عليه أن يُفسح مساحة أكبر للقاريء البسيط العادي، ورُبما "المُتحفظ " أيضاً في قادم أعماله ، والتي بالتأكيد بعد قراءاتي المُتتالية لكُل ما أبدع ، أنتظرها - بشوق أكيد.

                      طارق فهمي حسين
١٤ يناير ٢٠١٩

الجمعة، 28 ديسمبر 2018

زمن الممبوزيا

زمن الممبوزيا
=======



إلتقطتُ هذه الصور في الصيف الماضي حين قادتني خطوات الحنين إلى "نادي القاهرة الرياضي " مرتع الصبا والشباب ،  ففوجئت بكميات الممبوزيا المُتساقطة علي الأرض ولايلتفت إليها أحد من الأطفال والصبية والشباب !
قُلتُ لنفسي رُبما كان انتشار الوعي الصحي بين الأجيال الجديدة هو الذي يمنعهُم من التهام ثمار الممبوزيا الشهية ، لكني انتبهت إلى أن هذه الأجيال الجديدة هي نفسها التي تُقبل علي مطاعم الوجبات السريعة وأكياس المُقرمشات المحفوظة بجنون يتنافى مع أي وعي صحي مزعوم !
وتذكرت سنواتُ الصبا حين كُنا نتسابق علي تسلُق أشجار الممبوزيا بالنادي في موسم الصيف لنقطف ثمارها أو حتى نلتقطها من علي الأرض ونغسلها لنأكُلها في سعادة بالغة ، بل ونملأ الأكياس لنأخُذها معنا إلى بيوتنا ، وتذكرت بالطبع أشهر فرسان تسلُق أشجار الممبوزيا وعلى رأسهم صديقي الجميل أُسامة أنور ، وكذا صديقي شريف رامي الشهير بــ ( بروس لي ) ، وتذكرتُ يوم حادث سقوط أُسامة أنور من أعلى شجرة الممبوزيا المُلاصقة لسور النادي الخلفي فاخترق أحد أسياخ السور ساقه كالحربة وكانت إصابة جسيمة ، لكن هذا لم يمنع صديقنا المتهور أبداً أُسامة من العودة لتسلق أشجار الممبوزيا بمُجرد تماثله للشفاء ، وكذا مُمارسة كافة نشاطاته المتهورة الأُخرى والتي كان كُل النادي يدهش لها ، ويُعجب بها في ذات الوقت !!!
عقود مرت لم أر فيها صديق الصبا أُسامة أنور حتى جمعني به الـ Facebook مؤخراً ، وإن كانت الفُرصة لم تسنح بعد لألقاه شخصياً حتى أعرف إن كانت كُل تلك السنوات قد سلبته ذلك التهور الجميل أم مازال يحتفظ به كما أرجو .
وبقي في نفسي التساؤل : " أين فُرسان الممبوزيا في الأجيال الجديدة لنادي القاهرة " ؟
وفي اليوم التالي ذهبتُ إلى مقر عملي مُصطحباً معي علبة بها بعض ثمار الممبوزيا ، واستدعيتُ مرؤسيي في العمل ، وهُم من الشباب والشابات بين الثلاثينيات والأربعينيات من العُمر ،وسألتهُم بكُل جدية : " مين فيكُم يعرف الممبوزيا ؟ ففوجئت بصمتٍ تام إذ لم يكُن لدى أي منهُم أدنى فكرة عن الممبوزيا !!! فأخرجتُ العلبة وفتحتها عارضاً عليهم ثمار الممبوزيا فنظروا إليها بدهشة وكأني أعرضُ عليهم بعضُ أحجار المريخ ! فأوضحتُ لهُم ماهي وعرضتُ عليهم تذوقها فاعتذروا جميعاً بكُل ريبة وتخوف !!!
هُنا أدركتُ - أخيراً - أن زمن الممبوزيا قد ولى آخذاً معه أشياءاً كثيرة جميلة ...
طارق فهمي حسين
ديسمبر ٢٠١٨

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

أحمد حدّاد



النهارده عيد ميلاد صديقي الشاب الجميل أحمد حداد
الشاعر و الفنان الشامل السينمائي كتابة و تمثيلا و إخراجا و العضو المؤسس لفرقة رترو الغنائية المبهجة .
أحمد حداد يكتب شعرا بالعامية الجاهينية الحدادية الصادقة المبهجة ، تسكنه أرواح جديه الشاعرين فؤاد حداد و صلاح جاهين ، و يحمل جينات أبيه الشاعر الكبير أمين حداد و خاله الشاعر الكبير بهاء جاهين ، لكنه في النهاية يكتب أشعاره هو الخاصة و التي لا تشبه أي من أشعار هؤلاء العمالقة ، أشعارا تشبه أحمد حداد و جيله و عصره لكنها - و هذا جزء أساسي في جمالها - تظل تحمل تراث و رائحة تراب الأجداد ، أحمد حداد الشاعر هو صاحب القصيدة التي لم يكتب مثلها أحد في تاريخ العامية المصرية و التي يقول مطلعها :
هات لي يا بكرة صفحة جديدة
حط لي مصر ف جملة مفيدة.
هذا هو الشاعر
و كذلك الممثل جميل في الكاميرا ، رائق في الأداء .
الكاتب و المخرج يحمل رؤياه الخاصة و حلمه السينمائي الخاص و الذي لا يقدم أية تنازلات بشأنه .
على المسرح مع فرقته المبهجة : رترو يتحول الشاب الخجول الدمث إلى عفريت مسرحي يغني و يقرع الدفوف و يرقص إذا لزم الأمر !
أما أحمد حداد الصديق الإنسان فهو من أنبل من قابلت من أبناء جيله و أكثرهم أدبا و دماثة و هدوءا و حياءا أيضا ، حتى أن البعض - و أنا منهم - ربما يعيب عليه شدة هدوءه و حياءه اللذان قد يمثلان أحيانا عبئا على مواهبه المتوهجة خاصة في مجتمعنا الفني و الثقافي المصري و العربي.
عيد ميلاد سعيد يا صديقي و عقبال ١٠٠ سنة و ١٠٠ ديوان و ١٠٠ فيلم و ١٠٠ حفلة ناجحة مع رترو .
صحة و سعادة و إبداع وسط أسرتك الصغيرة و الكبيرة و أصدقاءك و محبيك و جمهورك .

طارق فهمي حسين
٢٧ نوفمبر ٢٠١٧

الجمعة، 16 نوفمبر 2018

في الصورة فؤاد حداد


في الصورة  فؤاد حداد






في هذه الصورة التي تعود إلى خمسينيات القرن العشرين نرى والد الشعراء مولانا فؤاد حداد في المنتصف كقمر مضيء ، وإلى اليمين ( يمين الناظر للصورة ) يقف والدي الصحفي والقصاص فهمي حسين ، وإلى اليسار الصحفي علي الدالي .
تزامل أبي مع الشاعر فؤاد حداد في أكثر من مجلة ومطبوعة ثقافية ، وكان أبي دائما من مريدي فؤاد حداد ، وكم رأيته يجلس طويلا إلى جوار الراديو كاسيت ليلة بعد ليلة وإصبعيه على زري التشغيل والتسجيل (الأحمر) مترقبا التوقيت المناسب للضغطة المزدوجة ليبدأ في تسجيل حلقة الليلة من " من نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة"
أو " المسحراتي" .
وكنت ،قبل أن "أدرك" فؤاد حداد أعزو هذا الإهتمام الشديد إلى حب أبي لألحان صديقه الغالي جدا ورفيقه الشيخ سيد مكاوي ، ولم أكن مخطئا في ظني ، لكن هذا كان وجه واحد للحقيقة ، إذ كان شعور أبي بعبقرية وصدق وعذوبة وعمق حروف وكلمات فؤاد حداد شعورا شديد العمق ، وذلك كما أدركت فيما بعد .
لا أعرف تحديدا إلى أي مدى كانت الصداقة بين والد الشعراء وأبي ؟ أو حتى إذا ما كانا صديقين فعلا أم مجرد رفيقا إبداع وزميلا عمل ؟ فلم أر فؤاد حداد في بيتنا أبدا ، إلا إذا كنت قد رأيته يوما ولم أدرك - لشدة تغفيلي أو لصغر سني - من هو !
كما لم يصحبني أبي يوما لبيت فؤاد حداد ، مع الأخذ في الإعتبار أنه كانت هناك سنوات طويلة تم خلالها تغييب فؤاد حداد خلف الأسوار .
ولا أملك من أثار فؤاد حداد في مقتنيات أبي وسيرته سوى هذه الصورة وذلك الديوان الشعري الممهور بإداء رقيق مهذب من فؤاد حداد إلى فهمي حسين ، وعشرات من شرائط الكاسيت التي يشدو فيها عمي الشيخ سيد مكاوي أو عمي إبراهيم رجب بأشعار فؤاد حداد سواء عبر الإذاعة أو في جلساتنا الخاصة ، لكن ذاكرتي تتسع أيضا لمشهد أبي وهو جالس جلسته المفضلة إلى مكتبه بالبيت أو متكئا على كنبته الخاصة أو على المصطبة تحت تكعيبة العنب بقريتنا وهو مستغرق تماما بين التسجيل والاستماع لدرر فؤاد حداد .
كما أتذكر يوم عاد أبي إلى البيت في أحد الأيام في بدايات الثمانينيات وهو متهلل الأسارير ليبشرنا ( كما لو كان شأنا عائليا يخصنا بشدة ) بأن : "أمين إبن فؤاد حداد سيتزوج أمينة جاهين "
سعدت أمي جدا بالخبر ، أما أنا فلم أكن أعرف من أطراف الخبر بشكل شخصي سوى " عمو صلاح " ، لكني كنت قد نضجت بشكل كاف لأعرف أيضا من هو فؤاد حداد ، وكان وقع الخبر في نفسي هو الدهشة الشديدة من أمرين :
الأول هو أن هذا النسب سوف يجمع بين قطبي العامية المصرية ، والثاني هو التوافق المدهش في الأسماء بين "أمين" و "أمينة" ، لكن الأمر الأول هو ماشدني أكثر وهو النسب بين قطبي الشعر وتساءلت في نفسي ، بل وطرحت التساؤل على أبي عما إذا كانت زيجة كهذه ستأتي بأحفاد من الشعراء ؟ بل كدت أرى -منذ ذلك الوقت- أن هذا أمر حتمي( وقد كان بالفعل ) !
مرت عقود وجمعني حب الصادق من الشعر بأمين حداد وجها لوجه ، وكأنما أمسكت بطرف عقد من اللآليء فعرفت أمينة وبهاء جاهين وحسن حداد ثم سليم حداد وأحمد وسلمى ومي وحسام حداد ... إلى آخر حبات هذا العقد النفيس الذي غزله بعناية ونقاء فؤاد حداد وصلاح جاهين معا .
عرفت من أمين حداد أنه هو أيضا يحتفظ في ذاكرته بمشهد لفؤاد حداد وهو جالس إلى قصص فهمي حسين القصيرة ويعلق بأنه :"بيكتب حلو أوي "
كان الإعجاب إذا متبادلا بين مولانا فؤاد حداد وأبي فهمي حسين ، وأنا وإن كنت لم أعرف فؤاد حداد شخصيا ، فإني أرى بوضوح إنعكاس ضياءه على الأبناء والأحفاد إنعكاس الشمس على الأقمار 
كما أنني أقرأ وأسمع وأعيش أشعار فؤاد حداد وأدرك أنها لم يكتبها قلم وإنما زفرتها أنفاس قلب ذهبي .
ولما كنت أعرف جيدا فهمي حسين الإنسان والقيم والتكوين ، فإنني أدرك الأسباب التي تجذبني بشدة تجاه كل من يحمل إسم فؤاد حداد فضلا عن قبس من موهبته ، كما أدرك الأسباب التي تحرك ألما عظيما في صدري وشعور بفداحة الخسارة لرحيل فؤاد حداد في مثل هذا اليوم .
بل يتملكني هاجس في هذه اللحظة ويسيطر علي تساؤل خجل :
أما وأني إبن فهمي حسين ، فأين كان كتفي إذا من نعش فؤاد حداد ؟!!!
طارق فهمي حسين
١ نوفمبر ٢٠١٨