الجمعة، 5 يونيو 2020

سعيد شيمي يُمسك بــ " تلابيب الصورة".

هذا الكتاب، ودون أدنى مُبالغة، قطعة من الجمال والمُتعة الخالصة؛ فضلًا عن الإضافة الثقافية والمعلوماتية الكبيرة التي يشعُر بها المرء بعد الانتهاء من قراءته. هو ينتمي إلى ذلك النوع من الكُتب الذي تشعُر بعد أن تقرأه بأنك أكثر معرفة وأوسع أُفقًا، فضلًا عن النشوة الحقيقية الناتجة عن كمّ الجمال الذي تنطوي عليه صفحات الكتاب.
"تلابيب الصورة" اسمٌ اختاره المؤلف الأُستاذ الكبير سعيد شيمي بدقة وعناية كبيرة، فهو قد أمسك بالفعل بكُل تلابيب الصورة في كُل حالاتها التي يعرفها الإنسان، الكتاب يتنقل برشاقة بين كُل فنون الصورة فمن الفن التشكيلي بمدارسه وتطورها إلى الفوتوغرافيا ونشأتها و تطورها أيضًا إلى الصورة السينمائية وتاريخها وتنويعاتها، كما أنه- وهذا من أسرار جمال الكتاب الكُبرى- يرصُد ببراعة التأثير والتأثُر المُتبادل بين فنون الصورة ( التشكيلي والفوتوغرافي والسينمائي)، ولعل من أشد ما أعجبني في الكتاب خلوه من الانحياز الطبيعي والمُتوقع، والمُعتاد أيضًا، في مثل هذه الكتابات، فقد اعتدنا حين يتناول أحد المُتخصصين في فنٍ أو مجال ما فنون أُخرى إلى جانب تخصُصه؛ أن يقودنا في النهاية إلى أن الفن الذي ينتمي إليه هو الأشمل والأجمل والأعظم... إلخ، وهو انحياز- عادةً- مفهوم وغالبًا ما نلتمس العُذر لأصحابه، بل ونراه مؤشرًا على صدق حبهم وإخلاصهم، وبالتالي براعتهم، فيما تخصصوا فيه.
لكن الأُستاذ سعيد شيمي- وهو من هو في عالم التصوير السينمائي- يُفاجئنا في هذا الكتاب بتغريد خارج السرب، ويكشف لنا عن وعي تام ومُدهش بجماليات الفنون المُختلفة، بل وبأهميتها جميعًا وجدلية التأثير والتأثُر فيما بينها، وبالتالي ضرورة وجودها واستمرارها جميعًا جبنًا إلى جنب.
على مدار صفحات الكتاب نلتقي وجهًا لوجه، بل وجدانًا لوجدان مع الأُستاذ سعيد شيمي، ليس مُدير التصوير السينمائي الكبير والكبير بحق؛ وإنما المُتذوق الكبير وصاحب الثقافة البصرية الموسوعية.
في كُل "فصول الكتاب" يعرض ويشرح المؤلف جانبًا من تاريخ وتطور وجماليات الفنون البصرية، ويشرح بدقة وبساطة في آن معًا تقنيات وفنيات ما، ثُم يدعم فكرته بعدد من لوحات الفن التشكيلي والصور الفوتوغرافية واللقطات السينمائية، الكتاب زاخر بالمعلومات التي يُقدمها لنا في إطار سلس وضمن رحلة مُمتعة بين الكتابة والصور على أنواعها.
سمعتُ مرة الأستاذ سعيد شيمي يقول: أنه لا يُحب الكُتب التي لا تحتوي على "صور". أدهشتني المُلاحظة، وأعترف أنني لم أفهمها تمامًا، لكني الآن، وبعد أن فرغت من قراءة أولى لكتاب " تلابيب الصورة"، والذي أظُن أنني ولابُد عائدٌ إليه مرات ومرات، فهمتُ مقولة الأُستاذ سعيد شيمي، وتفهمتها تمامًا، إذ كيف يُمكن لمن يملك كُل هذه الثقافة البصرية، وكُل هذا الفهم والإحساس بالجمال المرئي في كُل تنويعاته، أن يستسيغ كتابًا بلا صور! بل أنني بعد رحلتي مع هذا الكتاب أكاد أعتنق ذات المذهب.
كتاب "تلابيب الصورة" يُجيب على الكثير من الأسئلة التي تشغل بال الكثيرين، سواء كانوا من القُراء العاديين من أمثالي، أو من المُتخصصين سواء في الفن التشكيلي أو التصوير الفوتوغرافي أو فن السينما.
هو كتاب- في أحد جوانبه- دليلٌ لا غنى عنه لكُل من يُريد الارتقاء بتذوقه الفني وإحساسه بجمال الفنون البصرية، بل وبنعمة البصر أيضًا.
أخيرًا، يطيبُ لي أن أختم بما بدأتُ به: الكتاب، قطعة من الجمال والمُتعة الخالصة؛ فضلًا عن الإضافة الثقافية والمعلوماتية الكبيرة التي يشعُر بها المرء بعد الانتهاء من قراءته.
طارق فهمي حسين
يونيو ٢٠٢٠

الاثنين، 1 يونيو 2020

فتي المُخيم.. علي حسين.

فتي المُخيم.. علي حسين.

أخي وصديقي علي حسين، رفيق أنبل سنوات العمر، رفيق المقاومة ، عرفته في سبعينيات القرن العشرين شابا فلسطينيا اصيلا، وترافقنا في صفوف حركة فتح وفي الإعلام الفلسطيني، وتزاملنا في رحلة تدريبية صحفية في بودابشت عاصمة المجر حيث عشنا سويا ( مع ١٣ رفيق ورفيقة آخرين من شباب الإعلام الفلسطيني) وتعايشنا على مدار ال٢٤ ساعة لمدة شهرين كاملين ندرس ونتدرب سويا على أشكال الكتابة الصحفية والتصوير الصحفي وتحميض الأفلام وطباعة الصور، والإخراج الصحفي… إلخ، نفطر ونتغدى سويا بالمعهد، وفي الوقت الحر في المساء نخرج سويا نتقافز في المواصلات العامة ونجوب بودابشت طولا وعرضا، نشتري سويا بمصروف جيبنا الزهيد نفس الملابس والهدايا البسيطة، نحلم سويا بيوم التحرير والعودة، وفي آخر يوم لنا في الدورة وفي بودابشت احتفلنا سويا، واحتفل معنا كل الرفاق، وإدارة المعهد بعيد ميلادي العشرين!
ثم عدنا إلى بيروت وعاد كل منا إلى الجهة الصحفية التي ينتمي إليها والتي رشحته أصلا للدورة: عدت أنا إلى وكالة الأنباء الفلسطينية- وفا، وعاد أخي علي حسين إلى مجلة فلسطين الثورة، لكننا لم نفترق بعدها أبدا وحافظنا على التلاقي اليومي كما اعتدناه في المجر… حتى حان وقت الرحيل فعدت إلى مصر وبقي علي في بيروت حيث ولد وعاش وناضل من أجل قضيتنا جميعا، قضية فلسطين ؛ الوطن الذي لم يره علي منذ ميلاده، لكنه رضع حبه والإيمان بقضيته منذ اللحظة الأولى ككل أبناء فلسطين، ثم كان الخروج إلى تونس، ثم كانت أوسلو التي يراها الكثيرون تراجعا وتنازلا، ولعلي أنا واحد من هؤلاء، لكني أرى ذلك وأنا اعيش داخل حدود وطني الصغير حيث لا ينازعني فيه أحد، ولا ينكر علي أحد حدوده أو هويته، أما أخي علي حسين إبن فلسطين الذي لم يكن ،حتى أوسلو، قد رأى أرض فلسطين ولم تطأ قدماه ترابها، ولم يتنسم انفه هواءها، فكانت له نظرة أخرى شرحها لي حين التقيته في القاهرة في التسعينيات بعد طول فراق ، حين حضر ضمن الوفد الصحفي الفلسطيني لتغطية مؤتمر قمة عربي جمعته على عجل الانتفاضة العظيمة لشعبنا الفلسطيني؛انتفاضة الحجارة. جلسنا علي القادم من الداخل الفلسطيني الذي أتاحت له أوسلو أخيرا أن "يعود إليه" فيرى الوطن والدار ويلتئم شمله بالأهل الذين سمع عنهم عمرا ولم يرهم من قبل، و ثالثنا: طاهر الشيخ القادم من تونس حيث المقر الرئيسي لوكالة وفا بعد الخروج من لبنان، و" طاهر الشيخ" هو الإسم الحركي لفتى مصري من حي شبرا العريق، غادر مصر في نهايات السيتينيات أو ربما بدايات السبعينيات لينخرط في صفوف الثورة الفلسطينية مقاتلا جسورا ولم يغادر لبنان إلا بثيابه العسكرية وعلى ذات السفينة التي حملت أبو عمار ورفاقه إلى تونس، ولم يغادر موقعه بالثورة الفلسطينية حتى يومنا هذا، فهو مدير تحرير وكالة الانباء الفلسطينية، وعميد الصحفيين العرب بتونس.… وأنا… جلسنا ثلاثتنا في ذلك اليوم في لقاء بعد طول فراق فرضه الشتات الفلسطيني و"الافتراق" بين النظم العربية؛ جلسنا نستعيد الذكريات ونناقش القضايا كما لو كنا لم نفترق ولا ليوم واحد، وفي ذلك اليوم شرح لي علي حسين ان "أوسلو" هي التي أعادته - ضمن آلاف- من أبناء شعبنا الفلسطيني إلى الوطن الذي لم يكونوا قد رأوه رأي العين، ولم يعرفونه سوى عبر حكايات الأمهات والجدات، فسرى في دمائهم وفداه الكثيرون منهم بارواحهم، قال لي علي أنه لم يعرف في حياته طعما للعيد إلا حين قضاه للمرة الأولى في فلسطين بين الأهل وتحت أشجار الزيتون.
يومها قال لي علي أن إيمانه بقيادة عرفات ، والذي أشاركه فيه، ويقينه بأن هذا المقاتل الذي وهب عمره كله لقضية وطنه، وفرض بالبندقية احترام العالم واعترافه ، هذا المقاتل لا يفرط أبدا، وهذا أيضا ما أتفق فيه مع أخي علي حسين، وأرى-وأنا المعارض لأوسلو-أن أبو عمار إنما وقع أوسلو تعاملا مع "الممكن" الذي فرضه عليه واقع الأنظمة العربية المتردي ، وبعد أن ألقى إخوة يوسف بأخيهم الفلسطيني في "غيبات الجب"!
قال لي علي حسين في ذلك اليوم عن أبو عمار: " الله يعطيه العمر تا يوصلنا للدولة"
لكن أبو عمار استشهد قبل ذلك اليوم، لكن بعد أن أعاد الآلاف من أبناء فلسطين إلى أرض الوطن ليواصلوا الصمود والنضال، ومن بينهم أخي علي حسين ليضربوا جذورهم عميقا في الوطن الذي استردهم، حتى يستردوه هم يوما.
لم ينقطع التواصل بيني وبين أخي علي عبر هذه الوسيلة أو تلك، ولن ينقطع حتى آخر العمر بإذن الله.
من الخصائص اللصيقة بشخصية أخي علي حسين منذ عرفته وحتى اليوم، ولا أظنه مفارقا لها أبدا، ابتسامته وحبه الشديد للنكتة، علي حسين لا يتوقف عن إلقاء النكات تحت أي ظرف، يلقي النكتة ونحن تحت القصف في بيروت، يلقيها ونحن عالقون في مطار بيروت يوما كاملا لا نستطيع المغادرة إلى بودابشت بعد أن ألغت شركة ماليڤ رحلتها إلى ومن بيروت كما فعلت كل شركات الطيران تباعا في ذلك اليوم تحت ظروف القصف الصهيوني، وبعد أن كانت حقائبنا قد تم وزنها ونقلت إلى حيث تنتظر الطائرة، وجوازات سفرنا قد تم ختمها(خروج) منذ السادسة صباحا، فصرنا رسميا ، وحتى قرب منتصف الليل في "اللامكان" حتى أعيد ختم الجوازات "دخول" ووقفنا عند"السير المتحرك" نلتقط حقائبنا من جديد ونخرج من المطار عبر صالة الوصول!!! ( في اليوم التالي تم إغلاق المطار).
خرجنا مرهقون جائعون محبطون، لكن غارقون في الضحك بفضل نكات علي حسين التي لا تتوقف، ولا أتمنى لها يوما أن تتوقف.
حين يشتد. السعار الصهيوني ضد أهلنا في الداخل المحتل، فيستبد بي القلق فأتصل. بأخي علي حيث يعيش بفلسطين للاطمئنان عليه، فلا ينسى قبل إنهاء المكالمة أن يستوقفني قائلا:سمعت آخر نكتة؟بيقولك …

طارق فهمي حسين
١ يونيو ٢٠٢٠

بين بحرين.

بين بحرين

أخيرا شاهدت فيلم"بين بحرين" فوجدت نفسي كمشاهد مطالب بالاعتذار لكل طاقم عمل هذا الفيلم عن كل هذا التأخير.
فيلم جميل بكل معنى الكلمة.
الفيلم يتناول أكثر من قضية هامة يعاني منها مجتمعنا ، خاصة عند السفح، لكنه- وهذا هو الاختلاف والتميز الأساسي للفيلم- يتناولها بمنتهى الحرفية السينمائية، ودون عبارة خطابية واحدة على مدار الفيلم، وأيضا دون التورط في المعارك والدعايات الدائرة بما يشوش على المضمون الأساسي أو ينتقص من مصداقية العمل الفني.
السيناريو ( أماني التونسي- كريم الدليل) ناعم ومتماسك والحوار ينتمي إلى عالم الواقع بشكل مدهش، ولا يسقط في الفجاجة والابتذال ولو في أدنى درجاتها، على خلاف ما يفعل آخرون بحجة الواقعية خاصة عند تناول البيئة الشعبية او العشوائيات، وفي ظني أن عدم سقوط صناع هذا الفيلم في ذلك المنزلق النمطي يرجع لسببين:
فهمهم لجوهر الفن وارتباطه أولا وأخيرا بالجمال، ثم نظرتهم الصادقة والنبيلة لحياة ومعاناة قطاع كبير من شعبنا، دون تعال. صناع هذا الفيلم - ببساطة- لم ينظروا إلى سكان جزيرة الدهب من فوق "كوبري المنيب" كما فعل بناة الكوبري! وإنما ذهبوا إليهم وإلي مشاكلهم عبر "المعدية" وسيلة النقل الوحيدة التي تصل أهلنا في جزيرة الدهب بالبرين البعيدين اللامعين الصامتين!
الموسيقى ( خالد الكمار) بطل أساسي من أبطال العمل وتساهم ،بجانب الصورة والإخراج وأداء الممثلين في خلق خلفية دائمة من الشعور بالمرارة الذي يخدم -بقوة- موضوع الفيلم.
الأداء التمثيلي في هذا الفيلم حالة من الجمال المتداول بين جميع الممثلين دون استثناء، حتى الطفلتين اللتين قامتا بدوري" شهد" و"شمس" كانتا في غاية التميز والعذوبة.
الفنانة فاطمة عادل، وكعادتها في كل ما شاهدته لها من أدوار، تمثل نموذجا للموهبة الحقيقية والأداء الطبيعي الذي يحار فيه المرء: هل هي التلقائية في الاداء، أم هي درجة عالية من الحرفية توحي بالتلقائية،؟! في كلتا الحالتين فالمستفيد هو العمل الفني نفسه، وبالطبع المشاهد.
بعض ابطال العمل تألقوا كعادتهم، والبعض الآخر أعيد اكتشافه في هذا الفيلم، وكان الجميع في افضل حالاتهم، وهذا يحيلنا بالتأكيد إلى مخرج الفيلم أنس طلبة الذي أجاد بداية اختيار وتسكين ممثليه، ثم أجاد إدارتهم وتوجيههم.
أما الكاتبة مريم نعوم فقد أصبح اسمها قرينا للجودة والمستوى الفني العالي، حتى وإن اقترن ب" ورشة سرد" حسب ما ورد بتترات الفيلم.
بين بحرين فيلم جدير بالمشاهدة…جدا.
طارق فهمي حسين
٣١ مايو ٢٠٢٠

#ذكريات_لاتُنسى.



بعد حرب العاشر من رمضان أقامت الدولة على أرض المعارض بالجزيرة( مكان دار الأوبرا حاليًا) معرضًا أسمته:" معرض الغنائم". عرضت فيه كميات ضخمة من الأسلحة والدبابات التي تم الاستيلاء عليها من جيش العدو الصهيوني، وتوافد المصريون بالآلاف لزيارة هذا المعرض، لم يكُن معرضًا لبيع السلع، ولا الكُتب، وإنما كان معرضًا للفخار والرجولة وبطولات شباب هذا الوطن حين تتح لهم الفُرصة ليكشفوا عن عظمة معدن هذا الشعب العظيم فلا يُقّصرون، بل يأتون بالمُعجزات.
كُنت حين انطلقت حرب رمضان طالبًا بالمرحلة الثانوية، وتم إغلاق المدراس بكُل مراحل التعليم باستثناء المرحلة الثانوية باعتبار أن المدارس الثانوية كانت قد اعُتبرت، ومُنذ ما بعد ٦٧ "مدارس عسكرية" وأضيفت للمناهج التي ندرسها مادة" التربية العسكرية" وتسلمنا بالفعل زيًا عسكريًا رمادي اللون و" قايش" وحذاء عسكري ثقيل، وكُنا نتلقى هذه المادة على أيدي ضُباط بالقوات المُسلحة ( في ظني ضُباط احتياط)، ونذهب إلى المدرسة السعيدية في أيام مُحددة للتدرب على "ضرب النار" بالبُندقية "حكيم".
كُل هذا: استمرارنا في الدراسة دون باقي مراحل التعليم، وزي التربية العسكرية،والتدريب على السلاح مُنذ ما قبل الحرب؛ ملأني إحساسًا بالزهو والجدية وبأنني وكُل طُلاب الثانوي جُزء لا يتجزأ من المعركة ومن الجيش الجسور الذي خاضها، كُنت لا أنسى في الصباح قبل النزول إلى المدرسة أن أُلقي نحو شقيقتي الصغيرة ( تلميذة الإعدادي) نظرة مُباهاة ، فهي وكُل زميلاتها وزمُلاءها في الإعدادي والابتدائي قابعون في البيوت ومدارسهم مُغلقة، بينما أنا وأقراني ننزل كُل صباح بزينا العسكري "لنخوض غمار الخطر" وصولًا إلى مدارسنا " لنُشارك" في المعركة مُتمترسين خلف مقاعد الدرس !
بالطبع لم يكُن هُناك أي " خطر" إذ أن جمال عبد الناصر لم يُغادر الدُنيا قبل أن يترُك لنا حائط الصواريخ الشهير الذي جعل جرائم مثل قصف مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل، ماض لا سبيل إلى تكراره، فضلًا عن أن جيش المليون فلّاح وعامل ومُهندس الذي كان يُقاتل على خط النار لم يترُك - علي الأقل في الأيام الأولى للحرب- مجالًا للعدو لأن يلتقط أنفاسه وهو يولي مُدبرًا، فما بالنا بمجرد التفكير في مُهاجمة العُمق المصري!
انتهت المعركة، وأُقيم معرض الغنائم كما ذكرت، وتوافدنا عليه بالآلاف، ونظمت مدستي رحلة؛ بل رحلات لزيارته، أعداد ضخمة من الدبابات التي تحمل تلك العلامة الكريهة على شكل زاوية حادة، وبعض كلمات باللُغة العبرية الميتة، تملأ أرض المعارض ويُجللها الخزي وعاري العدوان والهزيمة معًا، رأيت أيضًا " طائرة بدون طيار" وهي تتدلى من سقف إحدى قاعات العرض وقد تم تعليقها من جناحيها والذيل والمقدمة بأسلاك دقيقة!
وفي أول شارع المعرض من ناحية كوبري الجلاء وأمام بوابة الدخول وشباك التذاكر تم وضع إحدى تلك الدبابات إعلانًا عن المعرض ، ولما كانت مدرستي الثانوية بالعجوزة وبيتنا في وسط البلد، ولما كُنت وصديقي وزميلي صلاح عُثمان علي سعيد نعود سويًا إلى بيتينا مشيًا علي الأقدام في هواية لازمتني عُمرًا، فقد كان المعرض والدبابة القابعة على بابه في مسار طريقنا اليومي..طريق العودة؛ لما كان الأمر كذلك فقد كانت هوايتنا أن ندخُل في مُعظم الأيام إلى معرض الغنائم لنُشاهد مرارًا وتكرارًا " ما شاركنا" في اغتنامه بصمودنا" البطولي" في فصول المدرسة الثانوية!
كان هُناك مُصور مُتجول كالذين يتواجدون على الشواطىء في المصايف يتواجد يوميًا بجوار دبابة شباك التذاكر عارضًا خدماته لتسجيل اللحظة، على أن يقوم بتسليم الصور في اليوم التالي... فكانت هذه الصورة .
في الصورة: من يسار الناظر للصورة: طارق فهمي حسين- صلاح عُثمان علي سعيد( رحمة الله عليه) ثُم أحد الجنود المُكلفين بحراسة الدبابة/ الغنيمة، جالسين فوق الدبابة ونحن نلوح بعلامة النصر.
طارق فهمي حسين
رمضان ١٤٤١/ مايو ٢٠٢٠


#اشتياق

أشتاق لتلك الأيام... أشتاق للكُتب خان بأناقتها وأناقة القائمين عليها، وندواتها وحفلات التوقيع المُمتعة، أشتاق لمكتبة مصر الجديدة العامة وفعالياتها وابتسامة ودأب مُديرتها الصديقة إيمان مهدي، أشتاق لجاليري ضي ولوجه صديقي محمد حربي البشوش ولرصانته وإدارته البديعة للندوات، وهدوء وتواضُع الأُستاذ هشام قنديل وكأنه لا يفعل كُل ما يفعل من أجل نشر الثقافة والجمال وتشجيع شباب الموهوبين! أشتاق لندوات المركز الدولي للكتاب التي تؤكد - ولو رمزيًا- أنه هُنا كانت يومًا ما دولة تُدرك أهمية الثقافة ، اشتاق لمكتبة آدم بواجهتهاالأنيقة وما تزينها من مقتنيات مدهشة، وداخلها الجميل المبهج وصاحبها الأنيق الودود الصديق البورسعيدي الجميل مجدي رضوان... أشتاق لساقية الصاوي وحفلات اسكندريلا ووجيه عزيز ورترو٠٠٠ مس جنون الفن الذي يُصيب حازم شاهين وصحبه فوق المسرح وتفاعُل ، بل وتوحد الجمهور معهم، واحتضان وجيه عزيز الحالم لعوده والكهرباء التي تسري في الأرواح مع انطلاق صوته، وعفرتة أحمد حدّاد وفاطمة عادل وداليا الجندي وصحبهم ، وأشعاره التي تسقي الروح أكسير الشباب..
أشتاق لمسرح الأوبرا الصغير، أمين حدّاد واقفًا منتصب القامة مرفوع الهامة وهو ينشد أشعاره المُدهشة " المُشجنة"، ومحمد عزت يُحيلها ألحانًا جميلة ومي حدّاد تجلس وادعة بوجهها الإيقوني وصوتها الملائكي مُثبتّة كوعها إلى جنبها ومُحركة باقي ذراعها بشكل لا إرادي طربًا وفهمًا لما تشدو به...
اشتقتُ لمسرح الفلكي عبقري التصميم وإلى عروض فرقة " اللعبة" المسرحية، وفرقة "أتيليه المسرح" المُدهشة المُبشرة بغٍد مسرحٍي أجمل ...
اشتقتُ لكُل وجوه الأصدقاء الذين ألتقيهم في كُل تلك الأماكن صُدفًة واتفاقًا، اشتقت لوجه عمنا الكبير زين العابدين فؤاد، المُرحب البشوش وابتسامته التي تسعُ مصر كُلها بل والوطن العربي والعالم، وعينه المُحبة وكاميرته الصغيرة الراصدة المؤرخة...
طارق فهمي حسين
من خلف جُدران العزل الاختياري
في مايو من عام ٢٠٢٠

"شنبو"... في الذاكرة!

"شنبو"... في الذاكرة!

في طفولتي، وعلى مائدة إفطار رمضان كنا نسمع صوت مذيع الراديو يصيح بنبرة شديدة الجدية: إذاعة البرنامج العام منطط القاهرة تقدم:
شنبو في المصيدة، ويبدأ صوت الجميلة شويكار في الانطلاق صداحا:
شنبو يا شنبو والله ووقعت يا شنبو…
فكنت أنفجر في الضحك -كل يوم- للمفارقة الشديدة بين جدية المذيع و كوميدية العنوان والأغنية والمسلسل كله!
واليوم بعد آذان المغرب مباشرة أدرت مؤشر الراديو إلى البرنامج العام فأتاني صوت المذيع جادا شديد الجدية:
إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة تقدم: شنبو في المصيدة…… شويكار: شنبو يا شنبو والله ووقعت يا شنبو…
نفس الجدية يعقبها نفس الكوميديا لنفس المسلسل، هي ذات المفارقة التي كانت تضحكني من القلب طفلا، أما اليوم فلا أدري لماذا ملأ هذا التتر المرح البديع عيني بالدموع؟!
طارق فهمي حسين
رمضان ١٤٤١/ مايو ٢٠٢٠

الأربعاء، 11 مارس 2020

رحل الصديق وبقيت الصداقة..

لا يختلف اثنان على أن مخرجنا العظيم الراحل محمد خان هو واحد من أهم المخرجين في تاريخنا السينمائي، كما لا يختلف اثنان أيضا على أن الفنان سعيد شيمي هو واحد من أبرز مديري التصوير في السينما العربية،كلاهما قدم عددا من أهم الأفلام، وقدما سويا عددا من أميز وأهم تلك الأفلام.
غادر محمد خان دنيانا، ولم- ولن- تغادرنا سينما محمد خان، هذا أمر مؤكد.
لأسباب،قد يراها هو وجيهة، اعتزل الفنان سعيد شيمي عمله كمدير للتصوير السينمائي بعد أن أثرى الشاشة الفضية بآلاف الكادرات البديعة، وبعد أن أضاف الكثير لفن التصوير السينمائي، وأضاف أيضا لتقنيات التصوير؛ بل ولتكنولوچيا التصوير السينمائي على الأرض وتحت الماء ايضا. إذن اعتزل سعيد شيمي التصوير لكنه لم يعتزل السينما، وإنما فقط ترك الكاميرا وأمسك بالقلم ليضع خلاصة تجربته الطويلة على صفحات عدد من الكتب الهامة التي يثري بها المكتبة السينمائية العربية، والتي تصلح بقوة، بل وبالضرورة، لأن توضع ضمن مناهج التدريس بمعاهد السينما.
على صعيد آخر فإن صداقة تاريخية، ومنذ الطفولة، جمعت بين العملاقين محمد خان وسعيد شيمي، فكان لها أثر عظيم سواء على معنى وقيمة الصداقة نفسها، أو فيما قدماه سويا من إبداع سينمائي، وأقصد بإشارتي إلى معنى وقيمة الصداقة هنا ما قام به الأستاذ سعيد شيمي على مدار ثلاث كتب، أو-للدقة- ثلاثة أجزاء لكتاب واحد يتضمن رسائل محمد خان إلى سعيد شيمي خلال تغريبة خان قبل عودته لمصر، هذا الحفظ المعتني للخطابات، وهذه القراءة المحبة التي قام بها الصديق لخطابات صديقه فوجد فيها كل تلك القيمة التي تستحق أن يشرك معه فيها جمهور القراء وجمهور السينما على حد سواء.
الصداقة إذن كما يفهمها ويضرب لنا بها مثلا هذا الكتاب ثلاثي الأجزاء تنطوي، فيما تنطوي، على حفظ تاريخ وتراث الصديق ونقله وإشاعة ما فيه من قيمة بين عموم الناس، فتمتد سيرة الصديق الراحل وتكتسب أبعادا جديدة تعني القراء والمشاهدين وتاريخ السينما بقدر ما تعني الصديق الأمين على هذا التراث والناشر له…
شكرا للفنان الأستاذ سعيد شيمي على هذه الإضافة الجميلة الهامة والموحية لتاريخنا السينمائي وللصورة الجميلة لمخرجنا الراحل محمد خان، وكذا لمعنى وقيمة الصداقة كما ينبغي ان تكون.
طارق فهمي حسين.
مارس ٢٠٢٠