‏إظهار الرسائل ذات التسميات لُبنان ... سنوات الصعود .. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لُبنان ... سنوات الصعود .. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

دلال سعيد المغربي



دلال سعيد المغربي
=====



حسناء فلسطينية عاشت على الأرض عشرين عاماً فقط ، ثُم عادت إلى ملكوت السماء لتُكمل حياتها الأبدية في جنات عدن حيثُ ينتمي أمثالها …
حرص الصهاينة على ألا تولد دلال و ملايين مثلها في وطنهم الفلسطيني ،فولدت في مُخيم فلسطيني في لبنان ، و على ألا تعود دلال إلى ذلك الوطن ، لكنهم يمكرون و يمكُر الله ، الذي كان له سبحانه تدبير آخر ، كذلك كان لدلال رأي آخر هو ذاته تدبير الرحمن ، فوضع الله يده فوق يد دلال التي تأبطت كلاشينكوفاً و إصطحبت معها ثُلة من أقرانها ، إستقلوا قوارب مطاطية و يمموا شطر وطنهم الذي لم يولدوا فيه و لم يروه من قبل ، ذهبوا في رحلة لصيد الخنازير ، وصلوا إلى شاطيء حيفا الذي يعرفونه من حواديت الأُمهات ، نزلوا إلى شاطئهم و خطوا فوق رمالهم و بدأت رحلةُ الصيد ، إصطادوا عدداً كبيراً من الخنازير ، عددٌ يستحيل عملياً صيده إذا كانت تلك البنادق في غير أيدي دلال و رفاقها …
تعبت دلال و الرفاق من كثرة ما اصطادوا و من كثرة ما أنشدوا من غناء لفلسطين ، فاستراحوا إلى الأبد و قفلوا عائدين إلى جنات تجري من تحتها الأنهار حيثُ ينتمون ليسكنوا بيوتهم الجديدة في “ الحي الفلسطيني “الكائن بالفردوس الأعلي من الجنة …
حرص الصهاينة على أن تولد دلال خارج فلسطين ، لكنهم عجزوا عن أن يمنعوها من أن تُدفن في فلسطين .
عاشت دلال المغربي أبد الدهر جميلةٌ وشابةٌ في سن العشرين الجميل الذي لن تتجاوزه أبداً .

طارق فهمي حسين 

ديسمبر ٢٠١٧

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

صيدلية " ج.شاكر "


صيدلية " ج.شاكر "



الزمان :  الثُلاثاء ١٤ إبريل  ٢٠١٥
المكان : شارع الحمراء - بيروت - لبنان
======================
أما السؤال :  فما مغزى الحرص على إلتقاط صورة أمام صيدلية ، في بلد لا يوجد له مثيلا في  جمال الطبيعة و كثرة الأماكن الخلابة التي يحرص أي إنسان على أن تلتقط له الصور فيها ….
الإجابة  في القصة التالية ، و التي قفزت من أعماق ذاكرتي حين كنت أسير في الحمراء فإذا بي أجد صيدلية “ ج. شاكر” ماثلة أمامي بدون أي تغيير في الشكل و الواجهة و حتى اللافتة عما تركتها عليه مُنذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان  .

في شهر أغسطس من عام ١٩٧٥ ، و بعد إنتهيت من إمتحانات الثانوية العامة سافرنا إلى بيروت لقضاء جانب من أجازة الصيف مع أبي ( كان ذلك قبل إنتقالي فيما بعد للإقامة ببيروت ) و أثناء وجودنا ببيروت وصلتنا الأنباء من القاهرة بظهور نتيجة الثانوية العامة و عدم نجاحي في إجتياز “ مضيق “ الثانوية العامة الشهير في ذلك العام ….
في المساء حضر إلى بيتنا كالمعتاد الشاعر و الكاتب الكبير و السينمائي و الموسيقي و المناضل العملاق عبد الرحمن الخميسي فوجدنا و قد خيم علينا جميعاً الحُزن ، و أنا بالذات يُخالط حُزني خجل شديد من أُمي و أبي ، فإستنكر القديس عبد الرحمن الخميسي هذه الأجواء و أجلسني أمامه و مال بقامته المهيبة إلى الأمام ليواجهني عن قُرب مُحدقاً بعينيه العميقتين الطفوليتين في ذات الوقت في عينيَّ و قال لي : إن ماوتسي تونج زعيم الصين حين جهز جيشاً للمرة الخامسة محاولاً أن يُحرر بلاده من الإستعمار الياباني و هُزم قال : هذا مُجرد فشلي الخامس ! و عاود الكرة مرات و مرات حتى دان له النصر و حرر بلاده التي صارت من أعظم دول العالم بعد ذلك ، ثُم أردف : إذن يا طارق هذا مُجرد فشلك الأول ! فإذا بي أشعُر بالدماء تسري من جديد في عروقي و بشعور بالإصرار و الإعتزاز بالنفس يحل محل شعور الخزي و الخجل الذي كان مُسيطراً علي قبل قليل ، ثُم نهض القديس واقفاً آخذاً بيدي و أعلن : “ ها ننزل أنا و طارق نتمشى شويه في الحمرا ، و لم يعرض على أي من الموجودين النزول معنا …
و بالفعل نزلنا إلى شارع الحمرا و أخذنا نتمشى و نتبادل الحديث - ذلك العملاق الخميسي و أنا - كأي صديقين من ذات الجيل !!! و أخذ القديس يروي لي من حكاياته و طرائفه التي لا تنضب و أنا مع كُل خطوة و كُل كلمة أشعُر بقامتي تزداد طولاً و هامتي تطاول عنان السماء و أنا أسير مع صديقي عبد الرحمن الخميسي !!! و الذي على الرغم من قدم علاقة أسرتي به رفيقاً و صديقاً بل و جار أيضاً في القاهرة ، و برغم أن حظي من الجلوس إليه و الإستماع إلى حديثه كان كبيراً لكنها كانت المرة الأولى التي يختصني منفرداً بحديثه و صحبته … حتى وصلنا في شارع الحمراء إلى هذه الصيدلية التي تظهر في الصورة : صيدلية ج . شاكر ، و لما كان القديس عبد الرحمن الخميسي في تلك المرحلة من العُمر مولعاً بتشخيص الأمراض لنفسه و وصف الدواء بالتبعية ، حتى أنه في إحدى المرات شخص لنفسه نوبة قلبية فضحك أبي و قال له بل عله إنتفاخ بالمعدة إثر وجبة لبنانية دسمة أدى إلى أن ضغط الحجاب الحاجز على صدره فسبب ألماً توهمه الخميسي نوبة قلبية ، و قدم له أبي حبتين من دواء للهضم إسمه “ فستال “ و بالفعل بعد وقت بسيط زال الألم فهلل الخميسي مُشيداً “ بعبقرية أبي الطبية “ و أقسم أن يفتح له عيادة يُمارس فيها “ هواية “ الطب !!! 
إستطراداً : لما كان الأمر كذلك بالنسبة للقديس عبد الرحمن الخميسي كما أسلفت : يُشخص لنفسه الأمراض و يصف الدواء ، فما أن وقع بصره على هذه الصيدلية حتى أخذني من يدي و دلفنا إلى داخل الصيدلية حيثُ أخذ “ يتسوق “ تشكيلة متنوعة من الأدوية بإهتمام و إستمتاع بالغين ، و قبل أن يدفع الحساب لنخرج من الصيدلية توقف فجأة و كأنما تذكر شيئاً هاماً و نظر إلى وجهي مُتفحصاً ( و كُنت في سن السادسة عشر ) ثُم إنتقى من فوق أحد الأرفف فُرشاة حلاقة من ماركة أوميجا الفاخرة و أهداها لي فكانت أول عهدي بأدوات حلاقة الذقن !!! و حتى يومنا هذا ، و على مدار أربعة عقود كاملة من الزمان مازلت أستخدم ذات الفُرشاة بعينها و لا أتصور لها بديلاً رغم ما وضع عليها الزمان من بصمات و ما أصاب شُعيراتها من شيخوخة و جفاف ، لكني لا أملك ترف الإستغناء عن هدية صديقي الكبير عبد الرحمن الخميسي الذي لا أنسى يوم كُنت عائداً في أجازة إلى القاهرة وحدي فجلس يُحملني بالرسائل الشفوية و الوصايا العاطفية حتى بكى بالدموع و هو يُعبر عن إفتقاده للعودة إلى مصر قائلاً : أنا عبد الرحمن الخميسي إسمي محفور على كُل حجر في مصر و لا أستطيع أن أعود إلى أحضانها و أن أسير في شوارعها و أجلس في مقاهيها ، لاعناً السادات و زمنه الذي تسبب في هذا الوضع …

اليوم و بعد أربعة عقود كاملة - كما أسلفت - من تلك القصة ، كُنت أسير في شارع الحمراء بصحبة زوجتي و معنا الرفيقة العظيمة رحاب المكحل ، فإذا بي أُفاجأ بصيدلية ج. شاكر قابعة على الرصيف المُقابل كما تركتها مُنذ عقود دون أي تغيير في الواجهة أو اللافتة أو أي شيء رغم ما أصاب شارع الحمراء كله من تغييرات كبيرة ، فهرعت كالطفل عابراً إليها و طلبت من زوجتي أن تلتقط لي صورة أمام الصيدلية العتيدة ، و أنا حين أُمعن النظر في هذه الصورة أرى القديس عبد الرحمن الخميسي واقفاً إلى جواري ، أو - للدقة - أجدني واقفاً في ظله الوارف بقامته العملاقة و هو يحمل في إحدى يديه ذلك الكيس البلاستيكي البسيط الذي لم يكن يفارقه و الذي كان يضع فيه أغراضه البسيطة و منها أدويته  التي لم يكتبها له أي طبيب ، و واضعاً يده الأُخرى فوق كتفي مُطمئناً و مُشجعاً و مُحفزاً ….. 

طارق فهمي حسين
١٥ إبريل ٢٠١٥

الــ " بست هوم "


الـ " بست هوم "
=====

page1image1600page1image2096
هذا البيت شبه المهجور في شارع الصيداني بمنطقة الحمراء في بيروت هو
ما كان يعرف ببناية “ بست هوم... “
في سنوات السبعينيات من القرن الماضي كان أبي هو أول من سكنه من
الكتاب و الأدباء و المثقفين المصريين الذين كانوا ُيلقبون بالطيور المهاجرة ، و
الذين غادروا مصر مابين مختار و ُمضطر  لينأوا بأنفسهم عن البيئة السياسية
و الصحفية الملوثة التي سادت في عهد السادات...
كانت شقتنا الصغيرة التي تحمل رقم ٤٤ في الطابق الرابع من هذه البناية
أشبه ببيت الأُمة حيثُ كانت المحطة الأولى لأغلب من وصلوا إلى بيروت من
المناضلين و المُثقفين المصريين في تلك الفترة سواء قادمين من مصر
لرفضهم التفريط الذي كان يقوده السادات ، أو قادمين من عواصم عربية أخرى
رفضاً لسياسات التجنيد و الإحتواء التي كانت تمارسها عليهم الأنظمة
الحاكمة في تلك الدول !
في شقتنا هذه التي كانت مكونة من غرفة واحدة للنوم و صالة صغيرة و
بلكونة واسعة إستضاف أبي العديد من تلك الطيور النبيلة المهاجرة أياما و
أسابيع قبل أن يتم تدبير أماكن إقامة خاصة بهم ، و أحياناً في ذات البناية :
بست هوم.
فشرُفت شقتنا المتواضعة على سبيل المثال بإستضافة القديس عبد الرحمن

الخميسي ، و الكاتب و باحث التراث شوقي عبد الحكيم ، و المناضل و أحد
قيادات الحركة الطُلاب الشهيرة في عام ١٩٦٨ ماجد إدريس ، و الفنان
المُناضل محمد حمام ، و غيرهم كثيرون ، و بالطبع كانت إستضافة هؤلاء
تحدث تباعاً فلم تكن الشقة لتتسع لأكثر من ضيف واحد بالإضافة لأبي و أنا
كما تشرفت بعض ُشقق هذه البناية أيضاً بإقامة ُكل من الكاتب الأديب
المُناضل براء الخطيب ، و الكاتب سيد خميس و إبن شقيقته الحقوقي
ُحسني أمين ، و غيرهم حتى كانت هذه البناية بحق معقلاً لكوكبة من أنبل
أبناء الحركة الوطنية و التق ُدمية المصرية ، كذلك كانت شقتنا الصغيرة رقم ٤٤
أشبه بمركز ثقافي و ُملتقى سياسي يومي للعشرات من وجوه التيارات
القومية و التقدمية العربية من ُمختلف الأقطار العربية بالإضافة للمصريين ،و
كانت اللقاءات الفكرية و السياسية اليومية تتم بالتناوب بين شقتنا هذه و
بيت المناضل و الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح المُدير العام لوكالة الأنباء
الفلسطينية (وفا) و زوجته ماجده التي كانت رغم حداثة سنها أشبه بأُم
المصريين في لبنان و بين شقة الكاتب و المُناضل الأردني النبيل غانم ُزريقات
وزوجته الوديعة إيلين، ُكنا نتجمع شبه يوميا في واحد من هذه البيوت في
نهاية يومنا المليء بالعمل و النضال السياسي و الثقافي و أحياناً العسكري
في تلك الأيام من سنوات الحرب الأهلية في لبنان الأبي لنتجمع حول الطعام
و الثقافة و السياسة أو حول قادم جديد نسمع منه و يسمع منا جانب من
الليل ثُم نتفرق للنوم إستعداداً ليوم جديد من السياسة و الصحافة و القتال
لكن ظلت شقتنا رقم ٤٤ من تلك البناية “ بست هوم “ تتفرد بسحر خاص قد
لا يعرف الكثيرون منا سره الذي كان يتمثل في شبه الإجماع حول شخصية
أبي فهمي حسين التي تجمع و لا تفرق و الذي كان يمتلك قدراً من النُبل 
الحكمة و الود يتسع للجميع ، فقد شهدت هذه الشقة المتواضعة ميلاد
العديد من الحركات و التجمعات المصرية المقاومة للنظام الحاكم المُفرط الذي
كان قائماًً في مصر في تلك الفترة ٠( و أراه لا يزال قائماً بالمُناسبة)....
شهدت هذه الشقة الصغيرة مثلاً ميلاد التج ُمع الوطني للمصريين في الخارج
و الذي كان إمتداداً لحزب التج ُمع الوطني التق ُدمي الوحدوي في مصر ( و
الذي كان شأنه في ذلك الزمن غير شأنه اليوم بالتأكيد ) و الذي إن ُتخب أبي
ُمقرراً له ، كما شهدت مثلاً ميلاد فرع لُبنان من إتحاد الشباب الديموقراطي
المصري على يد الراحل ماجد إدريس ، و الذي تشرفت بانتخابي رئيساًً له
في تلك الفترة...
ضمت سهرات تلك الشقة السياسية و الثقافية كوكبة كبير ة من المُناضلين  و
المُثقفين العرب من أغلب الأقطار ، من ُهم مثلاً كما أسلفت عبد الرحمن
الخميسي و زياد عبد الفتاح و ماجد إدريس و براء الخطيب و فاروق عبد القادر
و أحمد الأزهري ( فاروق القاضي) المُستشار السياسي للقائد ياسر عرفات ،
و أبو الخل و أبو توفيق و سيد خميس و شوقي عبد الحكيم و غانم ُزريقات و
حيدر حيدر و الناشر سليمان ُصبح و الدكتور عبد القادر ال ُقط و الشعراء ُمعين
بسيسو و محمود درويش ، و سمير كرم و زوجته إجلال و الراحل محمد
إسماعيل مدير تحرير وفا و زوجته سهام ، و رحاب المكحل و معن بشور و
بشاره مرهج و طاهر الشيخ ( جمال الدين شولاق) و ساميه صابر ( إيمان
في ذلك الوقت ) و الفنان عدلي فخري و محمد حمام و زوجته راوية
المانسترلي و المُلحن حسن نشأت و الروائي رؤوف مُسعد و السينمائي  فؤاد التُهامي و أسماء لا
حصر لها ربما بين بعضها قدر كبير أو قليل من التباين الإنساني و الفكري لكن
يجمعهم جميعاً في تلك الحقبة خيطُ واحد متين هو ُحب الوطن العربي الكبير
و الإيمان بالمُستقبل و بالقضية الفلسطينية و عدالتها ، و كذا الإستعصاء على الكسر أو التدجين....
كان هذا كما أسلفت في السبعينيات من القرن العشرين....
أما اليوم ، أو تحديداً بالأمس وقفت في شارع الصيداني ببيروت أتطلع إلى “
بست هوم “ و قد آل حاله إلى ما يتبدى في هذه الصور ، فمر أمامي شريط
الذكريات و تتابعت في ذهني الصور و الوجوه التي تفرقت بها ال ُسبل فمنهم

من غادر ُدنيانا،ومنهم من إنسحب إلى داخل ذاته وحياته الخاصة،ومنهم
من مازال يحمل رايات الكفاح و الدفاع عما يؤمن به حتى اليوم سواء في بيروت أو في مكان آخر...
وقفت ُمحدقا ًبالبناية التي غادرتها ُمنذأكثرمن ثلاثة عقود من الزمان أتأمل
حالها و حالي و ُأفكر : هل هي مرآة أرى فيها حالي أم هي - على هذا النحو
الذي آلت إليه - أشبه بنُصب تذكاري أو ضريح لحركة الثورة و القومية و التقدم
العربية ؟ ... أرجو أن أكون ُمُخطئاً  ... لكن على أية حال فها أنا و قد من علي
الله بعد ُكل هذا الزمان أن أعود إلى بيروت - و لو لأيام معدودة و أقف أمام ...
البست هوم ... أو ما تبقى منه!!!


طارق فهمي حسين
  ١٥ إبريل ٢٠١٥

ُمعين بسيسو ... شاعر الشعب الفلسطيني و الأُمة العربية.


ُمعين بسيسو ... شاعر الشعب الفلسطيني و الأُمة العربية. 
==============

عرفت الشاعر مُعين بسيسو أول ما عرفته من خلال قصيدة كانت مُقررة علينا في الصف الأول الإعدادي و كانت بعنوان " فلسطين الحبيبة " للشاعر الفلسطيني المُعاصر " مُعين بشير " !!! هكذا كان إسمه مطبوعاً في كتاب وزارة التربية و التعليم ! و أثناء مُذاكرتي للقصيدة بصوت مسموع ( و كانت المُذاكرة تشمل حفظ إسم الشاعر ) سمعني والدي القصاص و الصحفي / فهمي حسين - رحمة الله عليه - أذكر الإسم كما ورد بالكتاب فصحح لي المعلومة بأن إسم الشاعر " مُعين بسيسو " و ليس بشير و أمام إصراري على التمسك بما ورد بكتاب الوزارة    ( الذي كان مُقدساً بالنسبة لي في تلك السن ) أكد لي أنه يعرف القصيدة جيداً و أنها تخُص معين بسيسو و أن الشاعر صديق شخصي له و طلب مني تصحيح الإسم لدى مُدرس الفصل ، و هو ما حدث في اليوم التالي في المدرسة ، و الأمر الرائع الذي أثار دهشتي ، و الذي يُبين كم كانوا رائعين مُدرسي ذلك الزمان - 1970 - )أن المُدرس " الشيخ المُعمم الأستاذ / عبد الجواد مدرس اللغة العربية و الدين بمدرسة القربية الإعدادية بعابدين - القاهرة ، أقول أن الأمر الرائع أن ذلك المُدرس العظيم - و بعد أن سألني عن تأكيد أبي للمعلومة - قد طلب منا جميعاً أن نُصحح الإسم في كتاب الوزارة و أن نكتب الإسم الصحيح في إمتحان آخر العام إذا ورد سؤال بخصوصه على مسئوليته الشخصية موضحاً أن إمتحانات النقل تُصحح داخل المدرسة و أنه سيبلغ زملاؤه بالتصحيح و سيُخطر المنطقة التعليمية و الوزارة ...
ثم مضت بضع سنوات حتى إلتقيت في بيروت بالشاعر مُعين بسيسو وجهاً لوجه فوجدته ليس مُجرد شخصاً يكتب الشعر ... بل قصيدة حية تمشي على قدمين 
كُتلة من الصدق و الفروسية ... فلاح فلسطيني ضارب بجذوره في أرض أجداده و لا سبيل إلى إقتلاعه منها و لو باعدت بينه و بينها آلاف الكيلومترات 

حين وقع حصار بيروت من قبل الجيش الصهيوني 1982 كان مُعين بسيسو خارج لبنان في رحلة عمل فتوجه إلى دمشق و دفع عشرات أضعاف السعر المعروف للرحلة من دمشق إلى بيروت لأحد سائقي التاكسي لينقله إلى بيروت مُخترقاً الحصار لينضم إلى أبناء شعبه المُحاصرين و إلى قوات الثورة الفلسطينية و قياداتها المُحاصرة و على رأسهم البطل الراحل أبو عمَار ... هكذا كان مُعين بسيسو .. و هكذا عرفته ... رحمة الله عليه و تحية له و لكتيبة أبطال هذه الأُمة الراحلين في سبيل الحُرية و العدل ... تحية من داخل حصار طال بنا في هذه الأُمة الرهينة.
طارق فهمي حسين
إبريل  ٢٠١٥

لبنان يا قطعة سما / ( ٢ ) الإتجاه جنوباً .

لبنان يا قطعة سما ( 2 )

الإتجاه جنوبا 
=====



بعد " العودة " المظفرة للشهيدة دلال المغربي و رفاقها البواسل إلى فلسطين عام 1978 فيما عُرف وقتها بـ “ عملية الأوتوبيس” ، و التي كانت في حقيقتها كما وصفها نزار قباني إعلان جمهورية فلسطين و رفع علمها في قلب الوطن السليب … و مع التهديدات الصهيونية بإجتياح الجنوب كان لزاما علينا أن نتجه إلى الجنوب لنرابط  و فوهات البنادق جميعها في إتجاه واحد نحو العدو الواحد ، ففي ذلك الزمان كانت البوصلة لاتزال سليمة لم تنكسر بعد …
فكانت الرحلة الواجبة من بيروت إلى صيدا فـ صور ثم إلى تبنين و من تبنين حيث تزودنا بالأسلحة المناسبة إلى كونين حيث تمركزنا …  و ما أدراك ما “كونين “حيث القرية الصغيرة التي تتوسطها بحيرة ساحرة تتحلق حولها بيوت الفلاحين اللبنانيين الذين ما أن تدخل إلى بيت واحد منهم و ترى أسرته البسيطة و تقدم لك أقداح الشاي اللامتناهية العدد في نفس ذات الأكواب الصغيرة المخصرة بخطين ذهبيين التي يستخدمها أهلنا على بعد آلاف الأميال في عمق الريف المصري ، حتى تدرك المعنى الحقيقي العميق الخالي من التنظير للقومية العربية و لوحدة الدم و التاريخ و المصير … تستقبلنا الأسرة الريفية البسيطة في بشاشة و تقدير بالغين ، و يتطوع أحد الرفاق اللبنانيين بكذبة - يراها بيضاء - بأن يدعي قرابة مزعومة تجمعني شخصيا بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر ! فإذا بالأسرة كلها تعاملني معاملة الكائن الأسطوري ، و الجيران يتنادون ليكتظ بهم البيت البسيط و هم يتسابقون في الترحيب بي و التحديق في وجهي باحثين عن طيف عبد الناصر فارس أحلام الأمة الراحل …

                                                      ***

في خنادق الجنوب كنت تقابل " الرجل " الفلسطيني الفدائي الذي لم يتجاوز من العمر أربعة عشر عاماً ! يدخل إلينا الفتى " كفاح " العائد من معركة " مارون الراس” التي كان من أبطالها في ذات الصباح و التي تم خلالها تحرير القرية من أيدي الإنعزاليين صنائع و وكلاء جيش العدو الصهيوني .... كفاح ... هكذا كان إسمه – الحركي غالبا – بنية و وجه طفل متورد الخدين إنفعالا و لا تكاد تتبين طبيعة بنيانه الجسماني من حجم ما يحمل على ظهره من مهمات عسكرية ... في الليل كان كفاح يعاني صعوبة في النوم إذ كانت أول ليلة له بعد معركته الأولى و قتيله الأول من الأعداء ….

كان الأكبر سناً بيننا و أحد أبطال معركة مارون الراس أيضا " الشيخ " هكذا كنا نناديه و لا يعرف أينا له إسماً ، درزي لبناني ربما كان يقترب من سن الخامسة و العشرين فكان أكبرنا سنا ، و مع لحيته الوجيهة و انتماؤه الدرزي كان لقب " الشيخ " هو الأنسب له  ، كان الشيخ مقاتلا جسورا متمرسا ، و كان الأكثر إعمالا للقتل في مرتزقة العدو ، و كان أيضا أكثر الموجودين حياءا و خجلا و أخفضهم صوتا !
كان هناك " عابد  " الفتى اللبناني الوسيم و الإبن المدلل لوالده كما كان يحكي لنا ، كان عابد يموت رعبا على مقعد طبيب الأسنان فيقول له أباه : ألست فدائيا ؟ كيف تخاف هكذا ؟!!! و كان عابد هذا نفسه مقاتلا صلدا يرى في الدفاع عن تراب الوطن بل و الموت في سبيله مسألة بديهية لا تتطلب شجاعة ما ، على عكس الجلوس على مقعد طبيب الأسنان !!!

في تلك السنوات الرائعة وفي عمق الجنوب اللبناني الساحر كنت تلقى كافة النماذج من الفتية و الشباب الفلسطيني واللبناني  من مختلف الإنتماءات العقائدية و السياسية  و ربما الطبقية لكن جميع هؤلاء كان يجمعهم خط واحد مشترك قد لا تكاد تراه ، و قد تراه بوضوح منذ الوهلة الأولى ... ألا و هو أرقى درجات النبل الإنساني ، كائنات فوق البشرية ببضع درجات، خاصة عندما يتعلق الأمر بما يعتقدون و يحلمون و بتراب الوطن و تربته الحمراء النفيسة …

في أحد الخنادق تجد رفيقا لبنانيا حالما حين يعرف أنك من مصر و أنك لابد إليها عائد ، يحدثك  عن حبيبته المصرية و التي يحلم بالزواج منها يوما ما ، و يدس في يدك – و أنتما في الخندق الجنوبي – ورقة بها إسمها و إسم الكلية التي تدرس بها في جامعة الأسكندرية ، فقط لتحمل إليها – إن أمكن – سلامه …

 في الليل كنا نجلس على الأرض محتضنين السلاح  و متطلعين إلى قمة جبل الشيخ التي تتبدى على البعد لنا بشموخها المتفرد و تتبدى لنا – على مرمى صاروخ تحول دون إطلاقه حسابات الأنظمة العربية التي لا تنتهي و لا تفضي إلى شيء في ذات الوقت – تتبدى أضواء المستوطنات الصهيونية  الناشبة أظفارها في لحم الوطن الفلسطيني ... نجلس و نتسامر و تدور أحاديث السياسة و المقاومة و الشعر و الحب و الأحلام المشتركة للغد ، يمد أحدهم يده و يضغط زرا فينبعث صوت الشيخ إمام قويا شجيا : 

تكرم عين الشعب الزين 
في عمان و في القطرين
شعب عنيد يقول مايريد
و شو مايقول عالراس و العين 
....
أدهشني  - ربما لفرط السذاجة – أن أسمع صوت  الشيخ إمام عيسى إبن خوش قدم بالغورية في قلب القاهرة  يشدو هنا في عمق الجنوب اللبناني ،  و أن رفاقي في هذا المكان يعرفونه و يحتفظون بتسجيلاته ، لكني سرعان ما أدركت أنه كان الأحرى بي أن أدهش لو لم أستمع للشيخ إمام في مثل هذه البقعة من وطني العربي ... حين أبديت دهشتي لكون بعض الأغاني أسمعها لأول مرة – و أنا المصري و أبي هو أول من كتب عن الشيخ إمام في الصحافة -  أصر صاحب الشريط على أن يهديه لي ... و مازلت أحتفظ به منذ ما يقرب من أربع عقود من الزمان ... حين كنا ندخل لننام كان مكان النوم غرفة واحدة متوسطة الإتساع ، و كنا ننام متجاورين على الأرض نحو أحد عشر " عنصرا " بكامل سلاحنا و ملابسنا و حتى أحذيتنا حتى نكون مستعدين في كل وقت  ، إستثناءا من النوم على الأرض ، و على السرير ( أو التخت ) الوحيد الموجود كان ينام  - بموافقة من الجميع –الفتى المدلل عابد  الذي لا يخشى – بعد الله – سوى طبيب الأسنان !

على مدار الليل كان يقوم بالحراسة فردين بالتناوب لمدة ساعتين كل نوبة ، و في نوبتي  كنا ثلاثة من الأصدقاء حيث كان ثالثنا من النوبة السابقة يرفض الدخول للنوم مفضلا صحبتنا أثناء نوبتنا أيضا لما يجمع ثلاثتنا من صداقة من أيام بيروت و ” الكزدرة “ أي التمشية على الروشة و شراء القمصان الرخيصة من الأسواق الشعبية …

في الصباح المبكر و مع بدايات الضوء كنا نبدأ يومنا بطابور تدريبات الصباح تحت قيادة الضابط الفتحاوي   محمد علي ، و الذي كان يتميز عنا بفارق ملحوظ في السن - ربما جاوز الثلاثين - فضلا عن زيه العسكري التقليدي كما في الجيوش النظامية ، و صرامة و إنضباط واضحين ، كنا نبدأ بالركض المنتظم عبر طرقات و حقول القرية و حول البحيرة حاملين أسلحتنا هاتفين : فلسطين بلدي ، لبنان بلدي ، ثم ننتقل إلى أسماء كل البلاد العربية حتى نصل - مازحين - إلى الهتاف : كونين بلدي ، تبنين بلدي …. و يكتم بعضنا ضحكاته و نحن نتهامس : “ بلدك منين إنت و هو بس ؟ أنا أول مرة آجي هنا أساسا ! إنتوا عايزين أهل البلد يطردونا ؟!   فتتعالي الضحكات حتى يقطعها صوت الضابط محمد علي الصارم و تعليماته بالإنتقال إلي مرحلة أخرى من التدريب الصباحي ….

حين صعدنا إلى مارون الراس لنحل محل المقاتلين المنتصرين في معركة تحرير هذه القرية الحدودية ، لينزلوا هم محلنا في كونين بصفتها موقعا خلفيا إلى حد ما لينعموا ببعض الراحة بعد معركتهم الشرسة المظفرة ، حين وصلنا إلى مارون الراس وجدتها أشبه ما تكون بشرفة مطلة من علٍ على الوطن السليب في فلسطين ، فهي كما يفصح إسمها على ما يبدو أقصى نقطة في الحدود اللبنانية تلامس تراب فلسطين و تشكل أمثل نقطة أو معبر للعودة المنشودة يوما …
                                                       ***
حين عدت إلى بيروت و وصلت إلى البيت كانت نظرتي الأولى لوجهي في المرآة بعد أيام عديدة لم يتح لي فيها رؤية إنعكاس وجهي في أي سطح لامع حتى ناهيك عن مرآة ! ففاجئني شعري الأشعث و ذقني  النامية و حتى لون بشرتي الذي تغير !!! لكن هذا الوجه الذي طالعته في المرآة مستغربا كان يحمل تعبيرا لم آلفه من قبل من الفخر و الزهو و الصلابة المكتسبة من رحلة الجنوب المجيدة …

بعد بضعة أيام و أنا أصعد سلم البناية التي بها مقر  وكالة الأنباء الفلسطينة حيث أعمل بقسم الإستماع ، أصعد السلم حليق الوجه منمق الشعر تفوح مني رائحة عطر فاخر و يملؤني زهوان ، زهو الصبا و العنفوان و زهو العائد من الجنوب منذ بضعة أيام ، فيصدم وجهي و يحيل زهوي خجلا و إحساس بالضآلة ملصق كبير الحجم معلق على الحوائط تتصدره صورة كبيرة باسمة للضابط محمد علي  و مطبوع تحتها بخط كبير عبارة : محمد علي - شهيد الثورة الفلسطينية .
                                                                         طارق فهمي حسين
                                                                         أغُسطُس ٢٠١٥


لبنان … يا قطعة سما / (١) بيروت.

لبنان … يا قطعة سما

( ١ )    بيـــــــروت




أستيقظ هذا الصباح أغالب آلاما جسدية هنا و هناك ربما تتعلق بمرحلة عمرية ما ! 
أنهض من فراشي  و قد فاجئني الإستيقاظ - ككل يوم - و لم أكن قد حسبت له حسابا ما !!!
أجلس في مكان مفضل من البيت ، أتناول بضع من حبات الكرز ، و أصب لنفسي كوبا من عصير الأناناس ، ثم أضغط أحد الأزرار فينبعث صوت فيروز صداحا و تسري نغماته في الجسد قشعريرة ، و يا لها من قشعريرة فيروزية أو بالأحرى : بيروتية …. مع كل كلمة و نغمة تنبعث من أوتار القيثارة الفيروزية الربانية تصعد روحي و تغادر المكان متلهفة نحو بيروت و شوارعها و ذكريات كل ركن … تلهث الروح و هي تعدو حافية في تلك الشوارع محاولة أن تزور كل شارع مررت به يوما و مر بي من تلك المدينة التي هي بحق كما قالوا عنها و عن لبنان كله   “ قطعة سما “ … من شارع الحمرا إلى الصيداني و جان دارك  إلى الفردان و من  المصيطبة إلى الشياح و من طريق الجديدة إلى كورنيش المزرعة و الفكهاني و مفرق الكولا إلى زاروب أم ذكور … و حتى صابرا … أواه يا صابرا ….


ثلاث سنوات من مطلع الشباب في تلك السبعينيات من ذاك القرن العشرين سكنت فيها بيروت و سكنتني بيروت ،  فكانت قصة حب لا ينتهي ، حتى و إن كان من طرف واحد ، و إن كنت أستبعد ذلك فبيروت لا تعرف سوى الحب و تحب حتى مبغضيها فما بالي بعاشقيها و بينهم أنا ؟! و أنا قد عشت بيروت في تلك السنوات من زمن الحرب العالمية الصغيرة الملقبة - زورا- بالحرب الأهلية اللبنانية و هي تسمية كاذبة خادعة فكيف تكون “ أهلية “ و أهل لبنان لا يعرفون سوى الحب ، و كيف يعرفون سواه ؟ كيف يملك أن يبغض من يملك الكرز و الأرز و صوت فيروز … و الأفق الممتد جبلا و بحرا ؟!!!
هي - بحق - حرب عالمية بين كثير من قوى الشر و مقاوميه في  العالم لم تتسع لها ساحة سوى جبال لبنان و وديانه و التي - في النهاية - إستعصت على الجميع و ظلت واقفة تنبت أشجارها و تطرح كرزها و أرزها و تصدح إلى عنان السماء بصوت فيروز …
                                                      ***

ذلك الفتى الذي كنته يوما كان في بيروت الطالب الجامعي و مشروع الصحفي الناشيء ( الذي لم يتم ) بقسم الإستماع بوكالة الأنباء الفلسطينية ، و المقاوم الفتحاوي و الحالم الناصري ، كان يسير في المظاهرة هاتفا مع الجموع : " الجيش السوري المحبوب ... لازم يطلع عالجنوب " ، و كان يتمترس حاملاً سلاحه مع الرفاق  الفلسطينيين  واللبنانيين على الحواجز عند الفجر يحرس معهم أجمل مدن الأرض …

كانت الحياة في بيروت في تلك الفترة أعجب مما يخطر ببال من لم يعايشها بنفسه ، فالمدينة كانت ترزح تحت عبء الحرب و الإنقسام إلى مدينتين غربية و شرقية ، و مناطق تماس خالية من البشر و تحكمها طلقات القناصة ، في بيروت الشرقية حيث كان يسيطر الإنعزاليون حلفاء الكيان الصهيوني كان القتل على الهوية لأبناء المناطق والطوائف و الإنتماءات السياسية غير المتوافقة مع قوى الإنعزال ، أما في بيروت الغربية حيث أرض المقاومة الفلسطينية و قوي التقدم اللبنانية المتحالفة معها فكان العيش المشترك لكل الطوائف و الإنتماءات الدينية و العرقية و السياسية شريطة وضوح الإنحياز لعروبة لبنان و شرعية إحتضانه للثورة الفلسطينية .

كانت وتيرة الحرب في صعود و هبوط دائم ، و كانت تتخلله الكثير من فترات الهدنة و الهدوء طبقا للحسابات ، و أحيانا الأهواء ، السياسية المختلفة ، فهاهو إسبوع كامل من القصف الصاروخي المتبادل و الإنقطاع الدائم للكهرباء ، لكن الحياة تمضي على نحو لا يستطيعه سوى الشعب اللبناني و من يختلطون به من المقيمين على أرض الأحلام ، أقصد أرض لبنان ! فالقصف لا يحول بيننا و بين أن نتزاور في البيوت و نتبادل “ العزائم “ و السهرات التي لا تخلومن عود يعزف و صوت يصدح بالغناء ! فقط عند العودة إلى البيت يشرح لك مضيفوك خطة المسير إلى “ مفرق الكولا “ مثلا حتى تحتمي بجسم الكوبري الذي هو تحت الإنشاء ( لم تتح ظروف الحرب إستكماله إلا بعد عشرات السنين ) فتشرح لك ربة المنزل أو أحد الأبناء كيفية السير من هنا لأول ناصية على الجانب الأيمن مثلا من الشارع لتتجنب إتجاه القصف ، و بعد ذلك و مع إنحراف الطريق إلى اليسار مثلا عليك أن تعبر إلى الرصيف المقابل لتظل بمنأى عن إتجاه القصف ، و هكذا ، مع الأخذ في الإعتبار أنه إذا تناهى إلى سمعك صوت صفير قصيرهامس فهذا يشير إلى سقوط وشيك لصاروخ على مقربة منك ، عليك عندئذ أن تنبطح أرضا على الفور … و هكذا و الله يسلم ، هكذا فقط ، لكن أن تتوقف الحياة أو نمتنع عن التزاور أو حتى الذهاب مع الصحاب لأكل لحم بعجين أو تناول بعض  الحلويات الشرقية ؟! لا يا أخي ما بيكون هيدا لبنان ! مسألة إلتزام البيوت و النزول إلى الخنادق هذه تسمع عنها في أي بلد في العالم إلا في لبنان ، فالعالم كله يعرف الحياة و الموت ، أما لبنان فلا يعرف إلا الحياة رغم كثرة ماذاقت أرضه من موت و قتل و دمار إلا أن الأمر فيما يبدو لم يأت على “ هوى “ لبنان و شعب لبنان فتجاهل الأمر و مضى في حياته و إن ظل يدفع حصته  الفادحة من الموت و لكن بإمتعاض و تجاهل عجيب !
أما في فترات الهدوء المؤقتة ( في ذلك الزمن من سبعينيات القرن العشرين ) فكنت ترى العجب : مطاعم و دور سينما جديدة تفتح أبوابها ، إعادة رصف لكل حفرة صنعتها شظية في أصغر الشوارع ، الناس جلوس في المقاهي اللامعة في شارع الحمراء - الذي كان وقتها في ريعان شبابه - ، أحدث الموضات تزين فتارين المحال التجارية ، مسرحية جديدة لفيروز على مسرح البيكادللي ، و مسرحيات زياد الرحباني الأولى المتمردة على مسرح آخر متسائلا : بالنسبة لبكرة …شو ؟  مسرحية أخرى ساخرة ساخطة بعنوان صادم “ … أخت هالحالة “ !
                                                          ***


قصص الحب و الأيدي المتشابكة على شاطيء الروشة و مقاهي الحمرا و في الزوايا … المناضلة اللبنانية الصبية الجميلة التي تدرس بالجامعة و تعمل و تشارك بالنشاط السياسي و الإجتماعي بل و العسكري ، فتقود المسيرات و الندوات و تنظم معسكرات الأطفال ، و تزور عائلات المقاتلين و تتدبر مساعدتهم و دعمهم ، وصولا إلى إستقبال الأسلحة الواردة للمقاومة لتجلس إلى “ طشت “ كبير مملوء بالكاز ( الجاز ) و الشباب من حولها يفكون أجزاء البنادق الصينية الجديدة و هي تتولى غسلها لإزالة الشحم عنها و تجفيفها  ليعاود الشباب تركيبها لتصبح جاهزة للإستعمال !… كثير منا وقع في حبها من طرف واحد ، و جميعنا إلتزم الصمت فلم يجرؤ أحد على الإقتراب من محظور البوح حتى لا يفقد رفقتها و أخوتها بل و الإنضواء تحت زعامتها الإختيارية رغم صغر سنها و ظاهر حسنها ! أما هي فكان واضحا للعيان أنها لم تترك هامشا من عواطفها لشأنها الخاص فوهبت من نفسها كلها إلى لبنان و ترابه و فقراءه وأمته العربية …


أما  إبنة الجيران الجميلة التي ظللت مكتفيا بالنظر إليها من بعد عبر البلكون و لا تجرؤ على محاولة لفت نظرها نظرا لظروف الحرب شديدة التوتر ، إذا بها تنتهز فرصة أن يجمعكما منفردين مصعد البناية ، و قبل أن تغادر المصعد في الطابق الذي تقيم فيه تدس في يدك شيئا و تخرج مسرعة خجلى ، تفتح يدك لتنظر فإذا به شريط لأغنية أم كلثوم “ الحب كده “ و مكتوب عليه إهداء رقيق  … لكني في الصباح التالي كنت مغادرا إلى مصر ، أما الشريط فلم يغادر مكتبتي حتى اليوم …

هذا بعض ما مر بخاطري من ذكريات بيروت و زمنها النبيل ، و هو البعض القليل فالسطور مهما إتسعت تضيق بحكايات بيروت و ذكرياتها العطرة 


                                                                                طارق فهمي حسين  

أغُسطُس ٢٠١٥